تحليل طبيعة ومضامين الأمن الجماعي ويليه ملخص تفسيرا ت الحرب العالمية الثانية
أولا: تحليل طبيعة ومضامين الأمن الجماعي
نظراً للنتائج المدمرة للحرب العالمية الأولى تم إلقاء اللوم على "توازن القوى"، من طرف الليبيراليين الذين وضعوا قواعد العلاقات الدولية بعد الحرب (في مؤتمر فرساي ثم في عصبة الأمم)، حيث اعتبرت سياسات التوازن القوى "غير أخلاقية"، لأنها تنتهك الديموقراطية وحق تقرير المصير. لذلك، أدى انتصار الديمقراطيات الأوروبية في الحرب إلى الاستغناء عن توازن القوى، لأنه حسب الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، فإن سياسات توازن القوى لا تُعطِ الأولوية للديمقراطية أو السلام، ولكن (كما ذكرنا) هو آلية للحفاظ على سيادة الدول والوضع القائم، لأن من خلاله تعمل الدول على الحيلولة دون هيمنة دولة/دول أخرى عل النظام الدولي، وهكذا يتفق توازن القوى مع الحرب وانتهاك حق تقرير المصير (مثلما حدث بعد ويستفاللي1648، وفيينّا 1815، عندما تم الحفاظ على الحقوق الملكية، واُهمِلت الحقوق القومية).
يعتقد الليبيراليون التقليديون (أصحاب النظرة المثالية للعلاقات الدولية)،و على رأسهم ويلسون، أن استخدام الحرب للحفاظ على توازن القوى، كان وراء الحرب العالمية الأولى، وبالتالي لم يعد مقبولا كآلية للحفاظ على الاستقرار في النظام الدولي.
لكن، ما هو البديل؟
يقول ويلسون بأن الدول ذات السيادة لا يمكن إلغاؤها، ولكن بيمكن ترويض القوة عن طريق القانون الدولي والمؤسسات كما هو الحال على المستوى الداخلي، وعليه كان الحل الليبيرالي هو تكوين المؤسسات الدولية، كما هو الحال مع المؤسسات الداخلية، وبالتالي يمكن تطبيق إجراءات وأساليب ديمقراطية على المستوى الدولي، حيث يعتقد الليبيراليون أن الديمقراطية تجعل العالم أكثر أمنا، وفي مطلع جانفي 1918، أصدرت الولايات المتحدة بيانا يتكون من 14 نقطة، تُعلن فيه سبب اشتراكها في الحرب، وكانت النقطة الأخيرة هي الأهم، حيث جاءت فيها الدعوة إلى "تكوين مؤسسة عامة للدول، تحكمها مواثيق خاصة، من أجل ضمان الاستقلال السياسي، ووحدة الأراضي لكل دولة مهما صغرت أو كبرت".
كان هناك اعتقاد لدي الليبيراليين أن تنظيم/مأسسة الأمن الدولي قد يكون مدخلا عمليا للسياسة الدولية؛ أي أن الاتفاقيات وحدها غير كافية، وهي بحاجة إلى المنظمات كآلية لمتابعة تنفيذها، كما يجب أن يكون الأمن مسؤولية جماعية تقوم بها كل الدول غير العدوانية في وجه الدولة/الدول المعتدية، أين يُصبح السلام غير قابل للتجزئة.
كيف يتم تحقيق/تطبيق نظام الأمن الجماعي؟
1.اعتبار الاعتداء غير مشروع، وتحريم الحرب الهجومية (مبدأ أخلاقي)؛
2.ردع العدوان من خلال تشكيل ائتلاف من كل الدول المسالمة/الديمقراطية (تصوّر أخلاقي/مثالي)؛
3.إذا فشل الردع وحدث العدوان بالفعل، تتفق جميع الدول غير العدوانية على معاقبة الدولة المعتدية، بتكوين ائتلاف قوي، فإن لم يفلح الردع لجأت إلى استخدام القوة. (هنا تتشابه سياسة الأمن الجماعي مع سياسة توازن القوى).
تمثلت مفاهيم ومبادئ الأمن الجماعي في ميثاق عصبة الأمم، والتي كانت بدورها جزءا من الاتفاقيات التي أنهت لحرب العالمية الأولى، ومن أهم المواد التي تجدُر الإشارة إليها بصفة خاصة؛ المادة العاشرة التي تعهدت فيها الدول الأعضاء بحماية جميع الأعضاء ضد أيّ اعتداء. والمادة الحادية عشر التي نصّت على أن نشوب أيّ حرب أو وقوع أيّ تهديد بالحرب، يمثّل اهتمام جميع الدول الأعضاء. وفي المادتين الثانية عشر والخامسة عشر، اتفقت جميع الدول على إحالة خلافاتها إلى التحكيم، وعدم اللجوء إلى الحرب إلّا بعد فشل التحكيم بثلاثة أشهر. أما المادة السادسة عشر، وهي المادة الأهمّ، فقد جاء فيها أنّ أيّ حرب تقع ضاربة عرض الحائط بإجراءات عصبة الأمم المنصوص عليها في الميثاق، تعتبر حربا ضد جيع الأعضاء، وتقع الدولة المعتدية فورا تحت طائلة العقوبات الاقتصادية، ومن حق مجلس عصبة الأمم أن يوصي باتخاذ إجراءات عسكرية ضدّها.
يبدو ما جاء في ميثاق العصبة قويًّا، لكن كان يلزم أن توافق الدول الأعضاء بالإجماع على أي قرار لتطبيق نظام الأمن الجماعي، بمعنى أن أي دولة كانت تملك حق الاعتراض. الأمر الذي حال دون أداء العصبة لوظيفتها التي أُنشئت من أجلها، وبالتالي لم تكن حلاًّ لنظام الدول الفوضى (لم تكن سلطة عليا فعّالة في تنظيم الاختلاف والتعارض في العلاقات بين الدول، مثلما تفعل المؤسسات على المستوى الداخلي/الوطني).
لم تكن الثغرة الكبرى في نظام عصبة الأمم/الأمن الجماعي قانونية أو مؤسساتية، ولكن كانت سياسية، وهي عدم انضمام الولايات المتحدة للمؤسسة التي أنشأتها بنفسها؛ فقد رفض مجلس الشيوخ الأمريكي التصديق على ميثاق عصبة الأمم، وبغياب الولايات المتحدة، وأيضا الاتحاد السوفييتي، أصبح نظام الأمن الجماعي غير عالمي، حيث أن أكبر الدولى لم تنخرط فيه. وقد حرصت الولايات المتحدة على العودة إلى سياسة العزلة والانفتاح بحذر على الأحداث في أوروبا والعالم، حتى لا تنجرّ إلى حروب جديدة بعيدة عنها جغرافيا، وذلك في إطار التزامها بمبدأ مونرو 1823 "أمريكا للأمريكيين".
لقد كانت أُسسن نظام الأمن الجماعي منذ البداية هشّة، ولم تكن الدول الكبرى ترى فيها أساسا لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، وقد تبدّد التفاؤل الليبيرالي المثالي بشأن الأمن الجماعي مع أزمتي غزو اليابان لمنشوريا 1931، وغزو إيطاليا الفاشية لإثيوبيا 1935. وفي ظل استعادة ألمانيا لقوتها تدريجيا، عادت الدول الديمقراطية (خاصة فرنسا وبريطانيا) إلى التركيز على توازن القوى بدل الالتفات إلى الالتزام بمبادئ وقواعد ميثاق عصبة الأمم. ووِفقا لجوزيف ناي، لم يحاب الدبلوماسيون التقليديون نظام الأمن الجماعي لعصبة الأمم، ولكنهم أعادوا فهمه بصورة أخرى؛ فمن منظور توازن القوى، كان آخر شيء يرغبون فيه هو التورط في صراع بعيد في إفريقيا، في حين توجد مشكلات ملحّة في وسط أوروبا، وقد قال الواقعيّون التقليديون: "إنّ العدوان البعيد في إفريقيا لا يهدد الأمن الأوروبي، وكانت المفاوضات والترضية لازمة لإعادة الإيطاليين إلى الائتلاف". وليس من المستغرب أن فرنسا وبريطانيا بدأتا في التساهل بشأن العقوبات مع إيطاليا، بل تم وضع خطة لتقسيم إثيوبيا إلى جزأين؛ جزء لإيطاليا وجزء لعصبة الأمم.
ثانيا: تفسيرات الحرب العالمية الثانية
فاقت الحرب العالمية الثانية جميع الحروب التي سبقتها؛ سواء من حيث الخسائر البشرية التيتراوحت تقديراتا بين 35 و50 مليون شخص، أو من حيث الحجم الدمار الذي لحق بالدول التي طالتها الأعمال العسكرية، وذلك نتيجة لتطور الأسلحة المستخدمة خاصة الطيارات والدبابات، وقد كان أبرز تطور في مجال الأسلحة، هو تدشين العصر النووي/الذرّي بإلقاء قنبلتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي.
انتهت الحرب العالمية الثانية باستسلام غير مشروط، وقامت الدول المنتصرة باحتلال اليابان وألمانيا، كما قانت بإدخال تغييرات عميقة على تلك المجتمعات خلال الاحتلال، لمنع تشكّل أي نزعة انتقامية، كما تم حل المشكلة الألمانية نصف قرن من الزمن بتقسيمها، كما ساهمت الحرب العالمية الثانية في خلق ما يسمى بالعالم ثنائي الأقطاب، وخرجت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من هذا الصراع أكثر قوة، وانتهى الدور الأوروبي المركزي في آلية توازن القوى، وأصبحت أوروبا مجرد منطقة تتصارع فيها قوى غير أوروبية حتى 1989 (نهاية الحرب الباردة).
هل كان من الممكن تجنب الحرب الباردة؟
رغم أن الواقعيين يعتبرون أن فترة ما بين الحربين العالميتين كانت مرحلة جنينية للحرب العالمية الثانية، وقد وصفها إدوارد هاليت كار بأزمة العشرين سنة (1919-1939)، إلّا أن الليبيراليين، على غرار جوزيف ناي، يقولون بأن الحرب العالمية الثانية لم تكن حتمية!!، لكن زادت احتمالات نشوبها بمرور الوقت، ويفتحون المجال لمجموعة من الاحتمالات التي كان من الممكن أن تحول دون نشوبها. مثلا: لو أن الديمقراطيات الأوروبية اختارت استرضاء ألمانيا في العشرينيات، لكان من الممكن الحفاظ على أمانيا الجمهورية وتجنُّب النزعة الانتقامية. ولو أن الولايات المتحدة وقّعت على معاهدات فرساي، ولعبت دور المحافظ على توازن القوى كما فعلت بعد 1945 (أو كما فعلت بريطانيا من قبل)، لربما لم يكن هتلر ليصل إلى السلطة. ولو أن الولايات المتحدة انضمت إلى عصبة الأمم، لربما كان من الممكن ردع ألمانيا/هتلر عبر التحالف مع بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، قبل أن يحق أي نجاح.
وبما أن كل هذا لم يحدث، لعبت استراتيجية هتلر وشخصيته دورا كبيرا في التقدم على الحلفاء، وعندما بدأ الاستعداد فعليا للحرب، أصبح نشوبها شبه حتمي، رغم سياسة الترضية أو الاسترضاء الذي مارسه الحلفاء مع السياسات التوسعية لألمانية النازية.
كانت سياسة الاسترضاء إحدى السياسات التي سمحت بطور الأحداث نحو الحرب، وتعتبر هذه السياسة (الاسترضاء)، وسيلة كلاسيكية للدبلوماسية، حيث استخدمت بنجاح بعد 1815 مع فرنسا المهزومة، ونفس السياسة استخدمتها بريطانيا مع الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر. ويمكن الزعم أن الاسترضاء هي السياسة التي كان يمكن أن يتبعها الحلفاء مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى في العشرينيات. ومن المفارقات الكبيرة في هذا الصدد أن الغرب واجه ألمانيا في العشرينيات في الوقت الذي كان يجب أن يسترضيها، واسترضاها في الثلاثينيات في الوقت الذي كان يجب أن يواجهها.
يطرح جوزيف ناي ثلاث مستويات لتفسير اندلاع الحرب العالمية الثانية كما يلي:
مستوى الفرد: يرتبط بوصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا، فبفضل مهاراته العسكرية وجُرأته ومبادئه القتالية، كان يريد الحرب كوسيلة لاستعادة الحقوق الألماني، والتخلص من وضع الدولة الضعيفة المحاطة بالأقوياء، لينطلق نحو السيطرة على أوروبا. كان هتلر غالبا ما يرفض آراء مساعديه ومستشاريه نتيجة لإيمانه بعبقريّته بشكل غير محدود (مما أوقعه في أخطاء قاتلة)، فضلا عن نزعته العنصرية التي حرمته من العديد من المزايا، منها خدمات المتمردين ضد نظام ستالين في أوكرانيا عند غزو ألمانا للاتحاد السوفييتي (اعتبر هتلر الأوكرانيين مجرد عناصر سلافية وضيعة لا تستحق أن يتحالف معها ضد ستالين)، الاستهانة بقوة الولايات المتحدة لاعتبارات عنصرية وعرقية (اعتبر الو.م.أ دولة ضعيفة لأنها تضم الزنوج واليهود)، مما جعله يكسب المزيد من الأعداد ويغامر بالدخول في مواجهات ساهمت في خسارته للحرب.
مستوى النظام الدولي: الأكيد أن الحرب العالمية الثانية كانت أكبر من أن تكون حرب هتلر، فالمنظومة الدولية بعد الحرب العالمية الأولى ومع غياب توازن القوى في البداية، لم تم بحل مشكلة ألمانيا، مما أثار القومية الألمانية (الأمر الذي تهاونت معه الدول المنتصرة والمتضررة من دمار الحرب)، فعادت ألمانيا بقوة مع وصوول النازية للحكم. ومن جهة أخرى، كان غياب الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي عن نظام مابعد الحرب العالمية الأولى، وغياب قوة رادعة لألمانيا قبل فوات الأوان، إضافة إلى وصول الأنظمة الشمولية إلى الحكم في العديد من الدول كالشيوعية والنازية والفاشية والحكم العسكري؛ كل ذلك كان بمثاب العوامل التي ساهمت في غياب الاتصال والتقارب بين أعضاء المنظومة الدولية، وبالتالي غياب التفاهم حول مستقبل العلاقات الدولية، والقواعد التي تحكم النظام الدولي وتحافظ على استقراره.
المستوى الداخلي: عموما، ساد الصراع والانقسام الطبقي والعقائدي داخل الدول الأوروبية الديمقراطية، وانعكس ذلك في غياب التنسيق في مواقفها في السياسة الخارجية، إضافة إلى الانهيار الاقتصادي، بسبب الكساد العظيم الذي ميّز الأزمة الاقتصادية العالمية، وقد أبان ذلك أيضا عن غياب التنسيق الاقتصادي العالمي بين دول المنظومة الرأسمالية، مما ساهم في المزيد من السياسات التدخلية للدولة، وأتاح الفرصة لصعود الأنظمة الشمولية، ووصولها إلى الحكم (في ألمانيا، إيطاليا، اسبانيا، ...)، أضف إلى ذلك السياسة الانعزالية للولايات المتحدة الأمريكية.