الجيوبوليتيك النقدي والجيوبوليتيك النيوكلاسيكي - ملخص
ملخص الجيوبوليتيك النقدية والجيوبوليتيك النيوكلاسيكية
بعد اتهامها بالتواطؤ مع النازية، أصبحت الجيوبوليتيك مجالًا أكاديميًا من الأفضل تجنبه للعديد من الجغرافيين في الولايات المتحدة وأوروبا. كانت النتيجة النهائية ذات شقين:
- أولاً، كان هناك إحجام عام عن استخدام مصطلح "الجيوبوليتيك " بشكل صريح؛
- وثانيًا، تحول الاهتمام إلى البحث عن لغة علمية اجتماعية جديدة، والتي من شأنها أن تحل محل فكرة أن الدولة هي كائن حي.
- في معظم فترة ما بعد عام 1945/ الح.ع2، كانت الإشارات الصريحة إلى الجيوبوليتيك محدودة أكاديميا وفي الممارسات الخطابية.
حتى لو كانت الشخصيات المعروفة مثل جورج كينان تتحدث وتكتب عن القوى القارية، وعن الكتلة الأرضية الأوروبية-الآسيوية وإمكانيات الموارد في المناطق... إلى غير ذلك
ملاحظة:
في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، كانت الجيوبوليتيك الطريق المختصرة/الأقصر لإبراز التنافس بين القوى العظمى والأبعاد الإقليمية المرتبطة بها، خاصة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، ومناطق التنافس على النفوذ والتي تجري حولها المزاحمات السلطوية
اشتهر هنري كيسنجر بأنه جعل الجيوبوليتيك محترمة مرة أخرى في الأوساط الأكاديمية والدوائر السياسة الأمريكية (1979).
كما استخدم معاصرون آخرون مثل مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر ، زبيغنيو بريجنسكي ، اللغة الجيوسياسية للترويج لوجهة نظره القائلة بأن السيطرة على `` قلب الأرض '' (وهي وجهة نظر عبر عنها ماكيندر قبل حوالي 70 عامًا) كانت ضرورية للأنماط المستقبلية للسياسة العالمية . كما أشار بريجنسكي ، "كل من يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. وحذّر .. إذا استولى الاتحاد السوفيتي على أطراف هذه الكتلة الأرضية ... فإنه لن يكتسب السيطرة على الموارد البشرية والاقتصادية والعسكرية الهائلة فحسب، بل سيحصل أيضًا على إمكانية الوصول إلى المنافذ الجيوستراتيجية لنصف الكرة الغربي - المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ .
وبالمقابل لكي تحافظ الولايات المتحدة على مكانتها العالمية، ستحتاج بالقوة إذا لزم الأمر، إلى ضمان تأمين إمدادات الموارد الحيوية والوصول الآمن إقليميا ودوليا لهذه المناطق.
فكان المعنى الضمني لانبعاث الاهتمام بالجيوبوليتيك في سبعينيات القرن الماضي هو تذكيرنا بالسبب الذي يجعل الجيوبوليتيك لا تزال تثير قدرًا كبيرًا من الاهتمام وتفرض نفسها، وكما ذكرنا سابقًا في بداية محاضراتنا حول المفهوم، (المنافسة والصراع وعدم الثقة). أضف إليها؛
الشكوك حول الدبلوماسية والقانون الدولي؛
فهم علاقات القوة باعتبارها لعبة محصلتها صفرية؛
الإيمان بأهمية الموارد مثل النفط والغاز والفحم والمعادن؛
التناقض الصارخ بين القوى البرية والبحرية؛
إضافة إلى الاستعداد للحث على التدخل (أو في بعض الأحيان عدم التدخل) حيث تكون مصالح الأمن القومي على المحك.
( ملاحظة: ما يلي مقتبس بتصرف من مقال للأستاذ جلال خشّيب)
مع نهاية الحرب الباردة، وجدت النزعة الليبرالية المنتصرة مناخها الأنسب، إذ عرف العالم آنذاك تحوّلات بنيوية عميقة مسّت العالمين الأكاديمي والواقعي على حدّ سواء. وكان للجغرافيا كعامل حاسم، وللجيوبوليتيك كعلم مرتبط بالسياسات العليا للدول، حظّهما من النقاشات والقراءات النقدية. فقد تنامت الأفكار والطروحات المنادية «بموت الجغرافيا» وانتهاء عصر الجيوبوليتيك وبداية عصر جديد لم تعد فيه للأرض والجغرافيا أيّة أهمية تُذكر؛ عصر صار فيه العالم «قرية كونية» وتغيّرت فيه مفاهيم الزمان والمكان جذريًا.... لماذا؟
لأن العولمة عمّقت من الارتباطات والاعتماد المتبادل بين الشعوب عبر العالم، ما أدّى نتيجةً لذلك إلى خلق مستوى أعلى من الترابط اصطُلح على تسميته «المجتمع المدني الكوني» .... وتلاشت مع ذلك محفزّات الجغرافيا.
في السابق، كانت الدولة ذات السيادة اللاعب المهيمن الوحيد على المسرح العالمي. اليوم صارت مفاهيم من قبيل القرية الكونية، المجتمع الدولي والمجتمع العالمي القائم على الحوكمة العالمية وفق المعايير والقيم الليبيرالية، ... مفاهيم من شأنها أن تكون مخفِّفة لحدّة الفوضى التّي تعتري بنية النظام الدولي ...؟
في المجال العسكري، قضت الطائرات النفاثة والصواريخ الباليستية العابرة للقارات على أهميّة الجغرافيا، وميّعت قيمة ومكانة الأرض والفضاء الجغرافي في حسابات القوة والضعف.
كما صار التطوّر التكنولوجي الرهيب عاملًا رئيسيًا ينبغي وضعه في الحسبان عند تحليل موازين القوى الدولية. فقد كانت هذه الموازين، كما يشرح البروفيسور تشارلز كابشان، خلال الحرب الباردة بين الشرق والغرب بدرجة أولى نتيجةً للمخرجات الصناعية وحجم الترسانات التقليدية والنووية للطرفين. بينما صار اليوم فيروس الكمبيوتر ربّما أكثر الأسلحة فتكا.
كلّ هذه العوامل حتمّت على باحثي الجيوبوليتيك والمنظّرين المهتمين بدور الجغرافيا في علاقاتها بالتفاعلات الدولية وبنية النظام الدولي أن يطوّروا معنى ودلالة ومضمون العامل الجغرافي في التحليل لكسب الحجّة في مناقشة النظريات الجديدة، ولا سيّما تلك المنتمية إلى المنظور المابعدي أو تلك المروِّجة لمقولات العولمة.
فدخل باحثو الجيوبوليتيك في مهمّة المحاججة بأهميّة الجغرافيا في عصر العولمة والتكنولوجيا مع نهاية الحرب الباردة. وصاحب هذه المحاججة والنقاش ما يمكن أن نطلق عليه عملية إعادة تأهيل هذا الحقل المعرفي "الجيوبوليتيك"، ليتناسب مع الطروحات الجديدة والتحوّلات الناجمة عن التغيّر في بنية النظام الدولي وطبيعة التفاعلات العالمية.
فبرزت على المستوى الأكاديمي جملة من الطروحات النظرية الجديدة المنطلقة من منظور جديد بات يعرف بالمنظمو/التيار غير الوضعي. على غرار البنائية وما بعد البنيوية، حيث أبرزت الأولى دور اللغة في السياسة، الحياة الاجتماعية والسياسة الخارجية، بينما ادّعت الثانية أنّ الجوانب المهمّة للعلاقات الدولية هي التاريخ والبناء الاجتماعي بدلًا من النتائج غير المرئية للطبيعة البشرية وغيرها من الصفات الأساسية للسياسة العالمية التي سادت من قبل.
فالنقاشات الفلسفية والنظرية الحديثة، مع التطور الذي عرفه حقل العلاقات الدولية والواقع الدولي والعالمي، غيّرا معنى الجيوبوليتيك.
حيث أن الجيوبوليتيك التقليدية التّي تركّز على مبدأ الحتمية الجغرافية والتّي تحلّل بدورها العلاقة بين العوامل الجغرافية والخيارات السياسية قد اختفت حسب النظرة الجديدة. والعملية البحثية القائمة على استخلاص النتائج أساسًا من عوامل: الأرض، البُعد عن البحر، حجم الإقليم، المناخ والمجال… إلخ قد انتهت. كذلك، حتى الفرضية الجيوبوليتيكية الأكبر المتعلقة بذلك الصراع الأزلي بين قوى البر وقوى البحر قد انتهى أيضًا.
لقد تغيّر الحال مع التطور العسكري والتكنولوجي، وبخاصّة مع الأسلحة النووية التّي قلّلت أهميّة العوامل الجيوبوليتيكية الكلاسيكية على غرار: الإقليم، والديمغرافيا والاقتصاد؛ ويبدو أنّها من غير الممكن أن تُحدث أيّ فارق في عالم اليوم.
لقد أدّى التطور التكنولوجي، وليس العسكري وحسب، إلى المساهمة في تسريع وتيرة العولمة. وبدا للعديد من الباحثين «أنّ مسارات العولمة بمختلف أوجهها ومظاهرها وتداعياتها، قد نزعت سلاح الجيوبوليتيك»، لذلك، ينبغي التركيز على حقل الاقتصاد بدلًا من الجغرافيا، وعلى التعاون الدولي والأسواق العابرة للقوميات بدلًا من دراسات التنافس القائم تقليديًا على الأرض. فالعولمة إذًا حسب طرح هؤلاء الباحثين قد قتلت الجيوبوليتيك بالفعل.
تكيّفًا مع الظروف الجديدة، برزت "الجيوبوليتيك النقدية" أو "الجيوبوليتيك البديلة" أو "جيوبوليتيك ما بعد الحداثة"، وكلّها تسميات لذات التخصّص، في ظل صعود النزعة ما بعد الوضعية.
حاجج أصحاب هذا التخصّص على رأسهم كلّ من جيروا أوتواثيل، سيمون دالبي، كلود دودس، جون أكنبو، ، وغيرهم بأهميّة البنى التاريخية والاجتماعية في تحليل العلاقات الدولية بدلًا من الارتكاز على العوامل المادية في التحليل على غرار الجغرافيا أو النتائج الحتمية للطبيعة البشرية أو سمة الفوضى الدولية التّي روّج لها الوضعيون كمعطى حتمي.
لقد كان صعود حقل الجيوبوليتيك النقدية بكونها البديل الأنسب للجيوبوليتيك التقليدية التي غدت مرتكزةً على أسسٍ هشّة غير قادرة على الاستمرار في عصر التكنولوجيا والعولمة كما يدّعي هؤلاء.
وقد تزامن ذلك مع المجهودات المعرفية التجديدية للمدرسة الفرنسية في الجيوبوليتيك. فمنذ سبعينيات القرن المنصرم بدأ الفرنسي إيف لاكوست (Yves Lacoste) في نشر مجلة هيرودوت، والتّي صار من خلالها المؤلّفون يكتبون عن الجيوبوليتيك بأسلوبٍ جديد.
حيث تحدّت المدرسة الفرنسية من خلالها عضوانية الألمان وارتكازهم على مبدأ الحتمية الجغرافية في التحليل، بل وحاولت كسر هذه الحتمية من خلال تركيزها على الإنسان صانع القرار بوصفه الفاعل الأهم على المسرح الدولي القادر على تفعيل هذه الأرض أو تعطيل قدراتها عبر مبادراته السياسية (نظرة غير وضعية).
من جهة أخرى، عرفت الجيوبوليتيك النقدية فروعًا واهتمامات عديدة نظرًا إلى توسعتها مجال الاهتمام ومتابعة النشاطات الإنسانية بمختلف مجالاتها، فظهر على سبيل المثال: الجيوبوليتيك الشعبية، الجيوبوليتيك الافتراضية، جيوبوليتيك الأفلام والمسلسلات، جيوبوليتيك الرياضة وكرة القدم وغيرها.
وبالرغم من الثراء والتنويعات المثيرة التّي قدّمها أصحاب مثل هذه الطروحات من جهة، ومحاولتهم الإبقاء على حضور وأهميّة حقل الجيوبوليتيك من جهة أخرى، إلّا أنّ السؤال الذي ظلّ مطروحًا بقوة بعد كلّ هذه التنويعات:
هل بقيت الجيوبوليتيك جيبوليتكًا؟ هل مازالت ذات طبيعة جيوبوليتيكية؟
اقتباس لأوتواثيل ودالبي:
"قد تكون جيوبوليتيك الحرب الباردة ماتت، لكن الصراعات على الفضاء والسلطة أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى في عالم اقتصاديات العولمة والمعلومات الفورية. باستخدام رؤى من النظرية الثقافية المعاصرة، يعالج المساهمون في إعادة النظر/مراجعة الجيوبوليتيك مسائل الهوية السياسية والثقافة الشعبية، وعنف الدولة والإبادة الجماعية، وآلات السرعة والعسكرة، والجندر والمقاومة، والحرب الإلكترونية ووسائل الإعلام - وربط كل سؤال بإعادة التفكير المعممة لمساحات السياسة في النطاق العالمي. وتجادل إعادة التفكير في الجغرافيا السياسية بأن مفهوم ا الجيوبوليتيك يحتاج إلى مفهوم جديد مع اقتراب القرن الحادي والعشرين. وقد برزت الجيوبوليتيك النقدية من عمل عدد من الباحثين في مجالات الجغرافيا والعلاقات الدولية الذين سعوا، إلى التحقيق في الجيوبوليتيك كممارسة ثقافية وسياسية، بدلاً من كونها حقيقة واضحة ومعطى حتمي للسياسة العالمية. تحديًا للافتراضات الجيوسياسية التقليدية.
إن ما أحدثته هذه النزعة التهديمية التفكيكية التي حملتها التيارات ما بعد الوضعية من جهة أخرى، حفز ثلّة من العقول الجيوبوليتيكية على ضرورة بعث هذا العلم من جديد الذي بدأ يفقد «خصوصيته العلمية الوضعية» بسبب هذه العوامل، ومن المؤكّد أنّ الوقائع الجديدة التّي يعرفها العالم المعاصر ساهمت إلى حدّ بعيد في التحفيز نحو هذا الاتجاه وتوفير الحجج الإمبيريقية له بشكل أحيا من جديد الطروحات الجيوبوليتيكية الكلاسيكية الوضعية التّي حاججت بدورها من جديد باستمرار الدور الفاعل لعامل الجغرافيا في تفسير عالمنا المعاصر بنفس الطريقة التّي كانت تفعل في عالم ما قبل العولمة والثورة التكنولوجية كما سيشرح المحور الأخير.
الباحثين «الجيوبوليتيكيون الكلاسيكيون الجدد» المحاججين باستمرار أهميّة الجغرافيا (كمعطى مادي مسبق) في تحليل عالم اليوم (الجديد – القديم)، والذين استطاعوا بطروحاتهم أن يعيدوا من جديد لنظريات الجيوبوليتيك الكلاسيكية حيويتها ومحوريتها في التحليل، أو ما نُسميّه هنا «الجيوبوليتيكيون الكلاسيكيون الجدد». فهم كلاسيكيون لأنّهم وضعيون في الطرح يستندون أساسًا إلى الحتمية الجغرافية في التحليل، وهم جدد نظرًا لتكييفهم للعوامل الجديدة الفاعلة مع طروحاتهم الوضعية من دون الإخلال بأسس هذا المنظور على غرار تكييفهم لدور صنّاع القرار، نخب القيادة وما يرتبط بها من مدركات، فضلًا عن استخدامهم لعامل الجغرافيا في تحليل السياسات الخارجية للدول.
استنادا إلى العودة القوية للجيوبوليتيك الكلاسيكسة الجديدة، يمكننا القول أن الجغرافيا ستظلّ صاحبة الدور الفاعل الأهمّ في تفسير، تكوين أو إعادة تكوين العالم المعاصر، وستظلّ معها الجيوبوليتيك الكلاسيكية في حلّتها الجديدة ذات قوة تفسيرية كبيرة ما دام المنطق الوضعي العلمي قادرًا على الصمود والمحاججة بل والهيمنة في مقابل التيارات ما بعد الوضعية ذات النزعة التهديمية، وما دامت الدول وقياداتها تُقدّم أمثلة إمبريقية متكرّرة على المسرح الدولي عن منطق الدولة وسياستها الواقعية المدفوعة دومًا بهوس البحث عن المصلحة وزيادة القوة وتعزيز الأمن وإدامة الريادة أو بسط الهيمنة الإقليمية والعالمية إن أمكن ولو بوسائل مختلفة تبدو جديدة أحيانًا. إنّنا نصل في النهاية إلى تأكيد عبارة روبرت غيلبين الشهيرة حينما جادل بأنّه لو عاد اليوناني ثيوسيدايدس من القرن الخامس قبل الميلاد وعاش بيننا اليوم، فإنّه لن يبذل عناءً كبيرًا في فهم عالم اليوم، ولن يكون باحثو العلاقات الدولية المعاصرين على دراية أكبر بقوانين هذا العالم أكثر من ثيوسيدايدس نفسه، لأنّ قوانينه أقرب إلى الثبات رغم التعقيد والتداخل الذي يمكن تسجيله في تفاعلاته الحاصلة منذ عصر ثيوسيدايدس بسبب مخرجات العولمة أساسًا. ولعلّ عامل الجغرافيا يُعدّ أكثر