المدرسة الفرنسية

1.    المدرسة الفرنسية:

كان الجغرافيون الفرنسيون حذرين من التعامل مع المسائل الجيوبوليتيكية، لذلك لم يقدموا نظريات متكاملة مثل الألمان، تحت مبرر أنهم كانوا حريصين على البعد الموضوعي (حسب زعمهم!). ويعتبر بول فيدال دي لابلاش Paul Vidal De la Blache(1845-1918) مؤسس المدرسة الجغرافية الفرنسية، والذي كان شديد التأثر بالإنتاج المعرفي الألماني في المجال الجغرافي، خاصة فريديريك راتزل. ولطالما اعترفوا بأن ألمانيا هي بلد الجغرافيين.

اعتمدت المدرسة الفرنسية على نموذج التفاعل بين الإنسان والطبيعة في مختلف المجالات الجغرافية، بدءًا من المساحات/الأقاليم الصغيرة وصولا إلى المساحات الكبيرة للدول والأقاليم الجغرافية، وانبثقت فروع عديدة تحت عناوين مختلفة، كالجغرافيا الطبيعية والجغرافيا الاقتصادية، الجغرافيا السكانية، الجغرافيا التاريخية وغيرها.

في عام 1903قام دي لابلاش الذي أنشأ حوليات الجغرافيا في 1882، بشر كتاب "جدول الجغرافيا لفرنسا"، وقد ضمّنه وصفا مفصلا لمعالم وأساليب الحياة الطبيعية بالأراضي الفرنسية، حيث أولى الجغرافيا الإقليمية (الضيقة) اهتماما أكبر مقارنة بالمساحات الواسعة، وطوّر فكرة أن الانسان يمكنه أن ينشط في بيئته عكس راتزل، علما أنّ عنوان الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك ظلّ غائبا أو مغيّبا لفترة طويلة مقارنة بألمانيا، ربما لشعور بالنقص تجاه ما هول ألماني الفكر، ربما؟؟.

ومع ذلك، فإن ما كان غائبا/مغيّبا بدعوى الموضوعية، كان حاضرا في كتابات بودل فيدال دي لابلاش، وبحسب لوسيان فيفر، فإنه دي لابلاش هو نفسه من أقام منذ 1910، جسرا بين العاملين السياسي والجغرافي، من خلال تحليله لشروط اندماج شعوب الألزاس واللورين في الأمة الفرنسية، وفي دراسته لجغرافية المناطق الفرنسية مع قرب انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1917، يؤكد على الهوية الفرنسية لمنطقة الألزاس واللورين، وذلك ردا على المطالبة بها من طرف ألمانيا، الأمر الذي يوحي بأن البعد السياسي لا يمكن تجاهله أو تحييده في المسائل الجغرافية خاصة إذا تعلق الأمر بالأرض أو المجال الجغرافي كنصر من مكونات الدولة القومية.

لاحقا، بعثت ظروف ما بين الحربين العالميتين الروحَ في المدرسة الفرنسية، من خلال العديد من تلاميذ دي لابلاش، الذين كانوا أكثر تأثرا بجيوبوليتيك هاوسهوفر ومنهجيته في الدفاع عن الجغرافيا الألمانية ومطالب الأمة الألمانية، واستنتجوا أن الجيوبوليتيك الألمانية كانت بمثابة (آلة حرب)، وإذا أُريدَ اعتبارها من العلوم، فقد حان الوقت للفرنسيين للعودة إلى الجغرافيا السياسية/الجيوبوليتيك.

في هذا السياق، برز جاك أنسيل J. Ancel في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ليتناول المسائل التي كانت تضُجّ بها الجيوبوليتيك الألمانية، وقد كانت أفكار أنسيل وجها من أوجه السِّجال والمحاجّة الجيوبوليتيكية، ضد أعمال هاوسهوفر التي كان يعتبرها تعبيرا عن أطماع ألمانية في أراضٍ لا غبار على فرنسيتها، خصوصا الألزاس واللورين، ومن ثم بدأ تعميق الاتجاه السياسي للمدرسة الفرنسية، خاصة مع صدور مؤلَّفات أنسيل؛ عن الجيوبوليتيك عام 1936، ثم جغرافية الحدود السياسية سنة 1938، والتي عمقت النقاش بين المدرستين الألمانية والفرنسية، خاصة حول الحدود والحق في منطقة الألزاس واللورين. ويمكن ملاحظة أن رواد الجيوبوليتيك الفرنسيين قد بنوا تصوراتهم على مهاجمة الجيوبوليتيك الألمانية، إذ يعتبرونها "مجموعة من المعارف المكرّسة لصياغة قوانين جغرافية، متوافقة دوما مع الطموحات الألمانية التوسعية"، أو كما وُصِفت بأنها كانت بمثابة "آلة حرب"، أو أسلحة بيد القيادات النازية.

قام جاك أنسيل بتسليط الضوء على مفهوم الحدود؛ معتبرا أنها من صنع الانسان وليست منبثقة من الطبيعة، وبالتالي فهي غير ثابتة، وتنطلق فرضيته من أن" الجيوسياسة/الجيوبوليتيك هي دراسة للعلاقة الكائنة بين الانسان والإقليم الذي يعيش فيه ويطوّر بداخله أنشطته. إن الإقليم متكون من ثوابت طبيعية كالتضاريس والمناخ والساحل والجزر، ويمكن للطبيعة بالتأكيد فرض حدود على البشر، وبالتالي رسم حدود دولة، ... ولكن يمكن أيضا أن يحدث توازن بين ما يفرضه الإقليم وإرادة/ما يريده الإنسان، حيث يمكن لهذا الأخير تعديل الحدود بطريقة أو بأخرى. في الواقع إن العلاقات الإنسانية هي التي تخلق الحدود وفقا لرغبة البشر في العيش معا أو لا، وبناء على معايير الصلة الرابطة بينهم".

يعتبر أنسيل أن التاريخ المشترك هو الذي يؤسس الدولة، وليس العرق أو الدين أو اللغة أو الاقتصاد فحسب. ففي جريدة شعوب وأمم البلقان التي صدرت عام 1930، أعلن أن رسم الحدود ليس مرتبطا بالتجمع العرقي: "إن القلب هو الأهم، وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار أولا وقبل كل شيء". وتدخل هذه الرؤية في إطار استمرارية السياسة الاستعمارية لفرنسا، التي تبرر عملية إعادة النظر في الحدود من خلال السياسات التوسعية، بغض النظر عن الحقائق الاجتماعية والتاريخية، والاسهامات الحضارية للشعوب التي نشأت وتطورت في فضاءاتها الجغرافية منذ آلاف السنين.

من جهة أخرى كان جاك أنسيل، الجغرافي الفرنسي الوحيد الذي عنون أحد كتبه بـ: "الجيوبوليتيك"، بهدف مواجهة ومناقضة المدرسة الجيوسياسية الألمانية وانتقادها، وقد أعلن أنّ كتاباته تهدف إلى عدم ترك المدّعين الألمان يحتكرون هذا الحقل، منتقدا الطابع الانتقائي للجيوبوليتيك الألماني لغايات سياسية واضحة.

 أما فيما يخص مساهمته في وضع نظرية سياسية ذات جوهر جغرافي في مؤلفاته فقد اعتبرت متواضعة مقارنة بنظيرتها الألمانية أو الأنجلوساكسونية. كما أن التمييز الذي حاول أنسيل طرحه قبل الحرب (مات محتجزا في معسكر درانسي النازي سنة 1942)، بين الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية (الموضوعية)، لم يعد مقبولا، ولم تكن الجيوبوليتيك الألمانية فقط هي المدانة، بل العلوم الجغرافية كلها.

لأسباب تاريخية؛ يلاحظ أن أقسى التعليقات على الجيوبوليتيك الألماني أتت من المدرسة الجغرافية الفرنسية، فبالإضافة إلى رفض المقاربة التي تحولت إلى أداة دعاية للأمة المعادية حسب الفرنسيين، فإن الشعور بالتراجع وحدود القوة الفرنسية تجاه مشروع وحلم جيوسياسي كوني بتشكيل أوروبا على الطريقة الفرنسية، قد تبدّد منذ 1871 (تاريخ الحرب البروسية الفرنسية، التي هزمت فيها فرنسا وتوحدت على إثراها ألمانيا)، أين أصبحت في وضع دفاعي، وهنالك من المؤرخين من يرجع هذا الوضع إلى هزيمة الإمبراطورية الفرنسية بقياد نابوليون بونابارت في 1815. لذلك، فإن المدرسة الفرنسية تطورت من خلال تشكيلها للإمبراطورية الاستعمارية خارج القارة الأوروبية، وليس من خلال المطالبة بأراضٍ داخل أوروبا كما فعلت جارتها ألمانيا.

عشية الحرب العالمية الثانية، كانت محاولة جاك أنسيل التمييز بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك غير ممكنة أو حتى غير مقبولة، ولم تكن جيوبوليتيك هاوسهوفر ورفاقه وحدها المتهمة والمدانة، بل الجغرافيا كلها وما يرتبط بها، بسبب ما أُطلق عليه "انحرافا وخطأً عِلميا في هذا الحقل". ومهما يكن من أمر المدرسة الفرنسية في معالجتها للأبعاد السياسية للجغرافيا، أو الأبعاد الجغرافية للسياسة، فإن مساهماتها إلى حدٍّ ما، كانت محدودة قياسا مع المدرسة الألمانية في وقتها، حيث كان الحذر الذي أبدته حيال ما هو سياسي في الجغرافيا، في مواجهة ما كان يُطرح عليها من إشكالات، ومع قلة الاهتمام، وراء وصولها إلى مآزق ابستيمولوجية، لم يجرِ العمل على الخروج منها إلّا مع الربع الأخير من القرن العشرين مع ايف لاكوست والفريق الذي جمعه لإطلاق مجلة هيرودوت في عام 1976، والتي كان عنوانها الفرعي في "الاستراتيجية، الجغرافيا والأيديولوجيا"، لتصبح في 1983 تحت عنوان فرعي مباشر وأكثر وضوحا: "مجلة الجغرافيا والجيوبوليتيك".

لقد استهدف هذا المحور إظهار أن التفكير الجيوسياسي من بداياته وحتى إخراجه من الدائرة الجامعية، بعد الحرب العالمية الثانية، قد تركز على التفاعلات بين الوسط الطبيعي وسياسات الدول، بالتشديد على تأثير الأول على الثانية، من أجل صياغة واستخلاص قوانين جيوسياسية ذات مدى وتأثير عالمي.


Modifié le: mercredi 18 décembre 2024, 11:05