المحاضرة الثانية: الإطار النظري للفساد

1-تعريف
الفساد:
1-1-الفســاد
لغـــة:
·
وهو ضدُّ الصلاح، وهو مصدر فَسَدَ يَفْسُدُ ويَفْسِدُ
فَسَادًا وفُسُودًا، وهو فاسِدٌ وفَسِيْدٌ، وقوم فَسْدَى، وفَسُدَ الشيء فهو فسيد،
والاسْتِفْسَادُ: خلاف الاستصلاح، والمَفْسَدَة: خِلاف المصلحة، وتَفَاسَدَ القومُ
تدابَرُوا وقطعوا الأَرحام ([1]).
·
هو فسد ضد صلح، والفساد لغة هو البطلان، فيقال فسد الشيء أي بطل
واضمحل ([2])،
ويقال فسد القوم أي قطعوا أرحامهم، ويقال فسد الشيء أي ظهر به خلل أو علة.
ولا يختلف ذلك في اللغات الأخرى
فالفساد في اللغة الفرنسية ورد بأنه رشوة الحاكم أو القاضي أو تحريف نص أو تشويه الحقيقة
وغيرها من المرادفات.
أما في اللغة الإنجليزية فورد
باستعمالات متعددة، فقد جاء في قاموس اكسفورد أن المقصود بالفســــاد هو تدهور
القيم الأخلاقية في المجتمع أو لدى الفرد، يعني الفساد في اللغة الإنجليزية تضييع الأمانة
بسبب استعمال الرشوة.
وتعد كلمة الرشوة من أكثر المعاني
تعبيرا عن الفساد بل تكاد تكون مرادفا لها.
2-1-الفســاد
إصطـــلاحــا:
الفساد
في الاصطلاح هو خــروج الشيء عن الإعتــدال سواء كان قليـــلاً أو كثيــرا،
ويستعمل ذلك في النفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الإستقــامة ([3]).
كما
أخذ مفهوم الفساد أيضًـــا عدة مسميات وذلك لاختلاف زاوية النظر إليه:
أ-البنك الدولي عرف الفساد بأنه سوء استغلال السلطة العامة
من أجل الحصول على مكاسب خاصة، فالفساد من وجهة نظر البنك يكون في الحالات التالية
على سبيل المثال:
− قبول أو طلب رشوة من قبل الموظف العمومي بغرض
تسهيل إجراءات إدارية لفائدة جهة ما أو تسريع إجراءات عقود.
– تقديم رشاوي من قبل الشركات أو وسائطها
للإستفادة من إمتيازات تنافسية وتحقيق أرباح غير قانونية في الأصل.
– إستغلال
الوظيفة من أجل توظيف الأقارب أو ترقيتهم بطرق غير شرعية.
ب-منظمـــة
الشفافيـــــة الدوليـــــة
وهـــي المنظمـــــة التي تعني بالفساد وتجتهد لمكافحته والوقاية منه فقد عرفت
الفساد على أنه " إساءة إستعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص
بشكل مباشر أو غير مباشر لتحقيق أغراض شخصية مستندة للمحسوبية، أي السلوك الذي
يمارسه المسؤولون في القطاع العام أو الخاص، سواء كانوا سياسيين أو موظفين إداريين
بهدف إثراء أنفسهم أو أقاربهم بصورة غير قانونية وذلك من خلال سوء إستغلال السلطة
الممنوحة لهم.
ويمكن
تلخيص مفهـــوم الفســــاد حسب المنظمــــات الســابقة وغيرها كالآتـــي حسب الشكل
أدنـــاه:
3-1-الفساد
في الديـــــن:
أ-دلالة
لفظ الفساد في القرآن الكريم:
جاء
الفساد في القرآن الكريم بمختلف التصريفات 50 مرة حيث ذكر الفعل في 18 موضعًـــا،
كقوله تعالى:﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾سورة محمد الآية 22.
أما مصدر الفســـــاد هكذا فورد في 11
موضعًـــا منها قوله تعالى:﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الْفَسَادَ ﴾. البقرة الآية 205.
¤ وجاءت آيات القرآن الكريم منبهة إلى مخـــاطر الفســـاد على
شتـــى مجـــالات الحيـــاة:
-
القرآن لا يستخدم مصطلح الفساد في المعنى الشرعي الخاص فقط، بل
ينقل ذلك حكاية على ألسنة الظالمين والعصاة في وصفهــــم لحركـــــة الأنبيــــاء
والصالحين كوصف أتباع فرعون لدعوة موســــى عليــــــه الســـــــلام بقولهـــــم:﴿
وَقَالَ
الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي
الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي
نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾الأعراف
الآية 127.
-
تارة نجد مصطلح الفساد في القرآن معبـــــرًا عن رأي السماء والشريعة
في وصف الطغاة أو الخارجين عن الشريعة كقوله تعالى:﴿ تِلْكَ
الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي
الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾القصص الآية 83.
-
وتارة نجده معبــــــرًا عن التحذير من عمل يؤدي إلى الفساد
كقوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ
تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾الأنفال الآية 73.
¤ أمــا فيما يخص مظـــاهر الفســـاد في القـــــرآن الكريـــم:
-
وأطلق القرآن مصطلح الفساد على تهديد الحياة الآمنة وترويع
الآمنين بقطع الطريق عليهم، وإزهاق أرواحهم، ونهب أموالهم، كما هو شأن العصابات
الإجرامية، ومن يطلق عليهم جماعة النهب المسلح اليوم، ولقوله تعالى:﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ
يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي
الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
المائدة الآية 33.
-
وأطلقـــــــه على سفــك الدماء وانتهاك العروض حين أورد ذلك
القران في التنديد بفعل فرعون وقومه قال تعالى:﴿ إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ
طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
﴾القصص الآية 4.
-
إنّ الشعور بالحماية والأمن والإطمئنان من الحاجات الأساسية في
أي مجتمع، وفقدانه فقدان للمعنى الحقيقي للحياة، وإن شيوع ظاهرة الاعتداء والتجاوز
وسفك دماء تجعل المجتمع يعيش رعبا مما يجعل الحياة بدون أمل وغير قابلة للتطور.
-
وجـــــاء مصطلح الفساد في القرآن الكريم كمقابل لمصطلح الصلاح
مثل قوله تعالى:﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ
الْمُحْسِنِينَ
﴾الأعراف الآية 56.
-
وجاء مصطلح الفساد في القرآن الكريم بمعنى القطيعة كقطيعة الأرحام
والتدبر بين المسلمين وقطع كل ما أمر الله به أن يوصل قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن
يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ
الدَّارِ ﴾الرعد الآية 25.
-
والطغيان أحد مدلولات الفساد في القرآن الكريم في وصف آل فرعون
لقوله عز وجل:﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا
الْفَسَادَ (12)
﴾الفجــر الآية 12،11.
مثلما كان فرعون، مفسدًا بنفوذه
السياسي والعسكري، فقد كان قارون مفســدًا بنفـــوذه المــالي الاقتصادي، وقد كان
قادرًا على استعمال أمواله في الإصــلاح في الأرض، ولكنه أبى إلاّ أن يستعمل نعمة
الله في محاربة الله، وقد قال له الناصحون من قومه وقال تعالى:﴿ قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ
مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ
جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾القصص الآية 78.
- إنّ الصراع الواقع على ظهر الأرض منذ
بدأت عليها الحياة البشرية، إنّما هو صراع بين المصلحين والمفسدين والعاقبة فيه
الحسنى لأهل السراء في الدنيا والآخرة لقوله تعالى:﴿ تِلْكَ
الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي
الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ ﴾القصص الآية 83
ب-دلالة
افظ الفساد في السنة النبوية الشريفة:
وردت أحاديث كثيره تتحدث عن الفساد والمفسدين،
لعلّ أهمها ما يلي:
-
حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول:" الحلال بيّـــــن الحرام بيّـــــــن وبينهما متشابهات
لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتـقــــى الشبهات استبرأ لدينــه وعرضه، ومن وقع في
الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يوقعه، ألا وإنّ لكل ملك حمــى، ألا وأنّ
حمى الله في أرضه محارمه، ألا وأنّ في الجسد مضغة إذا صلُحتْ صلُح الجسد كله، وإذا
فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" الحديث أخرجه البخاري.
-
فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: " سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كُـــــلُّــــــــهُ
وإذا فسدت فسد جسد كُـــلُـــــه ألا وهي القلب" وهنا إشارة إلى فساد الضمائر.
) معجم مقــايـيــــس اللغــــــة المجلد 4، ص 503. [1](
) جمال الدين بن المنظور، لســان العـــرب، المجلد الثالث، دار
الكتب العلمية، بيروت، سنة 2003، ص ص 412، 413. [2](
) الراغب الأصفهــاني، لفـــظ القــرآن، المجلد رقم 2، ص
192. [3](