المدرسة الروسية

 المدرسة الروسية

كانت الجيوبوليتيك في الحقبة السوفييتية غير مرحب بها، ومدانة بشكل حاسم للاعتبارات المرتبطة بالنازية وما شابه ذلك، وكانت الموسوعة العسكرية ذات التوجه السوفييتي تُعرفها حتى العام 1994، بوصفها "سياسة عسكرية ذات توجّه عدواني"، غير أن العقود الأخيرة التي عرفت سعي روسيا للعودة كقوة كبرى على الساحة الدولية، جعلت النقاشات الجيوسياسية (لنيوكلاسيكية)، تأخذ بُعدا رسميا واهتماما متزايدا، خاصة مع التقاء فرضيات قلب الأرض مع التوجهات الأوراسية لروسيا.

نيكولافيتش سافيتسكي (1895-1968)

هو أحد الذين قاربوا منهج الجيوبوليتيك الذي وضعه هاوسهوفر، من أجل القومية والوطنية الروسية، وبحثا عن دور مهم لروسيا على المسرح العالمي، ولأنه كان عضوا في حزب البورجوازية الليبيرالية في روسيا (الحزب الدستوري الديموقراطي)، الذي يدعو إلى الملكية الدستورية البرلمانية، فقد أدت الثورة البلشفية 1917 التي قادها لينين، إلى حلّ هذا الحزب وهجرة سافيتسكي إلى بلغاريا قم تشيكوسلوفاكيا، حيث أسس حركة ذات توجه مناوئ للشيوعية السوفييتية، عُرفن لاحقا بحركة الأوراسيين، والتي ترى بفكرة المجال الحيوي لروسيا القومية، متأثرة في ذلك بالتوجهات الجيوسياسية الألمانية، الأمر الذي جعل هذه الحركة التي يتزعمها سافيتسكي على غير وفاق مع السلطات السوفييتية في موسكو حتى منتصف الخمسينيات.

         التفرّد الجيوسياسي الروسي: حسب سافيتسكي، فإن روسيا تمثل تكوينا حضاريا متميزا تحدده خاصية التوسّط، ويوضّح ألكسندر دوغين أن توسّط روسيا بين قارتي أوروبا وآسيا ليس جغرافيا فحسب، بل حضاريا وثقافيا أيضا، وهو يقدم بذلك تصورا يتماهى بكيفية صارمة مع لوحة ماكيندر الجيوسياسية. وفي مقال بعنوان: "الأُسس الجغرافية والجيوبوليتيكية لأوراسيا"، يوضح أ، التوسط الذي يميز الدولة الروسية، يأخذ أهميته من الموقع المركزي للقارة الأوراسية، في تفرّد يجعل من روسيا ليست جزءا من أوروبا وليست امتدادا لآسيا؛ إنها عالم خاص مستقل بذاته جغرافيا وروحيا وتاريخيا وأيضا جيوبوليتيكيا، وهذه الميزة لا تملكها إلا روسيا. وبناء على هذه الميزة يجب العمل على تحديد الخيارات والخطط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، الرامية لتأمين وترسيخ الشخصية المتميزة لروسيا، بأبعادها الأوراسية (الاوروبية-الآسيوية)، وتجلياتها الحضارية في سياق التطور الإنساني.

لاحقا انعكست هذه المفاهيم في المواجهة التاريخية بين القوة القارية (روسيا الأوراسية)، المعبِّرة عن تجليات الـمُثل الروحية العليا حسب سافيتسكي، والقوة البحرية (الغربية)، المعبرة عن البراغماتية الاقتصادية والتجارية، ذات القيم الديمقراطية الليبيرالية (ما يجسّد أوراسية سافيتسكي في مواجهة أطلسية سبيكمان)، وهذا ما جعل قادة وصناع القرار السوفييت في منتصف الخمسينيات، يعيدون الاعتبار لأفكار وتصورات سافيتسكي. يقول دوغين معبرا عن إعادة الاعتبار هذه: " هنا فقط يمكننا أن نبني الافتراضات، فإما أن تكون قد وُجِدت منظمة مجهولة داخل النظام السوفييتي"، تهتدي بأفكار سافيتسكي وتكيفها مع الوقائع السياسية الفعالة، وتغلفها بالمفردات الماركسية الرسمية، وإمّا أن الواقع الموضوعي لقلب الأرض (ماكيندر)، كان يضطر الاتحاد السوفييتي إلى إجراء الخطوات، التي ينبغي أن تجريها دولة قارية واعية جيوبوليتيكيا، هي أوراسيا.


Modifié le: mercredi 18 décembre 2024, 11:07