التنافسية المجالية
1-تعريف التنافسية المجالية:
تُعرَف التنافسية المجالية بأنها القدرة التنافسية للمجال الحضري في استقطاب الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية وتوزيعها بشكل يُعزز من فاعليتها وكفاءتها. وتعكس التنافسية المجالية مدى قدرة الفضاء الحضري على التكيف مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، بالإضافة إلى مدى تحقيق التوازن بين الاستخدامات المختلفة للأراضي. تُعتبر التنافسية المجالية من العوامل الأساسية التي تحدد قدرة المدينة على جذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة، في ظل التزايد المستمر في الطلب على الأنشطة التجارية والترفيهية في نفس الوقت.
تتجسد التنافسية المجالية بشكل رئيسي في القدرة على إدارة تنوع الاستخدامات في المساحات الحضرية بفعالية، وكذلك في تنظيم التفاعل بين هذه الاستخدامات بما يساهم في تحسين جودة الحياة الحضرية، وتقليل التوترات الناتجة عن التداخل بين الأنشطة المختلفة.
2-أبعاد التنافسية المجالية:
تتمثل أبعاد التنافسية المجالية في عدة جوانب أساسية، التي تساهم في تعزيز قدرة المدينة أو المنطقة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التنمية المستدامة. أبرز هذه الأبعاد تشمل
1-2-البُعد الاقتصادي:
يعتبر البُعد الاقتصادي من الأبعاد الجوهرية التي تؤثر في التنافسية المجالية، حيث يتعلق بشكل مباشر بكفاءة آداء الأنشطة الإقتصادية داخل المجال الحضري. يشمل هذا البُعد عدة عناصر أساسية التي تساهم في تحسين قدرة المدينة على استقطاب الاستثمارات وتعزيز النشاط الاقتصادي، مثل:
• الاستثمار في البنية التحتية: يتضمن هذا الاستثمار في المرافق العامة مثل شبكات النقل، الكهرباء، المياه، والصرف الصحي. تعد هذه البنية التحتية ضرورية لتحسين مستوى معيشة السكان، بما فيها تيسير حركة التجارة والصناعة.
• توفير بيئة جاذبة للاستثمارات: وذلك من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير حوافز ضريبية ودعائم لزيادة تنافسية للأنشطة التجارية والصناعية. المدن التي توفر بيئة مستقرة ومشجعة للاستثمار تكون أكثر قدرة على جذب الشركات الكبرى والمشاريع الريادية.
• تنمية رأس المال البشري: من خلال تحسين مستوى التعليم والتدريب المهني، مما يسهم في إعداد كوادر بشرية قادرة على تلبية احتياجات السوق وتطوير الابتكار التكنولوجي.
• التوزيع العادل للموارد الاقتصادية: يتعلق بتوجيه الموارد بشكل عادل إلى مختلف القطاعات والمناطق داخل المدينة لتحقيق تنمية شاملة ومتكاملة.
• الاستدامة الاقتصادية: يهدف هذا العنصر إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية، بحيث لا يتم التضحية بمصلحة الأجيال القادمة في سبيل تحقيق نمو اقتصادي مؤقت.
2-2 البُعد الاجتماعي:
يرتبط البُعد الاجتماعي في التنافسية المجالية بمدى قدرة المجال الحضري على توفير بيئة عيش متكاملة وعادلة لسكانه، من خلال ضمان تكافؤ الفرص وتحقيق العدالة المجالية. يُعد هذا البعد محوراً أساسياً في أي سياسة تنموية ترمي إلى تعزيز التوازن الاجتماعي وتقليل الفوارق داخل المدينة أو الإقليم.
ويشمل البُعد الاجتماعي الجوانب التالية:
• تحسين جودة الحياة الحضرية: أي عبر ضمان توفر خدمات التعليم، الصحة، السكن، الأمن والنقل، بما يحقق رفاهية المواطنين ويضمن استقرارهم داخل المجال الحضري.
• الاندماج الاجتماعي ومكافحة الإقصاء: أي من خلال السياسات التي تهدف إلى دمج الفئات الهشة والمهمّشة في الدور الاقتصادي والاجتماعي، وتشجيع المشاركة المجتمعية (المجتمع المدني) في اتخاذ القرار.
• تقليص الفوارق المجالية والإجتماعية: وذلك عبر توزيع الموارد والخدمات بشكل منصف بين مختلف الأحياء والمناطق، وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق المهمّشة لضمان توازن مجالي واجتماعي.
• تنمية رأس المال الإجتماعي: ويقصد به تعزيز العلاقات والثقة المتبادلة بين السكان، وتفعيل دور المجتمع المدني في التنمية، مما يسهم في الاستقرار والتماسك الاجتماعي.
3-2-البُعد البيئي:
يُعتبر البُعد البيئي من الركائز الأساسية في تحقيق التنافسية المجالية المستدامة، إذ أنّ جودة البيئة الحضرية لها تأثير مباشر على جاذبية المجال العمراني، وعلى قدرة المدينة في استقطاب السكان والأنشطة الاقتصادية. ويعكس هذا البُعد مدى احترام الأنشطة المجالية لمبادئ التنمية المستدامة والحد من الأثر البيئي السلبي للنمو الحضري.
أهم عناصر البُعد البيئي ما يلي:
- حماية الموارد الطبيعية: كالمياه، الأراضي الزراعية، والغابات، لضمان استمراريتها وتوفيرها للأجيال المقبلة.
- الحد من التلوث: خاصة تلوث الهواء والماء والتربة، الناتج عن التوسع العمراني العشوائي والأنشطة الصناعية، والعمل على تطوير سياسات بيئية فعّالة.
- تعزيز المساحات الخضراء: من خلال إدماج الحدائق والفضاءات الطبيعية داخل النسيج الحضري، لما لها من دور في تحسين جودة الهواء والحد من حرارة المدن.
- التخطيط البيئي المتكامل: الذي يراعي التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، من خلال تشجيع البناء المستدام واستخدام الطاقات المتجددة.
- إدارة النفايات ومخلفات الأنشطة البشرية: أي بوضع أنظمة فعالة للفرز وإعادة التدوير والتقليل من إنتاج النفايات.
4-2-البُعد الثقافي والتاريخي:
يُعد البُعد الثقافي والتاريخي من أهم الأبعاد التي تضفي على المجال طابعًا فريدًا وهُوية مميزة، حيث يُمثل الإرث الثقافي والتاريخي عامل جذب قوي للسكان والزوار والمستثمرين، ويُعزز من مكانة المدينة أو الإقليم في الشبكات الحضرية محليًا ودوليًا.
يشمل هذا البُعد ما يلي:
• الحفاظ على التراث المعماري والعمراني: من خلال صون المعالم التاريخية والمباني القديمة، وإدماجها في مسارات التنمية والترويج السياحي والثقافي.
• تعزيز الهوية الثقافية المحلية: عبر دعم الأنشطة الثقافية، مثل المهرجانات، المعارض، الصناعات التقليدية، والفنون، بما يعزز الشعور بالانتماء ويدعم الاقتصاد المحلي.
• الاستثمار في الثقافة كقطاع اقتصادي: إذ يمكن أن تُصبح الثقافة محركًا للتنمية من خلال الصناعات الثقافية والإبداعية، مثل السينما، الموسيقى، التصميم، إلخ.
• إدماج البُعد الثقافي في التخطيط المجالي: مما يضمن الحفاظ على الطابع الثقافي والروحي للمجال، ويمنع عمليات التحديث التي تمس بجوهر المكان.
5-2-البُعد التكنولوجي:
• يُعد البُعد التكنولوجي أحد المحركات الأساسية في تحسين التنافسية المجالية، خاصة في ظل التحول الرقمي الذي يشهده العالم. فالتكنولوجيا أصبحت عاملًا استراتيجيًا لتطوير الخدمات، وتسهيل الحياة اليومية، وزيادة فعالية إدارة المجال الحضري. ومن أبرز ملامح البُعد التكنولوجي:
• الرقمنة وتحسين الخدمات: من خلال استخدام تقنيات المعلومات والاتصال (ICT) في تقديم الخدمات العمومية مثل النقل، التعليم، الصحة، والتسيير الحضري.
• المدن الذكية (Smart Cities): حيث يتم توظيف التكنولوجيا والبيانات في تحسين البنية التحتية، إدارة الموارد، والطاقة، والتقليل من الأثر البيئي.
• دعم الابتكار والبحث العلمي: من خلال تشجيع حاضنات الأعمال ومراكز البحث التي تعمل على تطوير حلول تكنولوجية موجهة للتحديات المجالية.
• جذب الاستثمارات التكنولوجية: إذ تزداد جاذبية المدن أو الأقاليم التي توفر بيئة رقمية حديثة، مما يُساهم في خلق وظائف ذات كفاءة عالية وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
• تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية: عن طريق المنصات الرقمية التي تتيح للمواطنين التفاعل مع السلطات المحلية، والإبلاغ عن المشاكل أو المساهمة في اتخاذ القرار.
3-العوامل المؤثرة في التنافسية المجالية:
تُعد التنافسية المجالية مفهومًا ديناميكيًا يتأثر بجملة من العوامل المتداخلة والمتغيرة باختلاف السياقات الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية. إذ لا يمكن تحقيق مستويات عالية من التنافسية في أي مجال دون توافر مقومات وشروط تساهم في تعزيز قدرته على الجذب والاستقطاب، سواء على مستوى الأفراد أو الاستثمارات أو مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
وتكمن أهمية دراسة هذه العوامل في فهم المحددات الأساسية التي تؤثر على أداء المجالات الجغرافية وقدرتها على المنافسة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم في ميادين الاقتصاد، التكنولوجيات الحديثة، التعمير، والتغيرات البيئية والاجتماعية. لذا، فإن التعرف على هذه العوامل وتحليلها يُعد خطوة جوهرية نحو تحسين السياسات التنموية وتعزيز التهيئة المجالية المستدامة.
1-3-العوامل الاقتصادية:
تُعد العوامل الاقتصادية من أهم الركائز التي تؤسس للتنافسية المجالية، حيث تعكس مدى قدرة المجال الجغرافي على جذب الاستثمارات وتنمية الأنشطة الاقتصادية المحلية وتوفير مناخ اقتصادي محفز للنمو المستدام. وفي هذا الإطار، يمكن التطرق إلى أبرز هذه العوامل بشيء من التفصيل:
أ. البنية التحتية الاقتصادية:
تُشكل البنية التحتية الاقتصادية القاعدة الأساسية لأي نشاط اقتصادي ناجح. فتوفر شبكات النقل (الطرقات، السكك الحديدية، الموانئ والمطارات) يُسهل حركة السلع والأشخاص، مما يُعزز من تنافسية المجال في وجه المناطق الأخرى. كما أن وجود مناطق صناعية مجهزة بالخدمات الأساسية (كهرباء، مياه، صرف صحي، اتصال عالي الجودة) يُمثل عامل جذب حيوي للمستثمرين المحليين والأجانب.
إضافة إلى ذلك، تُعد المرافق التجارية (كالمراكز التجارية، الأسواق، شبكات التوزيع) من المقومات التي تُسهم في تقوية البنية الاقتصادية، إذ تخلق فرص عمل وتُعزز النشاط الاقتصادي المحلي.
ب. تنوع الأنشطة الاقتصادية:
إن التنافسية المجالية تزداد في المجالات التي تتميز بتنوع هيكلها الاقتصادي، حيث يؤدي الاعتماد على مجموعة من القطاعات الاقتصادية (الصناعة، الزراعة، الخدمات، السياحة...) إلى تعزيز الاستقرار في وجه الأزمات، وتقليل التأثيرات الناتجة عن التذبذب في سوق معين. كما أن التنوع الاقتصادي يُوفر أرضية خصبة للتكامل بين الأنشطة، ما يُسهم في تحفيز الابتكار ورفع القيمة المضافة للمنتجات والخدمات.
تعد القدرة على تنمية قطاع الخدمات في المدن، ولا سيما الخدمات ذات القيمة العالية (كالمعلوماتية، الخدمات المالية، اللوجستية...)، مؤشرًا على مستوى تنافسي متقدم، باعتبارها قطاعات تُولد ثروات دون الاعتماد على الموارد الطبيعية فقط.
ج. القدرة على الابتكار والبحث والتطوير:
تلعب القدرة على الابتكار دورًا محوريًا في دعم التنافسية المجالية، خصوصًا في ظل الاقتصاد العالمي المعتمد على المعرفة. إذ أنّ الاستثمار في البحث والتطوير يُساهم في تحسين جودة المنتجات والخدمات، وتطوير تقنيات جديدة تُقلل من التكاليف وتُزيد من الكفاءة.
ويُلاحظ أن المجالات التي تمتلك مراكز بحث جامعية أو تكنولوجية ومؤسسات تدعم روح المبادرة والابتكار تكون أكثر قدرة على جذب الكفاءات والمشاريع الناشئة، ما ينعكس إيجابًا على ديناميكية المجال وتنافسيته على المدى الطويل.
2-3-العوامل الاجتماعية:
إن العوامل الاجتماعية تشكل أساسًا مهمًا لرفع مستوى التنافسية المجالية، إذ تساهم في تكوين بيئة مستدامة جاذبة للسكان والمستثمرين على حد سواء. يشمل هذا التأثير مجموعة من العوامل المرتبطة بجودة الحياة، الاستقرار الاجتماعي، والمشاركة المجتمعية، وكل منها له تأثير مباشر أو غير مباشر على قدرة المجال الجغرافي في المنافسة.
أ-جودة الحياة: تعد جودة الحياة أحد المحركات الأساسية لرفع التنافسية المجالية، حيث تُعتبر من المؤشرات الرئيسية في قياس قدرة المجتمع الحضري على جذب واستقطاب السكان والمستثمرين. فتوفر خدمات التعليم والصحة، إلى جانب توفير فرص العمل والعيش الكريم، يُسهم بشكل كبير في استقطاب الأفراد إلى مجال جغرافي معين. فكلما كان المجال يوفر هذه الخدمات بشكل جيد، كانت احتمالات التوسع العمراني والنمو الاقتصادي أكبر.
وتهدف التهيئة المجالية الحضرية إلى تحسين بيئة المعيشة من خلال توفير هذه الخدمات الأساسية، بما يتماشى مع سياسة التنمية المستدامة. فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك نقص في المدارس أو المستشفيات أو المرافق الاجتماعية الأخرى، فإن هذا يُحد من قدرة المنطقة على جذب السكان الجدد أو الاستثمار، مما يضعف التنافسية المجالية.
ب-الاستقرار الاجتماعي: إن الاستقرار الاجتماعي يُعتبر عنصرًا أساسيًا لضمان استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجال. ففي المجتمعات المستقرة اجتماعيًا، يُسهل التواصل والتعاون بين أفراد المجتمع، مما يعزز من قدرة المجال على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، تُسهم الاستثمارات في تحسين علاقات العمل وتطوير وسائل التواصل الاجتماعي والسياسي في تعزيز بيئة مستقرة. كما أن الاستقرار الاجتماعي يرتبط بمؤشرات مثل الحد من الجرائم، وجود شبكات اجتماعية متماسكة، وتوازن في توزيع الثروات والفرص. كل هذه العوامل تعمل معًا على تحفيز النشاط الاقتصادي وتعزيز التنافسية المجالية.
ج-مشاركة المجتمع: وهي أحد العوامل الحاسمة التي تُساهم في تعزيز فعالية السياسات التنموية والتنافسية المجالية. إن إشراك المجتمع المحلي في عمليات التخطيط واتخاذ القرار يعزز من شرعية السياسات العامة ويدعم استدامتها. فمن خلال تضمين السكان في مراحل التخطيط والتنفيذ، يتم ضمان أن هذه السياسات تتناسب مع احتياجاتهم ومتطلباتهم، مما يؤدي إلى تحسين فعالية المشاريع التنموية.
علاوة على ذلك، تُسهم المشاركة المجتمعية في تعزيز الوعي البيئي والاجتماعي بين الأفراد، مما يسهل تطبيق ممارسات التنمية المستدامة. ففي المجتمعات التي تشهد تفاعلًا بين السكان والمؤسسات المحلية، نجد أنها تكون أكثر قدرة على التكيف مع التحديات البيئية، الاقتصادية، والاجتماعية.
3-3-العوامل البيئية:
تعد العوامل البيئية من العوامل الأساسية التي تحدد قدرة مجال جغرافي على تحقيق التنافسية المجالية. إن بيئة نظيفة ومستدامة تشجع على تحسين جودة الحياة، وتعزز من جاذبية المجال للمستثمرين والسكان على حد سواء. وتشمل هذه العوامل مجموعة من الجوانب البيئية التي ترتبط بالحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل التلوث، بالإضافة إلى تهيئة فضاءات خضراء وتطوير الأنظمة البيئية مثل إدارة النفايات.
أ-الإستدامة البيئية:
تعتبر الاستدامة البيئية أحد المحاور الرئيسية للتنافسية المجالية. فالمجالات التي تنتهج سياسات مستدامة في استخدام الموارد الطبيعية والحفاظ على البيئة تكون أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات وتعزيز جودة الحياة. يشمل ذلك الحفاظ على التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، بما يضمن استدامة المصادر الطبيعية للأجيال القادمة.
الاستدامة البيئية تتطلب تطبيق ممارسات بيئية سليمة في جميع القطاعات، بدءًا من الإدارة المستدامة للمياه والطاقة وصولًا إلى إدارة المخلفات والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة. هذه السياسات تُسهم في تقليل التلوث وتعزيز الحياة الصحية للمواطنين، مما يزيد من القدرة التنافسية للمجال.
ب. المساحات الخضراء:
تعتبر المساحات الخضراء أحد العوامل التي تعزز من التنافسية المجالية من خلال تحسين البيئة الحضرية. وجود الحدائق والمتنزهات والمناطق المفتوحة في المدن يسهم في تحسين نوعية الحياة، وتوفير بيئة صحية سليمة للمواطنين. هذه المساحات تساهم في تقليل التلوث، خاصة التلوث الصوتي والهوائي، كما توفر فرصًا للاسترخاء والترفيه، مما يزيد من جاذبية المدينة للسكان والزوار.
المساحات الخضراء أيضًا لها دور كبير في تحسين الجانب البيئي بشكل عام، حيث تساعد على تقليل ظاهرة "الجزر الحرارية" في المدن التي تكون عرضة لارتفاع درجات الحرارة بسبب قلة المناطق الخضراء. كما تساهم في الحفاظ على التنوع البيولوجي ودعم الحياة البرية في البيئة الحضرية.
ج- إدارة النفايات:
إدارة النفايات هي من العناصر الأساسية التي تؤثر في البيئة الحضرية، والتي بدورها تؤثر في التنافسية المجالية. إن تطوير نظام فعال لإدارة النفايات يشمل جمع النفايات، معالجتها، وإعادة تدويرها بشكل مستدام، مما يساهم في الحفاظ على نظافة البيئة ويقلل من المخاطر البيئية والصحية. من خلال استخدام تقنيات حديثة في معالجة النفايات، يمكن تقليل تأثيرها البيئي على المدن والمجتمعات.
كما أن وجود أنظمة فعالة لإدارة النفايات يُعد من العوامل الحاسمة في تحسين صورة المدينة وجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين. كما أن هذه الأنظمة تُسهم في تقليل تكاليف تنظيف المدينة والمحافظة على الصحة العامة، مما يعزز من استدامة النمو الاقتصادي في المدينة.
4-3-العوامل التكنولوجية:
تُعد التكنولوجيا من أبرز العوامل المؤثرة في التنافسية المجالية في العصر الحديث، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية السريعة التي تشهدها معظم المجالات الحضرية. يمكن اعتبار التكنولوجيا وسيلة رئيسية لتحسين الأداء الاقتصادي والاجتماعي في المدن، مما يزيد من قدرة المدن على جذب الاستثمارات والمساهمة في تعزيز رفاهية السكان. ومن أهم العوامل التكنولوجية التي تؤثر في التنافسية المجالية بشكل أوسع ما يلي:
أ. البنية التحتية الرقمية:
تُعد البنية التحتية الرقمية من العوامل الأساسية التي تسهم في تعزيز التنافسية المجالية. مع تزايد الاعتماد على الإنترنت والاتصالات الرقمية في مختلف المجالات، أصبحت القدرة على توفير الإنترنت عالي السرعة وشبكات الاتصالات المتطورة شرطًا أساسيًا لاستقطاب الاستثمارات في القطاع التكنولوجي. وجود شبكة اتصالات متطورة يسهل تبادل المعلومات، ويسهم في تحسين الأداء الاقتصادي في مختلف القطاعات، من التجارة الإلكترونية إلى الصناعات الرقمية، مما يعزز من التنافسية المجالية للمدينة أو الإقليم.
تساهم البنية التحتية الرقمية في تسريع عملية التحول الرقمي في القطاعات المختلفة، بما في ذلك الحكومات الرقمية، والتعليم عن بُعد، والخدمات الصحية الإلكترونية، مما يسهم في رفع مستوى الخدمات المقدمة وتحسين جودتها. بالتالي، فإن المناطق التي تتمتع ببنية تحتية رقمية قوية تكون أكثر جذبًا للمستثمرين المحليين والدوليين.
ب. المدن الذكية:
تُعد المدن الذكية من المفاهيم الحديثة التي تعتمد بشكل أساسي على استخدام التكنولوجيا في إدارة الخدمات الحضرية. هذه المدن تستخدم التكنولوجيا لتحسين جودة الحياة وتوفير بيئة أكثر استدامة وكفاءة. يشمل ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء (IoT)، والتحليل البياني في إدارة النقل، الطاقة، الصحة، والتعليم، وغيرها من القطاعات.
تساهم المدن الذكية في تحسين الخدمات العامة مثل النقل الذكي الذي يساعد في تقليل الزحام المروري وتحسين تدفق حركة المرور. كما يمكن استخدام التكنولوجيا في إدارة النفايات، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، مما يساهم في تقليل التلوث وتحسين الاستدامة البيئية.
من خلال استخدام هذه التكنولوجيا، يمكن للمدن الذكية أن تصبح أكثر قدرة على تلبية احتياجات السكان بشكل أسرع وأكثر كفاءة، مما يزيد من جاذبيتها للمستثمرين ويعزز التنافسية المجالية.
ج. الابتكار والبحث العلمي:
الابتكار والبحث العلمي يعدان من العوامل التكنولوجية الحيوية التي تؤثر بشكل مباشر في التنافسية المجالية. مع تسارع التطور التكنولوجي، أصبح الابتكار في مختلف المجالات (مثل التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، والطب، وغيرها) محركًا رئيسيًا للتنمية المستدامة. يعتبر دعم مراكز البحث والتطوير وتوفير بيئة مناسبة للابتكار من العوامل الأساسية في تعزيز القدرة التنافسية للمجال.
وجود مراكز أبحاث متقدمة ومتطورة يسهم في تقديم حلول مبتكرة للتحديات الحضرية مثل التلوث، ازدحام المرور، ونقص الموارد. كما يمكن للابتكار أن يعزز من قدرة المدن على التكيف مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية من خلال تطوير حلول فعالة ومستدامة.
دعم الابتكار التكنولوجي يسهم في خلق اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على البحث العلمي وتطوير التكنولوجيا، مما يعزز من قدرة المدينة أو الإقليم على المنافسة في الاقتصاد العالمي.
5.3. العوامل السياسية والمؤسساتية:
تلعب السياسات الحكومية والمؤسسات دورًا حيويًا في تعزيز التنافسية المجالية من خلال تحديد السياسات العامة التي تؤثر على البيئة الاقتصادية والاجتماعية. يتطلب تحقيق التنافسية المجالية الفعالة بيئة سياسية مستقرة ومؤسسات ذات قدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية تدعم النمو والتنمية في مختلف المجالات. تشمل هذه العوامل عدة جوانب أساسية سنتناولها بالتفصيل أدناه.
أ. الحوكمة الرشيدة:
تعتبر الحوكمة الرشيدة عنصرًا أساسيًا في بناء بيئة مواتية للاستثمار والنمو الاقتصادي، ومن ثم تعزيز التنافسية المجالية. يشير مفهوم الحوكمة الرشيدة إلى "إدارة الشؤون العامة بأسلوب شفاف وفعال يتسم بالمشاركة والعدالة". ومن خلال توفير مؤسسات فعالة، يُمكن تحقيق أعلى مستوى من الكفاءة في إدارة الموارد وفرض السياسات التي تحقق التنمية المستدامة.
الحوكمة الرشيدة تتطلب وجود مؤسسات ذات استقلالية ونزاهة في اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى القدرة على تحديد أولويات التنمية بشكل استراتيجي. تساهم الشفافية في العمليات الحكومية، بالإضافة إلى إشراك المواطنين والمجتمع المدني في اتخاذ القرارات، في تعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، مما يعزز من جاذبية المناطق للاستثمار.
من جهة أخرى، فإن ضعف الحوكمة قد يؤدي إلى الفساد، مما يقلل من قدرة المجال على جذب الاستثمارات ويؤثر سلبًا على التنافسية المجالية.