Aperçu des sections

  • مدخل تعريفي بمادة الجغرافيا السياسية

    جامعة أم البواقي---كلية الحقوق والعلوم السياسية---قسم العلوم السياسية----السنة الثانية جذع مشترك

    المادة: الجغرافيا السياسية

    إعداد: أ/ نجيم دريكش

    Nadjimdir8@gmail.com

    أهداف التعليم:

    يتمكن الطالب بعد اكتسابه لهده المادة، من الحصول على بعض المؤهلات التي تساعده على استيعاب وفهم القضايا السياسية المحلية والدولية بإرجاعها إلى خلفياتها الجغرافية

    المعارف المسبقة المطلوبة:

    مختلف المعارف المكتسبة في المراحل التعليمية السابقة، التي تتمثل في التكوين القاعدي للطالب في السداسيات السابقة، وكل ما يمكن أن يساعده على دراسة الظاهرة السياسية.

     

    محتوى المادة:

    1.      ماهية الجغرافيا السياسية

    2.      نشأة الجغرافيا السياسية

    3.      مناهج الجغرافيا السياسية

    4.      مدارس الجغرافيا السياسية والجيوسياسة (الجيوبوليتيك)

     

    تقديم

    مادة الجغرافيا السياسية، هي أحد المواد المكمّلة لمسار تكوين الطالب في شعبة العلوم السياسية، وهي تربط بين حقلين معرفيين معاً (الجغرافيا والسياسة)، فتجمع ما هو جغرافي إلى ما هو سياسي، فتعطي وصفا وبُعداً سياسيا للعوامل والظروف والمكونات الجغرافية، وبذلك تبتعد عن العلوم الجغرافية وتقترب أكثر من العلوم السياسية.  وغالبا ما يذهب العديد من الكتاب إلى اعتبارها فرعا من الجغرافيا البشرية أو من فروع الجغرافيا العامة، بينما يوضح الأستاذ محمد رياض[1] أنه يوجد اختلاف كبير بين منطلقات الدراسة في الجغرافيا السياسية، ومنطلقات البحث في الدراسات الجغرافية عامة، بما في ذلك فروع الجغرافيا البشرية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، تمثل الجغرافيا السياسية واحدا من المواضيع الشائكة بسب ربط الظواهر السياسية التي تتميز بالتغير وعدم الثبات، مع العوامل الجغرافية والأرضية الأكثر ثباتا واستقرارا.

    وفيما يلي، سنحاول تقديم هذه المادة من خلال الإجابة على جملة من الأسئلة التي تعطينا تصورا عامّا عن هذا الموضوع:

    -          ما هي طبيعة الجغرافيا السياسية وكيف تم تعريفها؟

    -          متى وكيف ظهر هذا الحقل العملي؟ وأين يمكن تصنيفه بين فروع المعرفة الأخرى؟

    -          ما هو موضوع الجغرافيا السياسية؟

    -          ما الهدف من دراسة الجغرافيا السياسية؟

    -          ما الذي تقدمه الجغرافيا السياسية للدارسين وللممارسين؟



    [1]  محمد رياض، الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا، (القاهرة، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2014)، ص9.


    • أولا: ماهية الجغرافيا السياسية

      أولا: ماهية الجغرافيا السياسية

      1.مفهوم الجغرافيا السياسية: من الطبيعي أن تعريف أي مفهوم من المفاهيم يوضّح معناه ومضمونه وماهيته، وكذلك مجاله [المعرفي] الذي ينتمي إليه، أي معرفة جوهر ذلك المفهوم. وتشترك الجغرافيا السياسية مع فروع الجغرافيا كافةً في اهتمامها بالمكان وخصائص التركيب الجغرافي للوحدة السياسية، على اعتبار أن كل دولة هي ظاهرة جغرافية متفرّدة[1]

      يقد يُفهم من التسمية "الجغرافيا السياسية"، أنها تشير إلى كونها أحد أنواع الجغرافيا البشرية، على غرار الجغرافيا الاقتصادية، الجغرافيا السكانية، الجغرافيا الطبيعية، الجغرافيا البشرية، وغيرها من الفروع الجغرافية.  لكن من المهم التوضيح بأن وحدة الدراسة والبحث والتحليل في الجغرافيا السياسية هي الدولة، وهنا تكون أقرب إلى مجالات البحث السياسية، بينما تركز أغلب فروع الجغرافيا الأخرى على الإقليم الجغرافي الذي ليس هو الدولة وإنّما مجرد مكون من مكوناتها، وهنا تكون الجغرافيا السياسية، من حيث مواضيع الدراسة التي ترتبط بالوحدة السياسية التي هي الدولة، أشمل وأكثر اتساعا من فروع الدراسة الجغرافية الأخرى.

      لذلك، جاءت محاولات تعريف الجغرافيا السياسية ذات دلالات سياسية أكثر من كونها جغرافية، بتركيزها على دراسة الظواهر السياسية من خلال البحث في مكنوناتها الجغرافية وليس العكس، حيث تم تعريفها على سبيل المثال في معجم أوكسفورد OXFORD على أنها:

      " دراسة الجوانب الجغرافية والمكانية للسياسة؛ ... ".

      وعرّفها معجم لاروسLAROUSSE   بأنها:

      " دراسة العلاقة بين السياسة والفضاء الجغرافي".

      كما تم تعريفها أيضا على أنها: "دراسة تأثير العوامل الجغرافية على سلوك الدول والوحدات السياسية، أي كيف يحدد موقع الدولة ومناخها ومواردها الطبيعية وسكانها وتضاريسها ...، خياراتها السياسية، ومكانتها الدولية".

      ويعرفها الجغرافي الأمريكي ريتشارد هارتسهورن، على أنها: "دراسة تباين الظواهر السياسية من مكان لآخر، بالنظر إلى تباين مظاهر سطح الأرض باعتبارها وطنا للإنسان، ويدخل ضمن هذه الظواهر المظاهر التي تُنشئها القوى والأفكار السياسية".

      وقد صاغ كاسبرسن ومنجي عام 1959 تعريفهما للجغرافيا السياسية تحت عنوان: "دراسة التحليل المكاني للظاهرة السياسية".

      وبالنسبة للألماني لفريدريك راتزل (1844-1904) الذي يسمى أبو الجغرافيا السياسية، باعتباره أول من استخدم المصطلح في مؤلَّفه الشهير 1897، تحت عنوان: "Politische Geographie"، فإن:

      "الجغرافيا السياسية هي الأداة المعرفية والنظرية في يد الدولة".



      [1]  نوار محمد ربيع الخيري، مبادئ الجيوبوليتيك، (بغداد: أفكار للدراسات والنشر، 2014)، ص29.


      • ثانيا: نشأة الجغرافيا السياسية + مناهج الجغرافيا السياسية

        ثانيا: نشأة الجغرافيا السياسية

        نُذَكّر مرة أخرى، أن الجغرافيا السياسية كمصطلح وكتخصص/فرع من الجغرافيا البشرية أو الجغرافيا العامة، ظهرت فعليا على يد فريديريك راتزل 1897، إلا أن ارتباط الجغرافيا بالسياسة ممارسة وفكراً قديمةٌ جدّاً، تعود إلى العلاقة الطبيعية والحتمية بين الفضاء الجغرافي (الذي يمثل مختلفة مكونات البيئة التي يعيش فيها الانسان)، والسلوك الإنساني منذ انتظامه في الكيانات السياسية البدائية؛ فنجد أن العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجتمعات، وعلاقات الإنتاج، والسلوك السياسي في جميع مستوياته، ترتبط وتتأثر بالظروف والشروط الجغرافية التي تفرض نوعا معينا من السلوك تجاه البيئة وتجاه الغير.

        إذن، هذه العلاقات الحتمية/الطبيعية (إن صحّ التعبير)، جعلت الجغرافيا السياسية من القضايا التي وُجدت منذ القدم وتمت ممارستها قبل ابتكار المصطلح الذي يدل عليها؛ فالحضارات القديمة كان قادتها ومؤسسوها يدركون أهمية ما تقدمه العوامل والظروف الجغرافية من مزايا في بناء القوة واختيار السياسات المناسبة لمجتمعاتهم، وهذا ما تُخبرنا به الحضارات النهرية القديمة في بلاد الرافدين والحضارة المصرية على ضفاف النيل، وغيرها.

        لقد عبّر هيرودوت (484-424ق.م) عن دور نهر النيل الأساسي في قيام الحضارة المصرية القديمة بقوله "مصر هِبة النيل"، وتعرض ثيوسيديدس (460-395 ق.م) في حديثه عن الحروب البيلوبونيزية، للصراع بين القوة البرية الممثلة في اسبارطا، والقوة البحرية الممثلة في أثينا، كما أبرز أرسطو (384-322ق.م) دور الموقع والمناخ في قوة اليونان، وكتب المؤرخ سترابو (63-24ق.م) عن تأثير البيئة الجغرافية والمناخ على النشاط الإنساني ومُيولاته السياسية والاقتصادية، كما بيّن ابن خلدون (1332- 1406) تفاصيل عمر الدولة ومراحلها وعلاقة العمران بالبداوة والحضارة، عندما تطرق إلى قوة الدولة واتساعها جغرافيا في المستقبل بفضل زيادة قوتها، وكيف أن تشعب وتعدد القبائل يمكن أن يُعيق قيام الدولة. وتطور هذا الاهتمام أيضا في العالم الغربي خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، خاصة مع تطور عصر الكشوفات الجغرافية، التي مهدت لظهور الحركات الاستعمارية الأوروبية والتنافس الدولي للسيطرة على الأرض غير المأهولة.

        *راتزل ونشأة الجغرافيا السياسية: تعود نشأة الجغرافيا السياسية حصريا للألماني فريديريك راتزل، وعندما ابتكر المصطلح وألف كتابه "الجغرافيا السياسية" 1897، لم يكن بعيدا عن الظروف السياسية الدولية التي كانت سائدة آنذاك، ولكي نفهم أكثر مضمون ودلالة الجغرافيا السياسية التي أسَّسها، لابد من معرفة السياق العام الذي ظهرت فيه.

        لو نعيد قراءة جزء تاريخ العلاقات الدولية المرتبط بهذا السياق، سنلاحظ أن وصول الثورة الصناعية إلى ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر (فيما يُعرف بالموجة الثانية للثورة الصناعية، بعد الموجة الأولى 1789)، ساهم في صعود ألمانيا كقوة أوروبية وعالمية مهمة، وأصبحت نتيجة لذلك رافضة للتفوق التجاري البريطاني، وقد أصبحت المواجهة/الحرب الأنجلو-جرمانية حتمية بنظر المؤرخين والمثقفين الألمان، حسب ما يذهب إليه الكاتب الألماني هينريتش فون تريتشكه. الذي يعتقد بحتمية الصراع على الهيمنة في هذه المرحلة.

        كان راتزل متأثراً بالفكرة السابقة، كما أنه كان متشبعاً بالنزعة الهيجلية والداروينية، إضافة إلى تأثره بالإقامة في الولايات المتحدة واكتشاف فضاءاتها الواسعة، الأمر الذي قاده إلى اعتبار الفضاء (المكان) محركا للتاريخ، وفي الصراع من أجل الهيمنة يصبح المكان قوة حاسمة، لذلك يقول: "إن تاريخ أي بلد هو تاريخ التطور المضطرد لظروفه الجغرافية".

        وفي كتابه الأهم "الجغرافيا السياسية"، أظهر راتزل نزعته الحتمية في العلاقة بين الرض والدولة، وأثر البيئة في الدولة وسياستها، حيث تتلخص رؤيته للدولة في كونها مثل الكائن الحي، يحتل مساحة من الأرض ينمو ويتمدد فيها أو يضمحل ويموت، كما أن الدولة ليست واقعا ماديا وحسب، بل هي تكتل عضوي يتمثل في اتحاد وارتباط الشعب/الأمة بالأرض.

        بعد راتزل، برزت كتابات السويدي رودولف كيلين (1864-1922)، الذي ابتكر مصطلح الجيوبوليتيك، قبل أن تتبناه المدرسة الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وينظر كيلين إلى الدولة بوصفها شكلا من أشكال الحياة، تستمد أصولها من الحقائق التاريخية والواقعية بكونها مثل الكائن العضوي/الحي، وقد حاول كيلين أن ينقل الأفكار التي طرحها راتزل من المجال النظري إلى المجال التطبيقي، وهو المسعى الذي استمر مع رائد الجيوبوليتيك الألماني كارل هاوسهوفر (1969-1946).

        ثالثا: مناهج البحث في الجغرافيا السياسية:

        يقترح الجغرافي الأمريكي ريتشارد هارتسهورن أربعة مناهج أساسية للبحث في الجغرافيا السياسية وهي:

        01.المنهج التحليلي: والذي يقوم على فكرة تحليل القوى الخاصة بالدولة، انطلاقا من اعتبار الجغرافيا أحد مصادر/محددات القوة في العلاقات بين الدول، حيث يشمل المحدد الجغرافي؛ الموقع، الحجم أو المساحة، الشكل الذي تتخذه مساحة الدولة، مدى ما تقدمه المشتملات الثلاث السابقة من قرب أو بُعد أو عزلة أو اتصال بالمجتمع العالمي، درجة خصوبة التربة ونسبة الصالح منها للزراعة والإنتاج الزراعي، تأثير المناخ على الإنتاج الزراعي وعلى صلابة وطاقة السكان، وأخيرا احتياطي الموارد الطبيعية[1]. وتظهر أهمية وقيمة هذا منهج في الدراسات الجيوسياسية من خلال ربط تحليل عوامل قوة الدولة بواقع ومستقبل الظاهرة السياسية.

        2.المنهج التاريخي: أو ما يُعرف بالجغرافيا السياسية التاريخية، ويركز على تاريخ نشأة الدول ونموها من النواة الأولى وصولا إلى صورتها الحالية، ومعرفة الأساليب التي ساهمت في توسع النواة وضمها لمساحات وأقاليم جديدة، وقد أكّد راتزل من قبل أنّ تاريخ أي بلد هو تاريخ التطور المضطرد لظروفه الجغرافية،

        3.المنهج المورفولوجي: يهتم المنهج المورفولوجي بدراسة مشكلات الدولة السياسية من حيث الشكل، لاسيما الترتيبات والتنظيمات التي يكونها الارتباط السياسي للوحدات والأقاليم التي تكوّن الدولة، والارتباطات السياسية للدولة ككل مع التكتلات السياسية الإقليمية من ناحية، والاتجاهات والتحالفات العالمية من ناحية أخرى.  بالإضافة إلى المظاهر المكانية التي تشترك فيها الوحدات السياسية مثل مراكز الثقل السكانية والاقتصادية داخل الدولة والعاصمة، ومكونات الدولة والحدود السياسية والمشكلات الخاصة بالدولة كخطط التنمية ومشكلات السكان والاقتصاد والأقليات، كما تُدرَس هذه العناصر أيضا في سياق مقارن بين الدول المختلفة[2].

        4. المنهج الوظيفي:  يؤكد ريتشارد هارتسهورن على أهميته في الدراسات الجيوسياسية، ويرى أنه لابد من البدء بدراسة الوظائف المرتبطة بأي منطقة متكونة بنيويا؛ فإذا تشكل فضاء معين فذلك لأن لديه وظائف ينبغي عليه القيام بها، وهو ما ينطبق على الدول، والتي تقوم وظيفتها الحيوية على الاضطلاع بتأمين وحدة البلد وأمن سكانه، ويظهر هذا الشرط المزدوج على مستوى مجموعتين من الوظائف الداخلية والخارجية للفضاء الدولتي المتشكل أو المنظَّم[3]، وقد حدد راتزل قبل غيره وظيفة/هدف الدولة بوصفها تنظيما لقطعة من الأرض ومجموعة من السكان، أنها تتمحور حول جمع مختلف  أجزاء الأرض والمناطق في وحدة منظمة واحدة بحيث تكون على علاقة وثيقة مع كل المناطق والأقاليم التابعة لها.



        [1] رياض، مرجع سابق، ص22.

        [2]  رياض، مرجع سابق، ص37.

        [3]  جيرار ديسوا (ترجمة: قاسم المقداد)، دراسة في العلاقات الدولية: الجزء 1: النظريات الجيوسياسية، (سوريا: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، 2014)، ص183.