المحاضرة رقم 06: عودة الكلاسيكية: الواقعية النيوكلاسيكيى

الواقعية الكلاسيكية الجديدة Neoclassical Realism:

تأسست الواقعية النيوكلاسيكية على محاولة إعادة الاعتبار، إلى أفكار الواقعيين التقليديين مع محاولة سد الثغرات النظرية، التي كانت محل انتقاد من طرف السلوكيين، أو حتى من طرف الواقعيين البنيويين. لذلك فقد أعادت الواقعية النيوكلاسيكية الاعتبار، إلى القوة كعامل محدد للسياسة الخارجية، وكذلك السياسات الدولية بشكل عام. ويقوم هذا الاتجاه انطلاقاً من ذلك على فرضية أساسية، مفادها أن نطاق وطموح السياسة الخارجية للدولة، يتوقف على مكانتها في النظام الدولي، من خلال قوتها المادية النسبية Relative material power capabilities. حيث تُمارس هذه الأخيرة تأثيراً غير مباشر Indirect، ومعقد Complex، على اعتبار أن تأثير الضغوط الخارجية Systemic pressures، لا يكون إلا من خلال تفاعلها مع المتغيرات المرتبطة بالبيئة الداخلية.

1.      التوليفة النيوكلاسيكية: التوفيق بين البيئتين الداخلية والخارجية:

اتخذت الواقعية النيوكلاسيكية، موقفاً خاصاً،فيما يتعلق بالبنية ودورها في تحديد سلوك الدولة الخارجي، أو بتعبير أدق سياستها الخارجية. حيث لم تكرر الواقعية النيوكلاسيكية خطأ الواقعيين الكلاسيكيين، بالافتراض بانفصال البيئتين الداخلية والخارجية، كما أن الافتراض بأن القوة عامل محدد للسلوك الخارجي للدول، لا يعني أنها تُمارس تأثيراً مباشراً في هذا المجال. إضافةً إلى توضيح الكيفية التي تُمارس القوة وفقها، تأثيرها على السياسة الخارجية، أي من خلال التفاعل مع العوامل والمؤثرات الصادرة عن البيئة الداخلية. فهذه الأخيرة هي التي تُحدد مدى الأثر، الذي تُمارسه مؤثرات النظام الدولي، حيث لا تمارس هذه السياسات الأثر ذاته على السياسة الخارجية للدول، وهو ما يظهر من خلال الاستجابة المختلفة لنفس المواقف، رغم التشابه الكبير في أوضاع الدول. وهو ما يعني في نفس الوقت، تصحيحاً لفرضيات الواقعيين الكلاسيكيين، القائلة بالانفصال الكامل بين البيئتين الداخلية والخارجية، ونقداً لفرضية الواقعيين البنيويين القائلة بهامشية تأثير البيئة الداخلية في تشكيل السياسة الخارجية للدولة.

ويعتبر جاك سنايدر J. Snyder في هذا الصدد، أن البيئة الداخلية، تتدخل في التأثير على عقلانية قرارات السياسة الخارجية، من خلال تأثيرات الانتماءات الحزبية والإيديولوجية، وكذلك عمليات الاستقطاب الداخلي، فيما بين الجماعات السياسية. وعلى هذا الأساس فإن الصراعات السياسية الداخلية، عادةً ما تؤدي إلى ارتفاع مخاطر اللاعقلانية، في السياسة الخارجية للدولة. فزيادة حدة الاستقطاب السياسي الداخلي، والصراع حول السلطة والنفوذ ضمن البيئة السياسية الداخلية، يُمكن أن يدفع إلى تبني خيارات متطرفة في سياستها الخارجية، تهدف إلى حشد التأييد الشعبي، أو توجيه اهتمام الراي العام نحو قضايا خارجية، لتخفيف ضغط البيئة الداخلية، حول المجالات الاقتصادية والاجتماعية. وقد يمتد تصدير الأزمات السياسية الداخلية، من افتعال أزمات محدودة من خلال الاحتكاك مع دول أخرى، إلى غاية التورط في نزاع مسلح، قد يأخذ بدوره نطاقات مختلفة.

ترتبط عقلانية السياسة الخارجية لإضافة إلى ذلك، بطبيعة النظام السياسي الوطني من حيث درجة الانغلاق والانفتاح، وهو العامل الذي تم أخذه بالاعتبار كذلك، ضمن نظرية السياسة الخارجية المقارنة لجيمس روزنيو. حيث يعتبر ستيفان فان إيفرا S. Van Evra، أن الأنظمة السياسية المغلقة Systèmes politiques fermés، تميل إلى تبني سياسات عدوانية أو توسعية Politiques d’expansion. فهذه السياسات لا يتم طرحها ضمن الأطر السياسية الاعتيادية، وبالتالي فهي لا تخضع لعمليات الرقابة القبلية والبعدية، سواءً من طرف المؤسسات السياسية، أو من طرف الرأي العام. ويتم في المقابل صنع قرارات السياسة الخارجية، ضمن الدوائر الضيقة في النظام السياسي Les Cartels au pouvoir، ويتم تبريرها من خلال "الأساطير الإمبريالية" Les mythes impériaux، التي تمنع كل محاولة للتراجع عن هذه السياسات.

يمكن انطلاقاً من ذلك ملاحظة الموقع المميز، الذي تمنحه الواقعية الهجومية لتأثيرات بنية النظام الدولي، وهي بذلك تتقاطع مع أفكار الواقعيين البنيويين، رغم استمرار الواقعيين الهجوميين اعتبار أن بنية النظام الدولي، تؤثر في تحديد توجهات الدول، لكنها لا تكون العامل الوحيد في تشكيل السياسة الخارجية الوطنية. كما أن الدول لا تكتفي بالطابع السلبي أو الدفاعي للأمن، كما يذهب إليه البنيويون والواقعيون الدفاعيون، بل تسعى لحماية أمنها عن طريق تدعيم موقعها في تفاعلات الفوضى الدولية. 

أما الشق البنيوي من الواقعية النيوكلاسيكية، فيتمثل في قبول حالة فوضى النظام الدولي (البنية الدولية)، وتأثيرها على التوجهات الخارجية للدول، في إطار تفاعلات السياسة الدولية. وهو افتراض تقليدي في التراث الواقعي، حيث لا توجد أي شكل من أشكال التنظيم الدولي، بينما يتم الاحتكام إلى الاعتماد على النفس، في تحقيق الأهداف والمصالح الوطنية. وهو ما يُضفي حالة من عدم الثقة، والميل إلى الاستراتيجيات المنفردة، وتقليص مساحة التعاون في السياسة الخارجية للدولة.

غير أن الواقعية النيوكلاسيكية، تتعارض في تصورها لتأثير البيتين الداخلية والخارجية، مع افتراضات الواقعيين الكلاسيكيين، والواقعيين البنيويين (الدفاعي والهجومي). وفي المقابل فقد تم توليف تأثير البيئتين، على السياسة الخارجية للدولة، دون اعتبار أن ذلك يتم بنفس الصورة، بالنسبة لجميع الدول. ففي بعض الحالات تكون التوجهات الإمبريالية، ليست نتاج أوضاع النظام الدولي الفوضوي فحسب (البيئة الدولية)، بل لوجود تيارات وفاعلين داخليين، تدفع نحو تبني هذا الخيار (تأثير البيئة الداخلية).

2.      عودة الدولة كمركز لتحليل السياسة الدولية:

تُفضي الافتراضات السابقة، حول ضرورة التوليف بين مؤثرات البيئتين الداخلية والخارجية، لفهم السياسة الدولية، إلى افتراض آخر، تعتبر من خلاله الواقعية النيوكلاسيكية، أن الدولة هي أساس لفهم التفاعلات الدولية. ويُعتبر هذا الافتراض، إحياءً للمسلّمة الكلاسيكية، القائلة بمركزية الدولة State-Centrism، في دراسة العلاقات الدولية، دون أن يمتد ذلك إلى تبني نموذج كرة البليارد. غير أنه في المقابل، دفع النيوكلاسيكيين، إلى التركيز على محاولة وضع نظرية للسياسة الخارجية، وهو الجانب المفتقد -حسبهم- في التيار الواقعي بشك لعام.

لا تقف النيوكلاسيكية عند الحدود النظرية، التي عانت منها الواقعية الكلاسيكية، والتي تعاملت مع الدولة على أنها فاعل وحيد وموحد، وبذلك افتقدت للقدرة على تفسير السياسة الخارجية للدولة. لذلك وبدل الاستناد إلى الطبيعة البشرية، لتفسير السلوك العدواني للدولة، استندت الكلاسيكية الجديدة، على البنية الداخلية للدولة. فهذه الأخيرة تشهد تفاعلات متعددة، بين لاعبين متنوعين من حيث العدد والخصائص، وهو ما يعني اختلاف توجهات الدولة الخارجية، حسب ميزان القوة السائد على المستوى الداخلي. وهو ما يتعارض بشكل واضح، مع منطق الحتمية الذي افترضته الواقعية البنيوية، على اعتبار أن سلوك الدولة، وأنماط استجابتها هي متغير تابع، للبنية الفوضوية للنظام الدولي.

انطلاقاً من ذلك يوسع فريد زكريا، من دائرة التحليل الواقعي، لسلوك الدول الخارجي، لتشمل عوامل من البيئة الداخلية، مثل تلك المرتبطة بطبيعة النظام السياسي وبنيته المؤسساتية، إضافةً إلى تصورات صانع القرار حول توزيع القوة السائد بين قوى النظام الدولي. وبذلك يكون صانعوا القرار على المستوى المركزي، مزودين بالسلطة لتسيير السياسة الخارجية، وبالتالي تحديد توجهاتها الأساسية، وكذلك اتخاذ القرارات المرتبطة بها. وهو ما يعني أن أية ضغوط داخلية، سواءً أكانت مؤسساتية أو مجتمعية، ستؤثر بشكل مباشر على عملهم وتصوراتهم، وبشكل مباشر على مخرجات الوحدة القرارية، بتعبير آخر على السياسة الخارجية الوطنية.

يظهر هذا التأثير في البيئة المؤسساتية اللبرالية، والتي تُمارس فيها المؤسسات السياسية، وجماعات المجتمع المدني نوعاً من الرقابة على أعمال السياسة الخارجية. مثل ما يحدث مراراً في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتشكل لجان برلمانية من أجل مساءلة السلطة التنفيذية، على أدائها في قضايا معينة، ثم ترفع توصياتها بشأن ذلك. وهو ما ينجر عنه إما منح مزيد من الدعم للسياسة الخارجية، أو تقليص الاعتمادات المخصصة لها، من أجل الدفع نحو تغيير التوجهات العامة. ومن أهم الأمثلة على ذلك قرار الكونغرس الأمريكي ابتداءً من سنة 1983، وقف المساعدات العسكرية لحركة الكونتراس في نيكاراغوا، من خلال الصلاحيات التي يمتلكها المجلس، في مجال إقرار الميزانية الفدرالية. وهو ما أدى إلى خرق الحضر المفروض منذ 1979، على تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إيران، من أجل ضمان استمرار التمويل لحركة الثورة المضادة في نيكاراغوا، ضمن ما عُرف صحفيا باسم فضيحة إيران غايت Irangate.

وينطبق نفس الوضع على تأثير حركات المجتمع المدني، على التوجهات الخارجية للدول الأوروبية، خاصةً فيما يتعلق بالبناء الإقليمي الأوروبي. ويظهر ذلك بشكل أوضح، كلما اقتربت العملية من المجالات المعيشية والاجتماعية، حيث تهدف هذه الحركات إلى حماية المكاسب الاجتماعية والوظيفية، من السياسات فوق الحكومية الأوروبية. لهذا يزداد الضغط الشعبي على الحكومات الوطنية، في كل مرة يقترب الاتحاد الأوروبي من إجراء إصلاحات مؤسساتية، تعطي صلاحيات أكبر للمؤسسات الأوروبية على حساب المؤسسات على الوطنية. وقد ظهر تأثير هذا الضغط خلال مسار إقرار المعاهدة الدستورية (الدستور الأوروبي) سنة 2005، وهو ما دفع دول الاتحاد الأوروبي، إلى التخلي عن الكثير من الطموحات الفدرالية، والقبول بالحد الأدنى الممكن من خلال معاهدة لشبونة سنة 2007. إضافةً إلى التغيير الكلي في السياسة الأوروبية لبريطانيا، من خلال الاستفتاء حول الخروج من الاتحاد الأوروبي سنة 2015، بسبب ضغوط التيارات الشعبوية المطالبة بالانفصال عن البناء الأوروبي.

لا يتوقف تأثير البيئة الداخلية، في سلوكات الدولة الخارجية، عند دور المؤسسات السياسية والقوى المجتمعية، بل يمتد إلى إعطاء مساحة أكبر لدور الفرد صانع القرار. فالتأثيرات الناتجة عن قوى البيتين الداخلية والخارجية، لا تًمارس دورها بشكل آلي ومباشر، كما يُمكن أن يُفهم من خلال فرضيات نظريات العلاقات الدولية بشكل عام. فقد كانت فرضيات الواقعيين الكلاسيكيين والبنيويين، وحتى فرضيات الواقعية الدفاعية، مفتقدة للطابع التفسيري الذي وُجدت من أجله. حيث لا يُمكن تفسير السياسة الخارجية، واستشراف التحولات التي يُمكن أن تطرأ عليها، دون روابط حقيقة مع المفاهيم السائدة، والتي تتميز بطابع تجريدي لا يسمح بقياس تأثيرها على سياسات الدول. 

لهذا يعتبر فريد زكريا أن هذه العوامل، خاصةً ما يتعلق منها بالتغيرات في توزيع القوة في النظام الدولي، لا تُمارس تأثرها إلا من خلال التأثير على تصورات صانع القرار. فالمفاهيم المجردة مثل الأمن والقوة...إلخ، لا يُمكن لها تفسير السلوكات الخارجية للدولة، أو بتعبير آخر سياستها الخارجية، إلا من خلال المعاني والمضامين التي يمنحها لها، صانع القرار أو رجل الدولة. وعليه فإن تحديد مضامين وتوجهات السياسة الخارجية، يتوقف على إدراك صانع القرار للتغيرات في توزيع القوة، وكذلك تغير التهديدات التي يتعرض لها الأمن الوطني. هي ما قد يدفع صانعي القرار إلى تعريف فعلي للمصالح الوطنية، والتصرف عملياً وهذا التعريف، وليس استناداً إلى التصورات النظرية التي اعتمدها الواقعيون الكلاسيكيون والبنيويون.

3.      القوة وخيارات الهيمنة:

أبقت الواقعية الكلاسيكية، مفهوم القوة ضمن حالة من العمومية والغموض، ورغم حصافة هذا الموقف نسبياً، إلا أنه كان محل انتقاد من طرف البنيويين وغيرهم من الاتجاهات النظرية. حيث أن إبقاء مفهوم القوة على هذا النحو، قد يتوسع ليشمل كل ما من شأنه، تحقيق التأثير المنتظر في العلاقات الدولية، لكنه في المقابل يفقد قدرته التفسيرية، للسلوك الخارجي للدولة. وفي مقابل ذلك، اعتبر البنيويون أن القوة هي معطى مسبق، أي أن كل الدول تتمتع بالقدر الكافي من القوة لتحقيق غاياتها وأهدافها، وخدمة مصالحها الوطنية. وهو الافتراض الذي يرفضه الواقعيون النيوكلاسيكيون، على اعبار أن قوة الدولة، خاضعة في المقام الأول لقدرة هذه الأخيرة -أي الدولة-، على إدراك القوة الكامنة لديها في المقام الأول، ثم تحويلها إلى قدرات فعلية، قابلة للاستعمال كآلية لتحقيق الأهداف الوطنية، وتوجهات السياسة الخارجية.

وعليه فإن القوة بمختلف مظاهرها، لا تؤدي إلى خلق الأثر المتوقع منها في التفاعلات الدولية، إلا بعد تحويلها إلى عامل قابل للاستخدام، أي بتعبير آخر تفادي الوقوع في حالة "المرض الهولندي". أي تكرار حالة هولندا في التاريخ الأوروبي، والتي امتلكت القدرات الاقتصادية والعسكرية (الأسطول البحري)، لكنها مع ذلك، لم تمتلك التوجه نحو بناء دولة إمبريالية، أو بتعبير الواقعية النيوكلاسيكية قوة عظمى. ويُمكن الاستنتاج من ذلك، أن سياسات الهيمنة، أو سياسات القوة بالتعبير الواقعي الكلاسيكي، لا تُعتبر حتميةً في السياسة الدولية، بمجرد اكتساب الدول للقوة الكافية. بل هي خيار في السياسة الخارجية للدول، التي قد تتوجه نحو تبني أنماط مختلفة للسلوك، تمتنع بموجبها عن استغلال القوة الكامنة/الفعلية، من أجل فرض هيمنها على المستويين الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنطلق، تُفسر السياسة الخارجية لبعض الدول، التي اختارت حالة "المرض الهولندي"، أي التخلي عن طموحات الهيمنة في العلاقات الدولية (مثل ألمانيا، كندا، اليابان...إلخ)، في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة. في حين صعود قوى عُرفت تقليدياً، بأنها متوسطة أو من الدرجة الثانية، رغم أنها كانت ذات قدرات أقل (الصين، الهند...إلخ). وهو ما يفسر تعرض الهيمنة الأمريكية في النظام الدولي، لتحدي القوى الصاعدة، التي لجأت إلى صور مختلفة من القوة، خاصة العسكرية والاقتصادية.

تجدر الإشارة، إلى أن مفهوم القوة المطروح، لا ينحصر في المظاهر التقليدية الصلبة، التي ارتبطت بشكل عام بهذا المفهوم، خاصةً في شقه العسكري، بل تمتد إلى كلما من شأنه تحقيق أهداف وطموحات الدولة، في تحقيق الهيمنة والنفوذ. وبالتالي فإن الإبقاء على القوة الاقتصادية والتجارية، لا يعني إصابة الدول بالمرض الهولندي في معناه المستعمل في مجال العلاقات الدولية. فقدرة الدول الأوروبية، وكذلك الصين ومجموعة دول البريكس BRICS، على استعمال قوتها الاقتصادية في مواجهة الهيمنة النسبية للولايات المتحدة، يجعلها قادرة على تحقيق التوازن أو حتى الهيمنة، بوسائل غير عسكرية. حيث تمنح القوة الاقتصادية الدول، مساحة أكبر للمناورة في سياستها الخارجية، من خلال القدرة على تقليص الضغوط الخارجية، أكثر مما توفره تعظيم القدرات العسكرية. فالقوة التقليدية والنووية التي تملكها الولايات المتحدة، لا يجعلها في معزل عن الضغوط الناتجة عن السياسات الاقتصادية والمالية الصينية والأوروبية.

غير أنه في المقابل، فحتى وإن لم ترغب الدولة في ممارسة الهيمنة، فإنها ستكون في حاجة دائمة للقوة، بما في ذلك العسكرية، من أجل التحرر من تأثيرات التهديدات الأمنية. حيث تبقى الدولة، في حالة مقاومة دائمة، لأية محاولات خارجية، من أجل فرض هيمنتها على محيطها الإقليمي، وهو ما يلجأ إليه ميرشهايمر مثلاً، لتفسير النزعة الروسية لاستخدام العنف، ضد محاولات اختراق ما أطلق عليه بريجنسكي سابقاً اسم "الرواق الروسي"، أي دول الجوار الروسي القريب، في أكرانيا، ومنطقة القوقاز، وآسيا الوسطى. وفي مقابل ذلك، فقد توقع ميرشهايمر سابقاً، صعود قوى أخرى دون اللجوء إلى العنف، مثل الحالة الصينية، التي تعمل حسبه على طمأنه محيطها الإقليمي، والقوى الأساسية الأخرى (الولايات المتحدة)، بعدم امتلاكها لأية توجهات تعديلية. ويستند توقع ميرشهايمر، إلى غياب الطابع الهجومي للقوة والعقيدة العسكرية الصينية، وبالتالي غياب القدرة والنية، لتغيير توزيع الأدوار القائم.

ويُمكن انطلاقاً من ذلك، القول -بتحفظ-، أن الهيمنة ليست حتمية كما توقعها الكلاسيكيون، لكنها ستكون أقرب إلى السياسة المفضلة، لدى الدول التي تلك الحجم الكافي من القوة. إضافةً إلى امتلاك النية، أو التوجه في السياسة الخارجية الوطنية، نحو ممارسة الهيمنة، على المستوى الإقليمي على الأقل، كخطوة استباقية وفق تصور ميرشهايمر، لمنع القوى الأخرى المنافسة، من فرض نفوذها على حدودها، حيث يعتبر في هذا الصدد أن القوى العظمى، دائمة السعي نحو تعظيم قوتها، على حساب بعضها البعض.  


آخر تعديل: Tuesday، 21 April 2026، 7:33 PM