المحور الثاني: الحريات والحقوق السياسية في الجزائر

-ضمانات الحريات والحقوق السياسية في ظل التعديل الدستوري لسنة 2020

 تمهيد :تعد الحقوق والحريات السياسية من أهم الركائز التي يقوم عليها أي نظام ديمقراطي، إذ تتيح للمواطن المشاركة الفعالة في الحياة العامة واتخاذ القرارات التي تؤثر على مستقبل الدولة. جاء التعديل الدستوري لسنة 2020 في الجزائر ليؤكد على حماية هذه الحقوق، من خلال تكريس ضمانات دستورية وقانونية واضحة، تعزز المشاركة السياسية، حرية التعبير، وحق التنظيم، بما يتماشى مع تطلعات الشعب الجزائري نحو الديمقراطية والشفافية والمساءلة

أولا: الإطار المفاهيمي للحقوق والحريات السياسية

تقوم الحقوق والحريات ذات الطابع السياسي على مبدأ ضمان مشاركة الفرد في الحياة العامة واتخاذ القرار السياسي داخل الدولة فهي ركيزة أساسية للديموقراطية حيث تمكن المواطن من ممارسة سلطته بشكل سلمي ومشروع. وعلى هذا الأساس سوف ندرس مفهوم الحقوق والحريات السياسية، ومن ثم الحريات كما وردت في الدستور الجزائري.

*. مفهوم الحقوق والحريات السياسية: الحقوق والحريات السياسية هي مجموعة الحقوق التي تمكن الفرد من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية للدولة، والتأثير على اتخاذ القرارات العامة، وضمان ممارسة دوره كمواطن متساوي مع الآخرين.  

 1-حق المشاركة في الحكم وتقلد الوظائف في الدولة: ويعتبر من أبرز مظاهر المواطنة الفاعلة في الدولة الحديثة، ويجسدان التمثيل العادل وتكافؤ الفرص بين المواطنين.

*أ-الحق في المشاركة في الحكم من خلال: عبر التعديل الدستوري الجزائري الحالي عن الحق في المشاركة في الحكم عن طريق الانتخابات والترشح والاستفتاء الشعبي حيث ورد في المادة 56 منه على أنه لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية أن ينتخب أو ينتخب وأضافت المادة 91 فقرة 9 أنه يمكن لرئيس الجمهورية أن يستشير الشعب في كل قضية ذات أهمية وطنية عن طريق الاستفتاء.

 يعد نظام الانتخابات من المجالات التي يشرع فيها البرلمان بقانون عضو وبالرجوع إلى القانون العضوي الصادر بموجب الأمر 21-01 المتعلق بالانتخابات نجده ينصف المادة 50 منه على أن الناخب هو كل جزائر وجزائرية بلغ 18 سنة كاملة يوم الاقتراع وكان متمتعا بكافة حقوقه وغير فاقد للأهلية ومسجل في القائمة الانتخابية 

 وفيما يلي نستعرض مفهوم كل حق من هذه الحقوق على حدا كالتالي

*-الحق في الانتخاب: يعرف الحق في الانتخاب بأنه تلك العملية التي تبدأ بإدلاء الناخب بصوته لاختيار من يمثله بدءا من تقديمه بطاقة الانتخابية وما يثبت شخصيته إلى رئيس لجنة الانتخابات مروا بتسليمه بطاقة الاختيار وانتهاءاه بإدلائه بصوته في سرية لاختيار أحد المرشحين 

 وإبداع هذه البطاقة في صندوق مخصص لذلك ثم فرز الأصوات والإعلام عن النتيجة بما يطابق إرادة الناخبين إن الانتخابات وسيلة أساسية للتداول على السلطة في الأنظمة الديمقراطية مع ضرورة وجود ضمانات حقيقية لحرية وصحة ونزاهة هذه الانتخابات وتعكس بصدق أراء وتطلعات الهيئة الناخبة.

*-الحق في الترشح: لم تعرف معظم الدساتير والقوانين حق الترشح واكتفت بالنص على إجراءات وأساليب ممارسته لذلك وجب الرجوع للفقه لتحديد مدلوله فقد عرف بأنه حق الفرض في تقديم نفسه على هيئة الناخبين لتولي السلطات العامة نيابة عنهم لأن الديمقراطية تقوم على أساس تحقيق الحرية السياسية وهي حكم الشعب نفسه بنفسه ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق الانتخاب والترشح للانتخابات بكل مستوياتها الرئاسية والبرلمانية والمحلية. 

 *-الحق في الاستفتاء يمارس الشعب الجزائري سيادته عن طريق الاستفتاء بواسطة ممثليه المنتخبين. الاستفتاء أداة أساسية لممارسة السيادة ويملك رئيس الجمهورية صلاحية اللجوء إليه مباشرة لقد عرفت المادة 2 فقرة 07 من القانون العضوي للانتخابات بأن الاستفتاء هو آلية من آليات الديمقراطية التي يتم بواسطتها عرض نص أو سؤال لمصادقة مجموعة الهيئة الناخبة أما الفقه فقد عرفه البعض بأنه طرح موضوع عام على هيئة المشاركة في التصويت لأخذ رأيهم فيه بالموافقة والرفض بنعم او لا.

*-ب-الحق في تقلد المهام والوظائف في الدولة: الأساس الدستوري لهذا الحق نجده في المادة 67 من الدستور، ويعد الحق في تقلد المهام والوظائف في الدولة من الركائز الأساسية في النظام الديمقراطي؛ فهو يترجم مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ويضمن أن تكون الوظيفة العامة خدمة للمجتمع وليست امتيازا لفئة معينة. غير أن حماية هذا الحق تتطلب منظومة قانونية واضحة، وشفافية في التوظيف، وآليات رقابية فعّالة تمنع الفساد والمحسوبية. وبذلك يتحقق الهدف الأسمى من الوظيفة العامة: خدمة الصالح العام وتحقيق التنمية المستدامة.

2-الحق في إنشاء الجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها: هو أحد الحقوق والحريات السياسية الأساسية التي يتمتع بها المواطنون، ويقوم على تمكين الأفراد من تنظيم أنفسهم في أطر جماعية سواء كانت جمعيات مدنية أو أحزابا سياسية وهذا بهدف التعبير عن آرائهم، والدفاع عن مصالحهم، والمشاركة في الحياة العامة.

*-أ -الحق في إنشاء الجمعيات وهو قدرة الأفراد على تأسيس تنظيمات مدنية أو ثقافية أو خيرية أو مهنية، بشكل حر ودون تدخل غير مبرّر من الدولة، بهدف خدمة مصالح مشتركة أو ممارسة نشاط جماعي مشروع.

*-ب-الحق في إنشاء الأحزاب السياسية والانضمام إليها هو تمكين المواطنين من تأسيس أحزاب سياسية تعبّر عن رؤاهم وبرامجهم، والمشاركة في العملية السياسية، والترشّح للانتخابات، والتأثير في صنع القرار العام، ويشمل كذلك حرية الانضمام لأي حزب أو الانسحاب منه دون ضغط أو تمييز.

جوهر هذا الحق: يقوم على حرية التعبير والتنظيم. ويرسخ الديمقراطية التشاركية. ويمكن المواطنين من المشاركة في إدارة الشأن العام.

3-حرية الرأي والتعبير والصحافة:

*-أ حرية الرأي والتعبير: الحق في التعبير عن الرأي السياسي دون خوف من القمع أو الانتقام.

*-ب-حرية الصحافة والاعلام: حق المواطن أو الجماعات السياسية في التعبير عن الرأي السياسي بحرية، سواء عبر الصحافة، الإعلام، أو المنابر العامة.

4-حرية الاجتماع وحرية التظاهر السلمي:

*-أ-حرية الاجتماع: هي حق المواطنين في الالتقاء والتجمع بشكل منظم أو غير منظم، في أماكن عامة أو خاصة، لمناقشة قضايا اجتماعية أو ثقافية أو مهنية أو سياسية، دون قيود غير مبرّرة من الدولة، ما دام الاجتماع لا يخل بالأمن أو النظام العام، هذه الحرية تمكّن الأفراد من:

تبادل الأفكار، ومناقشة هموم المجتمع، وتنظيم أنشطة جماعية مشروعة

*-ب- حرية التظاهر السلمي:

هي حق الأفراد في التعبير الجماعي والمنظم عن آرائهم ومطالبهم في الفضاء العام، عبر مسيرات أو وقفات أو احتجاجات سلمية، بشرط أن تتم دون عنف ودون تهديد للنظام العام أو الممتلكات.

وتعد من أهم وسائل: التعبير السياسي والمدني. والضغط السلمي على السلطات لتحسين السياسات. وإيصال صوت المواطنين بشكل علني ومنظّم.

. أهمية الحقوق والحريات السياسية

  • الحريات السياسية ليست مجرد حقوق شكلية، بل أساس الديمقراطية الحقيقية، حيث تمكن المواطن من التعبير عن رأيه والمشاركة في اتخاذ القرار العام.
  • حماية هذه الحقوق تعزز كرامة الفرد، وتضمن مساواة المواطنين أمام القانون، وتؤسس لمبدأ العدالة الاجتماعية والسياسية.

نتيجة  :يشكل التعديل الدستوري لسنة 2020 خطوة هامة لتعزيز الحقوق والحريات السياسية في الجزائر، من خلال توفير حماية دستورية وقانونية، وآليات لمساءلة المسؤولين، وضمان استقلالية القضاء في حماية الحقوق. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الضمانات يعتمد على التطبيق الفعلي، التزام المؤسسات، ووعي المواطنين بأهمية المشاركة السياسية. بالتالي، يمكن لهذا التعديل أن يسهم في بناء نظام ديمقراطي متين وفاعل، يحقق التطلعات الشعبية للحرية والمساواة والعدالة.

********************************

II-الضمانات المختلفة للحريات وحقوق الانسان (قانونية ، قضائية، سياسية)

قد تتعرض الحريات والحقوق التي سطرت في القوانين، او وجدت نتيجة لأعراف اجتماعية الى انتهاكات من السلطات المتعددة في الدولة. لأجل ذلك وجب إيجاد وسائل وضمانات تكفل حماية هذه الحريات والحقوق، ووفقا للتطبيقات الاكاديمية المعاصرة يكمن تصنيف هذه الضمانات الى ثلاثة اصناف رئيسية هي:

أولا: الضمانات القانونية

-1 الدستور : يعد الدستور من اهم وسائل حماية حقوق الانسان لاسيما إذا ما نص الدستور على المبادئ الأساسية لتلك الحقوق في صلبه، حيث يصبح امر تعديلها من المشرع محظورا في الدساتير الجامدة، وصعبا في الدساتير المرنة لأنه يتعلق بأمر حساسا يمس حق الشعب.

 

-2 مبدا الفضل بين السلطات : يعد هذا المبدأ وسيلة فعالة لحماية الحريات والحقوق من تعسف وتجاوز احدى السلطات. فهو يقسم وظائف الدولة الى سلطات متعددة مما يفرض على كل سلطة، ان تعمل بوضوح امام السلطات الأخرى، التي لها ان تراقب وتوقف أي سلطة إذا تجاوزت او تعدت على حقوق وحريات الافراد.

-3 مبدا سيادة القانون : يقصد به خضوع مؤسسات الدولة لقواعد قانونية تقيدها وتسمو عليها، بمعنى ان مؤسسات الحكم ملزمة للخضوع لأحكام القانون شأنها شان المحكومين.

ثانيا: الضمانات القضائية

-1 الرقابة على دستورية القوانين : يقصد بها مراقبة حسن تطبيق احكام الدستور، وتنفيذ احكام القانون من خلال فصلها في المنازعات التي تنشأ بين الافراد، او بينهم وبين السلطتين التشريعية والتنفيذية نتيجة الاعمال التي تصدر عنها. وتتضمن، رقابة الامتناع ورقابة الإلغاء. وتتضمن هذه الرقابة عنصرين هما: رقابة سياسية تباشرها هيئة سياسية تراقب مشروع القانون لتقرر مدى احترامه لأحكام الدستور/ رقابة قضائية وهي رقابة القانون بعد اصدراه من جهة القضاء، وبدورها تنقسم الى رقابة امتناع ورقابة الغاء.

-2 الرقابة على اعمال الإدارة : من الواجب ان تكون جميع تصرفات الإدارة في حدود القانون، ورقابة القضاء للإدارة تشكل ضمانة هامة واساسية لحماية حقوق الانسان وحرياته من تعسف وطغيان الإدارة.

ثالثا: الضمانات السياسية

1 الأحزاب السياسية: يعتبر مبدا تعدد الأحزاب من المبادئ الأساسية التي تقوم عليه اغلب النظم الديمقراطية في العالم المعاصر ولهذه الأحزاب دور مؤثر في حماية حريات وحقوق الانسان، سواء كانت في المعارضة او في السلطة. فتواجد الحزب يجعله يقوم بوظيفة مراقبة اعمال وتصرفات من يباشر السلطة سواء داخل او خارج البرلمان. اذ يقوم أعضاء البرلمان من تلك الأحزاب بإبداء المعارضة للحزب الحاكم ومنحه قدر الإمكان من اصدار قوانين تضر بالصالح العام او تشكل انتهاك لحقوق الافراد وحرياتهم. هذا فضلا عن تشخيص أخطاء الحكومة والتنبيه الى خطورتها. اما خارج المجلس النيابي فيكون دور الأحزاب المعارضة، في مراقبة مساءلة هيئات السلطة، عن طريق وسائل الاعلام المختلفة. بتسليط الضوء على الاعمال والتصرفات المسيئة لحريات وحقوق الانسان، ومنه اثارة الراي العام ضد الحكومة. اما في الثانية، أي حالة تواجد الأحزاب في السلطة، فهي تحاول التقليل من الأخطاء التي تقلل من شعبية الحزب الحاكم لدى الراي العام. من خلال مراقبة ومحاسبة أعضائه المشتركين في السلطة، وهذا ما يؤدي الى انشاء عامل ردع داخل الحزب يمنعهم من التعسف او الاساء الى أي حرية او حق.

-2 منظمات المجتمع المدني : هي منظمات غير حكومية توجد في كل بلدان العالم وتختلف باختلاف نشاطه، وهي تلك التي تعني بحقوق الانسان، وهدفها هو حماية هذه الحقوق والدفاع عنها، من خلال تعميم ثقافة حقوق الانسان وحرياته. كما تكشف تجاوزات السلطات لهذه الحقوق. كما تقوم بالدفاع عن الافراد المضطهدين وتقديم دعاوي قضائية لهم.

-3 الراي العام : تتباين قوة الراي العام وحدود تأثيره في حماية الحريات وحقوق الانسان، تبعا لطبيعة النظام السياسي. ففاعليته تظهر بوضوح في المجتمعات الحرة التي تكون وسائل الاعلام فيها غير مملوكة من الدولة، ولا توجه من النخبة الحاكمة. وتشير هنا الى ان التطور الهائل في وسائل الاعلام اليوم ساعد في نمو الراي العام في مجتمعات النظم الديكتاتورية المتسلطة، وأصبح من السهل الاطلاع على انتهاكات نلك الدول للحريات والحقوق ومعانة الشعوب فيها.

 


Last modified: Wednesday, 7 January 2026, 3:54 PM