المحور الثالث: الحريات والحقوق السياسية في النظم الدولية

المحور الثالث: الحريات والحقوق السياسية في النظم الدولية

I - ميثاق الأمم المتحدة

                 II - الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

                 III- العهدان الدولية لحقوق الإنسان

تمهيد: نحدث عن دور منظمة الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان

إن دور منظمة الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان متنوع ، يجمع بين وضع المعايير الدولية، ورقابة الالتزام، والتدخل الميداني عند الضرورة. ورغم التحديات المتعلقة بالتسييس وضعف التزام بعض الدول، تبقى الأمم المتحدة الإطار الدولي الأهم لتعزيز الكرامة الإنسانية وضمان احترام حقوق الإنسان على المستوى العالمي.

تعد حماية حقوق الإنسان إحدى أهم الغايات التي تأسست من أجلها منظمة الأمم المتحدة سنة 1945، خاصة بعد ما شهدته البشرية من انتهاكات جسيمة خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نص ميثاق الأمم المتحدة صراحة على تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية دون تمييز، لتصبح المنظمة منذ ذلك الحين الإطار الدولي الرئيسي الذي يعمل على حماية الكرامة الإنسانية.

1. الإطار القانوني الدولي لحماية حقوق الإنسان تعتمد الأمم المتحدة على منظومة واسعة من القواعد والمعايير، أهمها:

  • ميثاق الأمم المتحدة (1945): وضع المبادئ العامة لحماية حقوق الإنسان.
  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): أول وثيقة دولية شاملة تُبيّن حقوق الإنسان الأساسية.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966).
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966).
    وتعرف هذه الوثائق بـ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

2. أجهزة الأمم المتحدة ودورها في حماية حقوق الإنسان

أ. مجلس حقوق الإنسان: أنشئ سنة 2006 بديلا للجنة حقوق الإنسان، حيث يقوم بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان عبر:

1-آلية الاستعراض الدوري الشامل UPR، التي تقييم وضع حقوق الإنسان في كل دولة كل 4-5 سنوات.

2-التحقيق في الانتهاكات من خلال لجان تقصي الحقائق.

3-تعيين المقررين الخاصين لمتابعة قضايا محددة (التعذيب، حرية التعبير…).

ب. المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)تعد الجهاز التنفيذي الرئيسي في مجال حقوق الإنسان.

  • تقوم بـ: 1-مراقبة احترام الدول للاتفاقيات الدولية. 2-تقديم الدعم التقني والقانوني.3نشر الوعي وتدريب الحكومات والمؤسسات.

ج. الجمعية العامة ومجلس الأمن

*-الجمعية العامة تعتمد قرارات وتوصيات دولية حول حماية الحقوق.

*-مجلس الأمن يتدخل عندما تشكل الانتهاكات تهديدا للسلم والأمن الدوليين (كما في جرائم الإبادة الجماعية).

3. آليات الأمم المتحدة لحماية حقوق الإنسان

أ. الآليات التعاقدية (Treaty Bodies) وهي لجان خبراء تراقب تنفيذ الدول للاتفاقيات الدولية، مثل:

1-لجنة حقوق الإنسان.2- لجنة مناهضة التعذيب. 3-لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة.
وتستقبل تقارير دورية من الدول وشكاوى فردية في بعض الاتفاقيات.

ب. الآليات غير التعاقدية

تشمل الإجراءات الخاصة للمقررين المستقلين، الذين يقومون بزيارات ميدانية، وإعداد تقارير عن الانتهاكات.

4. الدور الميداني للأمم المتحدة :تملك الأمم المتحدة وجودا فعليا في الميدان من خلال:

  • بعثات حفظ السلام التي توفر الأمن وتساعد في حماية المدنيين.
  • مكاتب الأمم المتحدة المحلية التي تقدم الدعم القانوني والإنساني.
  • مراقبة الانتخابات والمرحلة الانتقالية في الدول الخارجة من النزاعات.

I  - ميثاق الأمم المتحدة يعتبر ميثاق الأمم المتحدة (1945) أول وثيقة دولية تقرر بشكل صريح مسؤولية المجتمع الدولي عن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وقد جاء الميثاق كرد على انتهاكات الحرب العالمية الثانية، ليجعل احترام كرامة الإنسان أحد الأهداف المركزية لمنظمة الأمم المتحدة.

1. الأساس القانوني لحماية حقوق الإنسان في الميثاق تضمن عدة مواد تؤكد على التزام الأعضاء احترام حقوق الإنسان، أهمها:

  • المادة 1ف3: تهدف الأمم المتحدة إلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع دون تمييز.
  • المادة 55: تدعو إلى تحقيق مستوى أعلى من معيشة الشعوب واحترام حقوق الإنسان.
  • المادة 56: تُلزم الدول الأعضاء بالتعاون مع الأمم المتحدة لتحقيق هذه الأهداف.

هذه المواد جعلت حقوق الإنسان جزءا أصيلا من النظام الدولي الجديد.

2. دور الميثاق في إنشاء مؤسسات حماية حقوق الإنسان :بفضله تم إنشاء أجهزة مهمتها حماية الحقوق، مثل:

  • الجمعية العامة: تصدر قرارات وتوصيات عن حقوق الإنسان.
  • المجلس الاقتصادي والاجتماعي ECOSOC: يشرف على اللجان المختصة بحقوق الإنسان.
  • إنشاء لجنة حقوق الإنسان (1946) ثم مجلس حقوق الإنسان (2006).

كما أدى الميثاق إلى إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، الذي يعتبر تفصيلا للمواد العامة الواردة في الميثاق.

3. تعزيز التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان الميثاق فرض على الدول:

  • التعاون مع الأمم المتحدة لمحاربة التمييز والعنصرية.
  • تطوير التعليم والتثقيف في مجال حقوق الإنسان.
  • تقديم تقارير وبيانات حول أوضاع حقوق الإنسان.
  • وهذا خلق ثقافة قانونية دولية تقوم على احترام الشخص البشري.

4. حماية السلم الدولي كشرط لحماية حقوق الإنسان الميثاق ربط بين : حفظ السلم والأمن الدولي وحماية حقوق الإنسان. لان انتهاكات الحقوق قد تشكل تهديدا للسلم، وبالتالي يحق لمجلس الأمن التدخل في حالات خطيرة مثل الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية. حيث وضع ميثاق الأمم المتحدة الأساس القانوني والأخلاقي لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية على المستوى العالمي. وهذا من خلال مواده الواضحة، وإنشائه لأجهزة متخصصة، وإرساء التعاون الدولي، أصبح الميثاق نقطة التحول التي نقلت حقوق الإنسان من مجرد قيم أخلاقية إلى قواعد قانونية دولية ملزمة.

II- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :

يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حجر الأساس لمنظومة حقوق الإنسان الدولية، فهو وثيقة تاريخية أرست مبادئ الكرامة والعدالة والمساواة، وما يزال إلى اليوم مرجعا أساسيا للدول والشعوب في سعيها نحو حماية حقوق الإنسان وترسيخ دولة القانون.

فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، يعد أول وثيقة دولية شاملة تجسد المبادئ الأساسية للكرامة الإنسانية. وجاء هذا الإعلان بعد فظائع الحرب العالمية الثانية ليضع معايير موحدة تلزم الدول باحترام حقوق الإنسان دون أي تمييز.

1. تعريف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو وثيقة دولية تتكون من ديباجة و30 مادة، تحدّد الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان. ورغم أنه ليس معاهدة ملزمة قانونيًا، إلا أنه أصبح مرجعا عالميا للقوانين الدستورية والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية.

2. ظروف نشأته جاء الإعلان نتيجة : الانتهاكات الكبيرة لكرامة الإنسان خلال الحرب العالمية الثانية. ورغبة المجتمع الدولي في وضع معايير واضحة لحماية الحقوق. وهذا بعد تأسيس الأمم المتحدة سنة 1945 التي جعلت حماية حقوق الإنسان هدفا رئيسيا.

3. مضمون الإعلان : الحقوق الأساسية التي يقرّها : يقسم الإعلان الحقوق إلى ثلاثة مجالات رئيسية :

أ. الحقوق المدنية :1-الحق في الحياة والأمن. 2-المساواة أمام القانون.3-حرية التنقل. 4-حرمة المسكن والحياة الخاصة. 5-حرية الرأي والتعبير.

ب. الحقوق السياسية:1-المشاركة في إدارة الشؤون العامة.2-الحق في الانتخابات الحرة.3-حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات.

ج. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1-الحق في العمل والأجر العادل.2-الضمان الاجتماعي.3-التعليم.

4-الصحة.5-الحق في الراحة والإجازة.6-حق كل فرد في مستوى معيشي لائق.

4. مكانته القانونية وتأثيره رغم أن الإعلان غير ملزم، إلا أنه اكتسب قيمة قانونية كبيرة لأنه:

  • أصبح جزءًا من القانون الدولي العرفي.
  • كان الأساس لاعتماد العهدين الدوليين لسنة 1966.
  • أثّر في دساتير وتشريعات العديد من الدول.
  • يُستَخدم كمرجع أمام المحاكم والمنظمات الدولية.

   III - العهدان الدولية لحقوق الإنسان

يشكل العهدان الدوليان خطوة أساسية في بناء نظام دولي متكامل لحماية حقوق الإنسان، إذ حولا المبادئ العامة إلى التزامات قانونية، وأنشآ آليات رقابية تلزم الدول باحترام الحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبذلك أصبحا ركيزة رئيسية للشرعة الدولية ولجهود الأمم المتحدة في نشر ثقافة حقوق الإنسان عالميا.

بعد اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، أدرك المجتمع الدولي الحاجة إلى وثائق قانونية ملزمة تحول المبادئ العامة إلى التزامات قانونية. وهكذا وقع سنة 1966 العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" و"العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، واللذان شكلا مع الإعلان العالمي ما يسمى بـ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. وتعتبر هذه العهود من أهم الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان وتعزيز كرامة الفرد.

1. تعريف العهدين الدوليين : العهدان هما :

1.    العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)
يهتم بالحقوق التي تتطلب حماية فورية من الدولة، مثل الحق في الحياة، حرية التعبير، المحاكمة العادلة

2.    العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)
يضمن حقوقًا تُحقّق تدريجيًا، مثل الحق في العمل، التعليم، الصحة، الضمان الاجتماعي

ودخول العهدين حيز التنفيذ كان سنة 1976 بعد مصادقة عدد كاف من الدول.

2. مضمون العهدين : الحقوق التي يحمِيانها

أ. الحقوق المدنية والسياسية (العهد الأول) يتضمن:1-الحق في الحياة وعدم التعرض للتعذيب. 2-حرية الفكر والضمير والدين.3-حرية التعبير والإعلام.4-الحق في المشاركة السياسية والانتخاب.5-المساواة أمام القانون والمحاكمة العادلة.6-حرية التنقل والجنسية.7-حماية الأقليات.

هذه الحقوق تعتبر أساسية وفورية، وعلى الدول احترامها فورا دون تأخير.

ب. الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (العهد الثاني) يشمل:

  • الحق في العمل وظروف عمل عادلة.
  • الحق في تكوين النقابات.
  • الحق في الضمان الاجتماعي.
  • الحق في مستوى معيشي لائق.
  • الحق في الصحة.
  • الحق في التعليم.
  • حقوق الثقافة والمشاركة في الحياة الثقافية.

وتطبق تدريجيًا حسب قدرات الدولة، ولكنها ليست اختيارية

3. دور العهدين في حماية حقوق الإنسان

أ. تحويل المبادئ إلى التزامات قانونية بخلاف الإعلان العالمي (غير الملزم)، تُعدّ العهود:

  • اتفاقيات دولية ملزمة قانونيا للدول المصدقة.
  • تجبر الدول على تعديل قوانينها وسياساتها بما يتوافق مع حقوق الإنسان.

ب. إنشاء آليات رقابية دولية :كل عهد أنشأ لجنة خبراء دوليين مستقلة:

  • لجنة حقوق الإنسان للعهد المدني والسياسي.
  • لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.مهامها:1-مراقبة تنفيذ الدول للعهود./2-دراسة التقارير الدورية التي تقدمها الدول./3-إصدار توصيات لتحسين وضع حقوق الإنسان.
  • في بعض الحالات: تلقي شكاوى فردية ضد الدول.

ج. تعزيز الشفافية والمساءلة العهود تجبر الدول على: 1*تقديم تقارير عن واقع الحقوق في بلدانها/.2*السماح بمراقبة المجتمع الدولي./3*تغيير القوانين التي تنتهك الحقوق الأساسية.

د. دعم الحركات الحقوقية والمجتمع المدني تستخدم العهود كأدوات: 1*للتوعية بحقوق الإنسان./2*للضغط من أجل الإصلاح./3* لتوثيق الانتهاكات أمام الهيئات الدولية.

 خاتمة  أستطاعت هذه المواثيق في أن تفرض نفسها كمرجعية أساسية لإقرار حقوق الانسان الحريات العامة و دسترتها في العديد من دول العالم في القرن 19 و 20 بالإضافة لمساهمتها في تدويل منظومة الحقوق و الحريات .

 حيث إصدار منظمة الامم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948 و قد تم اغناء هذه الوثيقة بوثيقتي العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية و العهد الدولي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية وكلاهما سنة 1966 و تشكل الوثائق المذكورة هرم القانون الدولي لحقوق الانسان كما تمثل المرجعية القانونية و الروحية العليا للمواثيق الدولية و الاقليمية لحقوق الانسان و الحريات العامة ذات الالتزام القانوني ، بالإضافة إلى الاعتراف بمبادئها في جل الدساتير الوطنية عبر العالم .

*******************


Modifié le: mercredi 7 janvier 2026, 15:51