المحاضرة رقم 09: علم العلاقات الدولية: جدلية الاستقلالية

تمهيد:

نشأ حقل العلاقات الدولية، كما سبقت الإشارة إليه، عقب الحرب العالمية الأولى، ضمن محاولات البحث عن بدائل لسياسات القوة، التي سادت كآلية لإدارة السياسة الخارجية للدول. وقد عرف في مسار تأسيسه وتطوره، سيطرة المناهج التقليدية -الفلسفية-، وهو ما جعل الباحثين المعتمدين على هذه المناهج، يواجهون إشكاليات معرفية، ناتجة عن العجز في تفسير الظواهر ككل، اعتماداً على نفس المسلمات. ونتيجةً لذلك فقد فتحت السلوكية المجال أمام العديد من التحولات المنهجية، التي استهدفت إضفاء الطابع العلمي على الدراسات الدولية، وبعلاقة متعدية تقليص تأثير المناهج التقليدية، والتوصل في نهاية المطاف إلى تفسيرات مقبولة للسلوك الدولي.

 ولتحقيق هذا الهدف، كان على حقل العلاقات الدولية، أن يتفاعل مع غيره من المجالات العلمية والمعرفية، من أجل استغلال مخرجاتها في تفسير الظواهر الدولية، واكتساب القدرة على استشراف تحولاتها المحتملة أو الممكنة. وقد أصبح هذا منتشراً بشكل واضح، في مختلف الدراسات الدولية، بتأثير من تصورات السلوكيين، حول مناهج الدراسة المعتمدة من طرف التقليديين. وهو ما فتح المجال أمام تفاعل دراسات العلاقات الدولية، مع الدراسات المجراة في مجالات معرفية أخرى، يُمكن أن تجمعها علاقة بحقل العلاقات الدولية من حيث الموضوع والمناهج. فتوسيع مجال اهتمام الدراسات الدولية، إلى ظواهر جديدة غير سياسات القوة، مثل تأثير العوامل الاقتصادية، الجغرافية والسكانية...إلخ، جعل من الحتمي احتكاك/تفاعل علم العلاقات الدولية،مع الحقول المعرفية التي تدرس المواضيع الجديدة، مثل علم الاقتصاد، علم التاريخ...إلخ.

أولاً: علم العلاقات الدولية وعلم السياسة:

   يسود الإجماع في أوساط الباحثين، بأن حقل العلاقات الدولية، قد نشأ في البداية ضمن علم السياسة، باعتباره حقلاً معرفياً أكبر، وأكثر استقراراً من الناحية الإبستمولوجية. غير أن الجدل قد تمحور بالمقابل حول ما إذا كان حقل العلاقات الدولية، سيُنظر إليه باعتباره حقلاً فرعيا Subfields، أو حقلاً ضمن العلوم الاجتماعية، ومستقل بشكل كلي عن علم السياسة. وفي هذا السياق يعتبر فريق من الباحثين، أن حقل العلاقات الدولية، بغض النظر عن كونه قد نشأ فعلاً ضمن الدراسات السياسية، إلا أنه انتهى إلى تحقيق الاستقلالية عن علم السياسة. وهو ما ينعكس من خلال النقاشات النظرية الأساسية، بشكل خاص تلك التي دارت بين التقليديين والسلوكيين، والتي استهدفت التوصل إلى مناهج بحثية مستقلة عن علم السياسة. أي أن هذه النقاشات كانت بغرض تأكيد الاستقلالية، التي أصبح يتمتع بها حقل العلاقات الدولية منهجياً، وبالتالي تأكيد اعتباره مجالاً علمياً، مستقلاً من حيث المواضيع، المناهج وأدوات البحث.

يعتقد اتجاه آخر في المقابل، أن حقل العلاقات الدولية وإن كان مجالاً معرفياً، بمواضيع ومناهج خاصة به، إلا أنه يبقى حقلاً فرعياً لعلم السياسة، ويسود هذا الاعتقاد لدى مجموعة من الباحثين، على رأسهم أول ويفر O. Wæver. ويعتبر هذا الأخير أن هذا الحقل، قد نشأ وتطور ضمن مجال علم السياسة، وقد حاول البرهنة على ذلك من خلال تتبع مسارات تشكيل مجال العلاقات الدولية، في كل من الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا والمملكة المتحدة. ويُشير ويفر إلى الخصوصية الأمريكية، التي تعتبر أن حقل العلاقات الدولية، حقلاً فرعياً من علم السياسة، على النقيض من الوضع في أوروبا الغربية، حيث سادت الرغبة في اعتبار العلاقات الدولية، حقلاً أكاديمياً مستقلاً، يقف على قدم المساواة مع العلوم الأخرى.

وبغض النظر عن هذا الجدل المستمر، يُمكن اعتبار أن نشأة علم العلاقات الدولية، ضمن نطاق علم السياسة، بمثابة الحقيقة الثابتة لدى الاتجاهين. غير أن هذا الحقل في المقابل، وسواءً بقي مجالاً فرعياً ضمن علم السياسة أم لا، فقد توصل إلى تكوين منظومة معرفية ومنهجية مستقلة إلى درجة كبيرة، عن تلك المعتمدة في مجال الدراسات السياسية. ويبقى الارتباط الوثيق بين هذين الحقلين، واضحاً من خلال اعتماد الباحثين في مجال العلاقات الدولية، على بعض المناهج المعتمدة في حقل علم السياسة، إضافةً إلى استخدام مخرجات هذا الأخير، في محاولة فهم وتفسير الظواهر الدولية. فعلى سبيل المثال، يعتمد فهم دور الدولة في العلاقات الدولية، مسارات صنع واتخاذ قرارات السياسة الخارجية، وغيرها من المواضيع المطروحة ضمن الدراسات الدولية، يعتمد بشكل كبير على النتائج المتوصل إليها، في دراسات النظم السياسية ونظرية الدولة.  

ثانيًا: علم العلاقات الدولية وعلم الاقتصاد:

يهتم علم الاقتصاد كما هو معروف، بدراسة العمليات والأنشطة الاقتصادية، الهادفة إلى تحقيق الربح والتراكم المادي، مثل الاستثمار والإنتاج، التبادل التجاري، والأنشطة المندرجة ضمن قطاع الخدمات...إلخ. إضافةً الاهتمام بأثر السياسات والإجراءات السياسية والقانونية، على مختلف الأنشطة الاقتصادية، وقدرتها على تحقيق أهدافها الأساسية. أما من الناحية المفاهيمية، فيُعرّف علم الاقتصاد على أنه "علم اجتماعي...يهدف إلى دراسة العلاقات بين الحاجات المتعددة والموارد المحدودة، بقصد تحقيق أكبر قدر ممكن من إشباع الحاجات، عن طريق الاستخدام الكفء للموارد المتاحة، والعمل على إنمائها بأقصى الطرق الممكنة، وتنظيم العلاقات الاقتصادية، التي تنشأ بين أفراد المجتمع، وتتعلق بإنتاج وتبادل وتوزيع السلع والخدمات". فعلم الاقتصاد يدرس علاقة التناسب العكسي، بين حجم الموارد المتاحة في مقابل الحاجات المستهدف إشباعها، أو ما يُعرف ضمن أدبيات هذا الحقل باسم المشكلة الاقتصادية.

لا تندرج المشكلة الاقتصادية، ضمن جدول أعمال الدراسات الاقتصادية فحسب، بل تُشكل موضوعاً أساسياً لعلم العلاقات الدولية، والمنطقة الرمادية الفاصلة بين الحقلين، المعروفة باسم الاقتصاد السياسي الدولي. فضمان توفر الموارد الاقتصادية، الموارد تُشكل هدفاً أساسياً للسياسات الخارجية الوطنية، وبذلك فهو موضوعٌ أساسي لعلم العلاقات الدولية. كما أن التوصل إلى تحليل وتفسير السلوكات الدولية، لمختلف الفواعل الدولاتيين وغير الدولاتيين، يمر عبر استكشاف الأبعاد، الأسباب والمخرجات الاقتصادية لهذا السلوك. وتسمح النتائج المتوصل إليها، على مستوى الدراسات الاقتصادية، بدعم تفسيرات علم العلاقات الدولية، للتفاعلات القائمة بين مختلف الفواعل. لذلك تعتبر العوامل الاقتصادية، من أبرز المؤثرات على العلاقات والتفاعلات الدولية، وهذا ما يُشكل فضاءاً مشتركاً بين علمي الاقتصاد والعلاقات الدولية.

جاءت تأثيرات علم الاقتصاد إلى حقل العلاقات الدولية، كإحدى نتائج النقاش المنهجي بين السلوكيين والتقليديين، بفتح آفاق جديدة أمام الدراسات الدولية. فالاستناد إلى مؤشرات ومعطيات اقتصادية، وتكميم الظواهر الدولية، يُمكن الباحثين -حسب الاعتقاد السائد حينها-، من اكتساب القدرة على مراقبة مواضيع الدراسة، والقدرة بعلاقة متعدية على التنبؤ بتطورها. فالوضع الاقتصادي لدولة ما، يُمكن أن يمنح صورة تقريبية على مدى توفر الأدوات لتجسيد أهداف سياستها الخارجية، وكذلك قدرتها على واجهة التحديات الأمنية، أو التأثير على سلوك الفاعلين الآخرين. ويندرج ضمن هذا المعنى، ميزانية الأمن والدفاع الوطنيين، وكذلك برامج تمويل المساعدات الخارجية، والاستثمارات الخارجية المباشرة.

تشكل المعطيات الاقتصادية المختلفة، مؤشراً دالاً على التغيرات التي يُمكن أن تطرأ على سلوك الفواعل، كما تقترح أبعاداً إضافية تُساعد على توضيح مفاهيم القوة، الاعتماد المتبادل...إلخ. إضافةً إلى ذلك فقد ساهمت الاستعانة بعلم الاقتصادي، في تنويع مواضيع حقل العلاقات الدولية، والذي امتد ليشمل قضايا التنمية، التكامل الاقتصادي، وكذلك التطرق لأبعاد جديدة في العلاقات بين الدول، فبعدما اقتصرت الدراسة منذ تأسيس هذا الحقل، على العلاقات بين القوى الأساسية في النظام الدولي، زاد الاهتمام بالعلاقات الدولية من منظور أكثر شمولاً، من خلال توسيع دائرة الاهتمام نحو التفاعلات بين الدول المتقدمة والمتخلفة اقتصادياً، أو بتعبير آخر العلاقات بين المركز والأطراف. لذلك فقد استدعى هذا التحول، اللجوء إلى أطر نظرية جديدة في هذا الحقل، تأسست بتأثير من طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية، وتجسد ذلك من خلال نظرية التبعية.  

ثالثًا: علم العلاقات الدولية وعلم الاجتماع:

إن علم الاجتماع معني بدراسة الحياة الاجتماعية، والجماعات والمجتمعات الإنسانية، إنه مشروع مذهل وشديد التعقيد، لأن موضوعه الأساسي هو سلوكنا ككائنات اجتماعية. ومن هنا فإن نطاق الدراسة الاجتماعية يتسم بالاتساع البالغ، ويتراوح بين اللقاءات العابرة بين الأفراد في الشارع من جهة، واستقصاء العمليات الاجتماعية العالمية من جهة أخرى. فهذا الحقل الاجتماعي يهتم انطلاقاً من ذلك، بدراسة الإنسان ككائن اجتماعي، ضمن بيئته الاجتماعية بمختلف أبعادها الداخلية والعالمية. وهذه الأخيرة -أي البيئة العالمية- هي ما يُشكل حلقة الوصل، ضمن علاقة علم الاجتماع بحقل العلاقات الدولية، وبذلك فإن الظاهرة الدولية كموضوع مشترك، لا تعدو أن تكون ظاهرة اجتماعية ذات نطاق دولي/عالمي.

تحولت ظواهر العلاقات الدولية، إلى أحد مخرجات التفاعلات الاجتماعية، على المستويين الداخلي والخارجي، وبالتالي فقد اتخذت خصائص الظاهرة الاجتماعية. ويعتقد مارسيل ميرلM. Merle  -في هذا الصدد- أن "ولوج علام العلاقات الدولية من باب علم الاجتماع، يُمكن أن يُلقي بأضواء جديدة على طبيعة هذه العلاقات، ويُبرز جانباً من سماتها، التي يُمكن أن تكون غابت عن نظر المتخصصين الآخرين. ولا نستطيع حقيقةً أن نفهم لماذا يتعين على العلم الذي يُعالج قضايا المجتمع، أن يتوقف عند حدود الدول، ويُحرم على نفسه اجتياز تلك الحدود، في محاولة لفهم العلاقات الاجتماعية، التي تدور على مستوى الكون".

وعليه فقد تحولت الظواهر الدولية وفق هذا التصور، إلى ظواهر اجتماعية دولية، تتطلب معالجة اجتماعية قد توفرها بدرجة ما، المقاربات العلمية التي يُفرها علم الاجتماع. ونتيجةً لذلك فقد اندرجت الكثير من الدراسات الدولية، تحت مسمى سوسيولوجيا العلاقات الدولية، والذي يُمكن اعتباره -بتحفظ- علم اجتماع للعلاقات الدولية، أو بتعبير آخر علم اجتماع دولي. ويُعبر تصور مارسيل ميرل للعلاقة بين علمي الاجتماع والعلاقات الدولية، عن إحدى الحجج النقاش النظري، بين السلوكيين والتقليديين، حول الفوائد المحتملة لتوسيع آفاق علم العلاقات الدولية، نحو متغيرات وظواهر جديدة.    

ساهم علم الاجتماع انطلاقاً مما سبق، في فتح آفاق جديدة في دراسة العلاقات الدولية، خارج النطاق الضيق للاتجاهات التقليدية. فمن جهة لم تعد عمليات تفسير الظواهر الدولية، متمحورة فحسب حول الحرب والسلام، حيث أضفت الدراسات الاجتماعية الدولية، مزيداً من التنوع على قائمة المتغيرات، التي من شأنها التأثير على التفاعلات الدولية. ويندرج ضمن هذه العوامل، بنية المجتمعات والعلاقات الاجتماعية، إضافةً إلى الأفكار، الثقافات وكذلك الهويات القومية والدينية. إضافةً إلى ذلك، فإن هيكل العلاقات الدولية، انتقل من فكرة النظام الدولي، القائم على أسس وأبعاد مؤسساتية وظيفية، إلى فكرة المجتمع العالمي، المكون من تفاعلات اجتماعية دولية، ناتجة عن تفاعل لاعبين من طبيعة، أهداف مختلفة، كما تعتمد أساليب وميكانيزمات متباينة لتحقيق الأهداف.   

رابعاً: علم العلاقات الدولية وعلم التاريخ:

يُعتبر علم التاريخ أحد فروع المعرفة الاجتماعية، يهتم برصد وتحليل الأحداث الماضية، بغرض فهم أسبابها ونتائجها، ومدى تأثيرها على الحاضر وكذلك المستقبل. ويُعرف من وجهة نظر المتخصصين في هذا الحقل، بشكل موسع على أنه "نتاج لتراكم الفعل الإنساني على مر الزمن، وهدف الدراسات التاريخية الحديثة ينصب على تحليل هذا التراكم ومكوناته، سعياً إلى فهم الحاضر واستشراف آفاق المستقبل". فالكثير من الوقائع والأوضاع الراهنة، تمتد جذورها الماضية إلى فترات تاريخية سابقة، ما يعني أنه لا يُمكن فهم هذه الأوضاع، دون إدراك خلفياتها التاريخية. وهو أساس الارتباط بين علمي التاريخ والعلاقات الدولية.

تساعد الدراسات التاريخية -انطلاقاً من ذلك-، الباحثين في مجال العلاقات الدولية، على فهم أنماط السلوك الدولي، المتضمن في مختلف الظواهر المدروسة، بشكل خاص توجهات الدول نحو خيارات الحرب والسلام. حيث يُمكن أن تتكرس هذه الخيارات، ضمن تاريخها الوطني، من خلال تكرار أنماط ردود فعلها تجاه المواقف الدولية، وبالتالي إمكانية التنبؤ برد فعل الدولة، في حال تكرار مواقف مشابهة. فلجوء الولايات المتحدة الأمريكية، إلى استخدام القوة العسكرية في سياستها الخارجية، بعد "هجمات" 11 سبتمبر 2001، يُشبه إلى حد كبير نمط رد الفعل بعد تعرضها لهجمات بيرل هاربر سنة 1941. أو حتى إمكانية فهم توجه بريطانيا نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي Brexit سنة 2015، من خلال تتبع موقفها من مسارات التكامل والاندماج الأوروبي عند انطلاقه سنة 1955، وبعد انضمامها إليه سنة 1971.  

أنتج التداخل بين علمي التاريخ والعلاقات الدولية، نمطاً هجيناً يُعرف باسم تاريخ العلاقات الدولية History of international relations، والذي وإن اعتمد على الدراسة التاريخية، للظواهر والأحداث الدولية، فإنه يستهدف تحقيق نتائج أبعد من مجرد التدوين التاريخي. فهذا المجال الفرعي يهتم بدراسة تاريخ السياسات والسلوكات الدولية، وتطور أساليب إدارة المواضيع والمواقف الدولية، وهو في هذا المجال يتقاطع مع علم التاريخ. فهذا الأخير يهتم بالوقائع التاريخية، باعتبارها حالات منفردة من حيث أسبابها ونتائجها، رغم إمكانية التشابه بينها بدرجات متفاوتة. فالثورتين والفيتنامية (1946-1954) والجزائرية (1954-1962)، تبدوان متشابهتين بدرجة ما، من حيث الأسباب، النتائج وحتى أساليب القتال الثوري، غير أنهما تبقيان منفصلتين من حيث الظروف الخاصة بكل منهما.

أما فيما يخص تاريخ العلاقات الدولية، فإن اهتمامه بدراسة الأحداث والمواقف الدولية، فيرجع إلى الاهتمام بمحاولة تحديد الأحداث المتكررة، كأنماط سلوكية محددة. فإذا كانت الثورة في فيتنام والجزائر، حدثين تاريخيين فريدين، إلا أنهما شكلا نمطاً متكرراً في العلاقات الدولية، بأسباب ونتائج متكررة. فتكرار حالات الاستعمار في كل من آسيا وإفريقيا، جعل الثورة رد الفعل المتكرر على هذه الظاهرة، وهو ما يجعل منها بشكل عام، أحد أنماط سلوك الدول الصغيرة، في مواجهة الدول المهيمنة. وينسحب ذلك بدرجات متفاوتة، على مختلف أنماط السلوك الدولي الأخرى، مثل التعاون، النزاع، التحالف...إلخ، حيث تتكرر أنماط استجابة الفواعل وخياراتهم، رغم اختلاف الأوضاع والمواقف الدولية، أو حتى ظروف الزمان والمكان.

يرتبط التداخل بين المجالين المعرفيين كذلك، بمسارات بناء النظرية في العلاقات الدولية، والتي تعتمد بشكل أساسي بمخرجات الدراسات التاريخية، سواءً في إطار علم التاريخ العام، أو في إطار دراسات تاريخ العلاقات الدولية. ومن هذا المنطلق يفترض رواد نظرية العلاقات الدولية أنه "سواءً كان التاريخ خلفية سياسية أو مختبرًا سلوكيًا، فهو لا ينفصل أبدًا عن النظريات والبحوث الدولية. عندما تُبنى النظرية من القاعدة إلى القمة، يُشكّل التاريخ حجر الأساس. أما عندما تُبنى النظرية من القمة إلى القاعدة، فيُستخدم التاريخ لاختبار المفاهيم النظرية أو دحضها". أي أن علم التاريخ، يُشكل آلية "تجريبية/أمبريقية" تُساهم في الوقت ذاته، في بناء النظرية وكذلك التأكد من مصداقية افتراضاتها الأساسية. علماً أن المقصود بوصف تجريبية، لا يُفضي إلى درجة اليقين، التي تتميز بها العلوم التجريبية، لكنه مع ذلك يتجاوز الافتراضات المجردة، المسلم بصحتها. غير أن اللجوء إلى هذه الآلية، لا يكون من خلال عمليات انتقائية، على غرار استشهاد التاريخي الذي مارسته الاتجاهات التقليدية (الواقعية الكلاسيكية والمثالية). بل يتطلب اعتماد مناهج علمية، تجعل من التاريخ مساراً مرتبطاً من الأحداث، بما يُمكِّن الباحثين من خلاله، من تأكيد أو نفي الافتراضات النظرية، حول نشأة الظواهر الدولية، ومساراتها المستقبلية المحتملة.

خامساً: علم العلاقات الدولية وعلم النفس:

يُعرف علم النفس Psychology، على أنه "الدراسة العلمية للسلوك والعمليات العقلية Behavior and mental processes". فهذا المجال المعرفي لا يعتمد فقط على تقديم افتراضات مسبقة، أو في أحسن الحالات الملاحظة العامة، لشرح السلوك والعمليات العقلية الإنسانية. بل يستند إلى معرفة علمية، ذات مناهج ووسائل عمل معترف بها، تُفضي إلى نتائج منسجمة مع المناهج والشروط العلمية المعتمدة. وهو ما يُتيح الإمكانية لفهمٍ أعمق للأفعال وردود الفعل الإنسانية، سواءً كان ذلك على المستوى الفردي، أو في إطار التفاعلات الاجتماعية الأكثر تعقيداً، وبدرجة ما القدرة تحديد أنماط السلوك الإنساني، وبعلاقة متعدية إمكانية التنبؤ بردود الفعل المحتملة، خلال مواقف نفسية أو اجتماعية متوقعة.

وقد ورد في التصور السابق حول ماهية علم النفس، أن هذا الأخير يهتم بشكل أساسي بالسلوك Behavior، والعمليات العقلية Mental processes. ويُعرّف الأول -أي السلوك- على أنه كل ما يصدر عن الإنسان، من أقوال وأفعال يُمكن ملاحظتها بشكل مباشر، كالكتبة، القراءة، قيادة السيارة، الصراخ والرسم وغيرها. بينما تُعرف العمليات العقلية على أنها الأفكار Thoughts...والمشاعر Feelings، والدوافع Motives، اتي نختبرها بصورة ذاتية، ولا يُمكن ملاحظتها بشكل مباشر. ويتجسد ذلك من خلال مجوعة من المواضيع، التي يهتم بها علم النفس بشكل عام، والتي يُمكن فهمها من خلال تحليل المفهومين السابقين. حيث أن الكثير من علماء النفس، أو حتى المحليين النفسيين، يفترضون أن ملاحظة السلوك، تُشكِّل إحدى وسائل التعرف على العمليات العقلية، بتعبير آخر المشاعر، الأفكار أو حتى الدوافع.  

نشأت العلاقة بين علم النفس وعلم العلاقات الدولية، في إطار علاقة أشمل ربطت علم لنفس بعلم السياسة، باعتبار أن علم العلاقات الدولية، نشأ في البداية ضمن نطاق الدراسات السياسية. فقد توجهت بعض الجامعات، إلى التأسيس لمسارات دراسية، وحتى تخصصات أكاديمية، تحت عنوان علم النفس السياسي Political Psychology. والذي يُعرّف على أنه "العلم الذي يدرس التفاعل بين السياسة وعلم النفس، وخصوصًا تأثير علم النفس في السياسة...ويُمكن تصور علم النفس السياسي بكل بساطة، كجسر بين علمين". وتمثل هذا الجسر في إدراج مفهوم الدوافع، في تحليل السلوك السياسي بشكل عام، والعلاقات الدولية بشكل محدد، كبديل عن الافتراضات المسبقة، أو المسلمات ذات الطبيعة الفلسفية، التي تأسست عليها الاتجاهات التقليدية.

سمح الارتباط بين لم العلاقات الدولية وعلم النفس، بتحويل السلوك السياسي الدولي، قابلاً للدراسة العلمية بشكل أكثر دقة، من خلال تحويله إلى سلوك إنساني. فالنظر لفترة زمنية طويلة، إلى الدولة بذاتها على أنها الفاعل في العلاقات الدولية، وأن هذه الأخيرة هي محصلة أفعال وردود أفعال الدول، لا يجيب عن السؤال الأساسي عن محركات سلوكها. وتعمق هذا الفشل في تفسير سلوك الدول، مع ظهور عدم كفاية البعد التفسيري، الذي مارسته مفاهيم مثل المصلحة الوطنية، القوة...إلخ. وفي مقابل ذلك، فقد أثارت المناهج السلوكية الانتباه، إلى الآثار الإيجابية المحتملة، لتركيز الاهتمام ليس على الدولة بذاتها، بل على أولئك الذين يتصرفون باسمها. ويتعلق الأمر بصانع القرار، أعضاء الوحدة القرارية، أعضاء الهيئات التنفيذية المكلفة بتنفيذ القرار، في إطار السياسة الخارجية الوطنية، وحتى السياسات الأمنية والدفاعية...إلخ. ويتطلب ذلك الإحاطة بدرجات مختلفة، بالجوانب السلوكية والنفسية الخاصة بصانع القرار، وقد يصل التحري إلى غاية البحث في مسارات تكوين شخصيته. وقد تم في هذا المجال إجراء العديد من الدراسات النفسية، على شخصيات سياسية مارست السلطة في فترات تاريخية مختلفة، لكن دون اللجوء إلى أساليب علم النفس الإكلينيكي/العيادي، بل من خلال دراسة السيرة الذاتية، أو التاريخ العائلي، أو الشهادات الموثقة...إلخ.

ضمن هذا السياق شكّلت الافتراضات، التي تم استخلاصها من المبادئ العامة لعلم النفس، وسيلةً إضافية لمحاولة فهم السلوك السياسي لصانع القرار. فقد اعتبر عالم النفس الأمريكي دافيد ماكليلاند D. McClelland (1917-1988)، أن نظرية الدافع Theory of motivation، تتعلق بكيفية بدأ السلوك How behavior gets started، وتنشيطه Is energized، واستدامته Is sustained، وتوجيهه Is directed، وإيقافه Is stopped، بعبارة أخرى فإن الدافع له علاقة بأسباب السلوك". وبإسقاط هذا المبدأ على مجال الدراسات السياسية، تنتفي العلاقة الآلية بين السلوك والعوامل أو الأسباب، التي عادةً ما تُشكل قوالب جاهزة للتفسير. فبدون معرفة الدافع وراء السلوك الإنساني، لا يُمكن التوصل إلى فهم وتفسير هذا الأخير، حيث لم يعد ممكناً الثقة بالتفسيرات الشمولية، المستندة على مبادئ فلسفية لا يُمكن التحقق من مصداقيتها

وينطبق ذلك بدرجات متفاوتة، على مختلف أوجه السلوك الإنساني، بدايةً من أبسط الأنشطة اليومية، إلى أكثر أوجه السلوك تعقيداً، والمرتبط بالمجال السياسي، وبشكل خاص على المستوى الخارجي. لذلك يُمكن انطلاقاً من هذا الافتراض، دراسة سلوك صانع القرار بنفس الوسائل النظرية، المعتمدة لدراسة السلوك الإنساني في إطار علم النفس. فكل السلوكات الإنسانية مرتبطة بواحد أو مجموعة من الدوافع، يؤدي فهمها بطريقة آلية إلى فهم السلوك، وامتلاك القدرة على التنبؤ بأنماط الفعل أو ردود الفعل، التي يُمكن أن تصدر عن صانع القرار. وهو ما يُجيب على التساؤلات المطروحة، حول بعض الخيارات التي يتخذها صانع القرار، دون مراعاة العوامل ومحركات السلوك، التي افترضتها النظريات التقليدية للعلاقات الدولية (الواقعية، اللبرالية...إلخ).

يظهر من خلال علاقة علم العلاقات الدولية، بالمجالات والحقول المعرفية الأخرى، أنه يتميز بخاصية تعددية نقاط التقاطع مع غيره من لمجالات، وذلك نتيجة للسعي إلى توفير الأدوات التحليلية، لفهم، تفسير والتنبؤ بالظواهر الدولية. فقد أثار السلوكيون الانتباه، إلى أن الظواهر والمواقف الدولية، عادةً ما تتضمن أبعاداً متعددة، حيث تشمل الجوانب السياسية، الاقتصادية، النفسية والاجتماعية. أي أن الاقتصار على الأطر المفاهيمية والنظرية السياسية، في دراسة هذه الظواهر سيُفضي إلى نتائج جزئية، عاجزة عن تفسير يتميز بالشمولية -نسبياً- للظواهر المدروسة. وقد نتج عن هذا الوضع جدلاً مستمراً، حول مدى تمتع علم العلاقات الدولية بالاستقلالية، التي تحافظ على خصوصية هذا العلم، بالمقارنة مع العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى.

 خـــــــــــاتمة:

يُمكن القول انطلاقاً مما سبق، أن التقاطعات الموجودة بين علم العلاقات الدولية، وغيره من الحقول المعرفية الأخرى، لا تُشكل حسب وجهة نظر العاملين في هذا الحقل، تقييداً لاستقلاليته، بل مصدراً للثراء المعرفي. فهذه العلاقة هي مصدر لدعم إمكانيات التوصل إلى نتائج، ذات خاصية علمية من جهة، وذات مصداقية من جهة ثانية، اعتماداً على نتائج أكثر استقراراً، توصلت إليها الحقول المعرفية الأخرى، اعتماداً على أساليب ومناهج علمية أكثر صلابة. كما أن ذلك فتح أمام الباحثين في مجال العلاقات الدولية، آفاقاً بحثية أوسع من المواضيع التقليدية، تُساعد على توضيح الأبعاد المتداخلة للظاهرة الدولية. 

Last modified: Saturday, 3 January 2026, 2:51 PM