المحاضرة رقم 07: العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية: المؤثرات غير المادية

تمهيـــــــــــد:

تخضع العلاقات الدولية حتماً لمجموعة من العوامل المادية، التي تتدخل بدرجات مختلفة ضمن سياقاتها المختلفة، في تحديد شكل التفاعلات الدولية، خلال المواقف والأحداث دولية، مثل العوامل الجغرافية، الاقتصادية...إلخ. وتساهم هذه العوامل حسب الحالات، في تشكيل المواقف الدولية، وتحديد المصالح، الأهداف والتوجهات الوطنية، التي تتمحور حولها التفاعلات الدولية. ويظهر ذلك من خلال تأثير هذه العوامل، على عملية رسم وصنع السياسات الخارجية الوطنية، إضافةً إلى تحديد استراتيجيات الفواعل الأخرى، مثل الشركات متعددة الجنسيات، أو مواقف المنظمات الدولية غير الحكومية، من القضايا الأساسية المطروحة، مثل الفقر، التنمية المستدامة (الاقتصاد، الجغرافيا)، والموقف من الأوضاع في حالات الحروب، أو الأسباب المؤدية إليها، مثل مسارات التسلح ونزع السلاح في العلاقات الدولية (العوامل العسكرية).

غير أن الملاحظ، أن العوامل المادية لا تمارس نفس التأثير، في تفاعلات العلاقات الدولية في كل المواقف، وهو ما يظهر حتى خلال المواقف الدولية المتشابهة. فرد فعل القوى الأساسية في النظام الدولي، على الحرب الروسية في أكرانيا، يختلف عن ردود الفعل من الحروب في منطقة البلقان أو الشرق الأوسط. فإذا كان تفسير ذلك، يربط بين هذه المواقف والمصالح، المخاطر والعلاقات المتضمنة فيها، فهذا يطرح التساؤل بدوره عن كيفية تحديد المصالح والمخاطر، المتضمنة في المواقف الدولية، والجهة المسؤولة عن ذلك. لذلك فقد توجهت العديد من التصورات، إلى افتراض تدخل مجموعة من العوامل غير المادية، تتفاعل مع بقية العوامل المؤثرة، بما يسمح بفهم تأثيراتها ودورها في تشكيلة الصورة العامة للتفاعلات الدولية. وعليه يتمحور التساؤل الأساسي في هذا الصدد في: ما هو الدور الفعلي الذي تُمارسه العوامل غير المادية كمُحدد لطبيعة العلاقات الدولية؟      

وسيتم ذلك، من خلال تحليل التأثير، الذي تُمارسه العوامل غير المادية المختلفة، والتي يُمكن حصرها في: العوامل الأيديولوجية، العوامل المجتمعية والشخصية الوطنية، العوامل المرتبطة ببيئة النظام الدولية.    

أولاً: العوامل/المحددات الأيديولوجية:

تعني الأيديولوجيا بشكل عام "نسق من الأفكار والمعتقدات والفلسفات والقيم التي يؤمن بها شعب معين أو جماعة إنسانية بحيث تحدد وتوجه سلوك المجتمع في الواقع العملي". فهذا النسق يوفر أنماطاً للفعل ولردود الفعل، من خلال توفير أدوات للتعرف على البيئة، كما هي وكما ينبغي لها أن تكون. لذلك فإن لكل دولة نسق فكري، لا يقتصر دوره على تحديد أهداف السياسة الخارجية، بل يشمل تحديد معالم النظام السياسي/الاجتماعي/الاقتصادي ككل. ويشمل ذلك المبادئ الأيديولوجية بمعناها التقليدي، يُضاف إليها التأويلات الفكرية والسياسية، للمبادئ الأخلاقية، والأفكار المستمدة من المعتقدات الدينية.  

يتجسد هذا المعنى من خلال توفير المنظار، الذي تنظر من خلاله الفواعل للمواقف الدولية التي تكون طرفاً فيها، أو تلك التي تمس بشك مباشر مصالحها، أو القضايا المرتبطة بها. وينطبق ذلك بشكل عام على مختلف فواعل العلاقات الدولية، ابتداءً من الدول، وصولاً إلى الحركات غير النظامية. كما تتدخل الأيديولوجيا في تشكيل تصورات الأفراد والجماعات، المنضوية في إطار المجتمع على المستويين الوطني والدولي، حول التفاعلات والقضايا الدولية الأساسية، المطروحة على ساحة العلاقات الدولية.

انطلاقاً من ذلك، فقد أسست الدول تصوراتها، وحددت مصالحها وتوجهاتها، أو بتعبير آخر سياساتها الخارجية بناء على صورة عامة للواقع الدولي، رسمتها من خلال المبادئ الفكرية والأيديولوجية التي تؤمن بها. فالاتحاد السوفياتي الذي تأسس على المبادئ الماركسية اللينينية، يعتبر أن العلاقات الدولية هي ساحة صدام بين الأطماع الرأسمالية، التي تُهدد الثورة البلشفية، والنموذج السوفياتي القائم على العدالة الاجتماعية، وإلغاء الاستغلال الطبقي...إلخ. لذلك فقد تبنى منذ البداية الانسحاب من الحرب العالمية الأولى سنة 1918، باعتبارها حرباً بين دول إمبريالية، كما تبنى مواقف قائمة على الشك والعدوانية تجاه الدول الرأسمالية (أمريكا وغرب أوروبا).

وينطبق ذلك على الدول العربية، انطلاقاً من فترة منتصف الخمسينات، التي تميزت بتصاعد المد التحرري والثوري، وكذلك موجة التغييرات السياسية، التي تم تسويقها على أنها حركة وطنية للتخلص من الاستعمار الغربي وعملائه. لذلك فقد توجهت هذه الدول في أغلبها إلى تني الأفكار القومية، الممزوجة ببعض المبادئ اليسارية الاشتراكية، التي حددت طبيعة علاقاتها الدولية، وسياساتها الخارجية بتعبير أدق. فقد توجهت الدول العربية في أغلبها إلى التكتل في إطار عدم الانحياز، مع إبداء نوع من التضامن مع قضايا العالم الثالث، إضافةً إلى ربط علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفياتي، باعتباره النقيض للسياسات الغربية الاستعمارية. وينطبق نفس المبدأ على الكثير من دول العالم الثالث، التي اختارت تبني مبادئ عدم الانحياز، مع التقارب مع الاتحاد السوفياتي، وتبني المنهج الاشتراكي على المستويات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية.

ظهر تأثير الأيديولوجيا كذلك، في حالة الحركات غير النظامية، ابتداءً بحركات التحرر الوطني التي انتشرت في مرحلة الخمسينات والستينات، وصولاً إلى الحركات المسلحة التي تبنت مبادئ فكرية مختلفة. فقد توجهات أغلب حركات التحرر الوطني، إلى تبني الأفكار الثورية اليسارية والماركسية، باعتبار هذه المبادئ أكثر ملاءمةً لمناهضة الفكر الكولونيالي. وقد انتقل تأثير هذه الأفكار إلى مرحلة ما بعد التحرر، حيث شكلت الأساس لمسارات البناء الوطني من جهة، ومحدداً للسياسة الخارجية من جهة ثانية. وفي هذا السياق، تبنت بعض الجماعات المسلحة في أوروبا الغربية، المبادئ الأيديولوجية اليسارية، كأساس للتغيير السياسي، من خلال أعمال العنف وحرب العصابات. ويتجسد ذلك من خلال مجموعة الألوية الحمراء Brigade Rouges في إيطاليا، ومجموعة بادر ماينهوف Baader-Meinhof في ألمانيا، والمعرفة كذلك بمجموعة الجيش الأحمر RAF، ومجموعة القوات المسلحة الثورية الكولومبية FARC.

وفي سياق مشابه، حظيت المعتقدات الدينية باهتمام الدراسات الدولية، نظراً لتصاعد تأثير المبادئ الدينية في العلاقات الدولية، مقابل تراجع الأيديولوجيا، في مرحلة قبيل نهاية/ما بعد الحرب الباردة. فالجماعات الإسلامية المسلحة، شكلت وسيلة فعالة في مواجهة الفكر اليساري والشيوعي، نظراً لغياب أية فرص للتعايش بين الدين والشيوعية. لذلك فقد تولت الولايات المتحدة، استغلال التدخل السوفياتي في أفغانستان، بتسهيل تشكيل الكثير من الجماعات المسلحة، ذات الخلفية الدينية الجهادية. وهو ما أدى في مراحل لاحقة إلى انتشار الفكر الجهادي، وبالتالي تحول الجماعات المسلحة التي تتبنى هذا التوجه، إلى فاعل نشيط في العلاقات الدولية، سواءً باستهداف تجسيد غايات شمولية (إعادة إحياء الخلافة الإسلامية)، أو حتى غايات محدودة، قد تنحصر في الوصول إلى السلطة على المستوى المحلي.

وعليه يُمكن القول، فإن الخلفية الدينية لبعض الفاعلين في العلاقات الدولية، شكلت بديلاً للمبادئ الأيديولوجية، كعامل مؤثر ومحدد للعلاقات الدولية. فنهاية الاستقطاب الأيديولوجي، وعودة الشعوب والجماعات لما يصفه صامويل هنتنغتون S. Huntington بإعادة اكتشاف الرموز، كأحد أهم مميزات النظام الدولي، لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأحد محركات الصراع في العلاقات الدولية. غير أن هذا التحول يؤكد الأثر الكبير، الذي تُمارسه الأيديولوجيا والمعتقدات الدينية، على تفاعلات العلاقات الدولية، باعتبارها إحدى العوامل غير المادية.  

ثانيًا: العوامل/المحددات المجتمعية والشخصية الوطنية:

يُقصد بها مختلف العوامل والتأثيرات التي تفرزها البيئة السوسيوسياسية sociopolitique، لذلك يُطلق عليها اسم المحددات الداخلية، وتتضمن البنية المؤسساتية، الثقافية للمجتمع، وحتى التحديات التي يواجهها. ويتقاطع دور العوامل المجتمعية والشخصية الوطنية، مع الدور الذي تمارسه الأيديولوجيا في العلاقات الدولية، حيث يُمكن اعتبارها بمثابة الخلفية الفكرية، التي تُحدد أنماط الفعل ورد الفعل لدى الفواعل. ويظهر تأثر هذه العوامل بشكل خاص على مستوى الدولة، وكذلك الجماعات السياسية والاجتماعية، حتى وإن كانت هذه الأخيرة تُمارس دوراً غير رسمي.

يُضاف إلى العوامل المجتمعية، تلك المعروفة تحت مسمى عناصر الشخصية الوطنية، والتي ترتبط تاريخياً وثقافياً، بمسارات بناء الدولة الوطنية عبر التاريخ. والتي يتم تشكيلها عبر المؤسسات الاجتماعية، كالمدرسة ونظام التعليم، المؤسسات الدينية والثقافية...إلخ. وترتبط بعملية التنشئة السياسية، التي تُمارسها السلطة السياسية بأشكال مختلفة، حسب طبيعة النظام السياسي، وتتولى المؤسسات المختلفة خلالها، بث القيم المرتبطة بالشخصية الوطنية.

أما من الناحية النظرية، فيُعتبر الاهتمام بهذه العوامل، بمثابة التحول في التصورات النظرية للعلاقات الدولية، الخاضعة لفترة طويلة للمنظور الواقعي، ونموذج الدولة ككرة البلياردو State as Billiard Ball. ويقوم هذا التصور، على اعتبار أن العناصر المرتبطة بالبيئة الداخلية، لا يُمكن لها ممارسة أي دور مؤثر في السلوك الخارجي للدولة، والتي تعتب ككرة البلياردو بحيث لا يؤثر التصادم الخارجي بين الكُرات على مركزها. فافتراض تأثير هذه العوامل الداخلية (المجتمعية والشخصية الوطنية)، يُلغي من الناحية النظرية، الحدود -النظرية- الفاصلة بين البيئتين الداخلية والخارجية. ما يجعلها موضوعاً أساسياً في الدراسات النظرية، على مستوى الحقل الأكاديمي للعلاقات الدولية، وهو ما جسدته التصورات النظرية للمدرسة البنائية Constructivism في العلاقات الدولية.

تُمارس هذه العوامل تأثيرها، في مجال العلاقات الدولية، من خلال دورها في رسم وتحديد معالم السياسة الخارجية الوطنية، من خلال دورها في مساعدة الفاعل (الدولة تحديداً)، على تعريف المواقف الدولية. فتحديد المصالح الوطنية، وحسابات المكاسب والخسائر، المتضمنة في القضايا الدولية المختلفة، وأنماط الفعل ورد الفعل تجاه هذه القضايا، لا يكون بمعزل عن المبادئ القيم الاجتماعية، التاريخ الاجتماعي والسياسي...إلخ. انطلاقاً من ذلك يتم تفسير العدوانية/السلمية، كسمة مميزة للسياسة الخارجية لدولة ما، انطلاقاً من انطواء القيم العامة/الثقافة السياسية/الشخصية الوطنية للدولة، على عناصر العدوانية/السلمية، بحيث لا تكون السياسة الخارجية إلا انعكاساً لها. وتماشياً مع هذا المنطق، يُمكن ملاحظة عدوانية -أو على الأقل صرامة- ردود الفعل الروسية، تجاه المسائل المرتبطة باحتمالات توسيع عضوية حلف شمال الأطلسي، نحو تخوم الحدود الأمنية الروسية. وهو ما تعكسه ردود الفعل تجاه محاولات جورجيا (سنة 2008)، وأكرانيا منذ (2014)، حيث لجأت روسيا إلى الخيار العسكري كآلية لردع أية محاولات من دول القوقاز، أو حتى دول آسيا الوسطى، للتقارب مع الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي.

كما تخضع توجهات الدولة في علاقاتها الخارجية، لبنية المجتمع من النواحي العرقية والإثنية، من خلال تأثير هذه العوامل على تعريف الدولة لمصالحها الحيوية، وإدراكها لمصادر التهديد، أو الفرص والمكاسب المحتملة. فوجود شريحة ناطقة باللغة الروسية، في دول القوقاز ومنطقة البلطيق، يؤثر على مواقف هذه الدول من السلوك الخارجي الروسي. حيث تعتبر هذه الدول، أن وجود سكاني معتبر ذو ثقافة ولغة روسية، يُمكن أن يُشكل مصدراً للتهديد على الاستقرار، وكذلك الأمن الوطني/المجتمعي. وقد انعكس ذلك من خلال موقف الجماعات الناطقة بالروسية، من مواقف دول البلطيق تجاه الرموز الثقافية والتاريخية الروسية، من خلال الاحتجاج على إزالة تماثيل ترمز للجيش الأحمر السوفياتي، تُخلد معارك حدثت خلال الحرب العالمية الثانية. إضافةً إلى مواقف الكثير من الجماعات الناطقة بالروسية، من ضم شبه جزيرة القرم، أو الحرب الروسية الأكرانية، حيث قبلت بسهولة الجنسية ووثائق الهوية الرسمية الروسية، وبالتالي تعريف أنفسهم كمواطنين روس، بدل كونهم مواطنين أكرانيين. ونفس التأثير -نسبياً- تمارسه الجاليات اللاتينية بالنسبة للولايات المتحدة، أو المغاربية والشمال إفريقية في أوروبا وفي فرنسا بشكل خاص.

ثالثًا: تأثيرات بيئة النظام الدولي:

رغم أن بيئة النظام الدولي، تُشكل أحد المسارح الأساسية للتفاعلات الدولية، إلا أنها كذلك تُعتبر أحد العوامل المؤثرة على سلوك الفاعلين الدوليين، وبالتالي تحديد نمط التفاعل في العلاقات الدولية. وقد انتبهت الأفكار المندرجة ضمن المدرسة السلوكية، لتأثيرات بيئة النظام الدولي، على صنع واتخاذ القرار الموجه للبيئة الداخلية أو الخارجية للنظام السياسي. وتبرز في هذا الصدد تصورات دافيد إيستون D. Easton، حول عملية التحويل في النظام السياسي، والدور الذي تمثله المدخلات الخارجية، أي تلك الصادرة عن البيئة الخارجية للنظام.

تساهم مؤثرات البيئة الدولية، في تشكيل سلوك الفاعلين الدوليين، سواءً تعلق الأمر بالدول، المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، وكذلك الحركات غير النظامية، أو حتى الشركات متعددة الجنسيات. ويكون ذلك من خلال تحديد السياقات الدولية، التي يتم خلالها طرح القضايا الدولية، والتأثير على الحسابات العقلانية، التي يُجريها مختلف الفاعلين، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى اختيار نمط مُحدد في الفعل/رد الفعل. فبنية النظام الدولي تُحدد مدى اتساع/ضيق هوامش الحركة، التي تتمتع بها الدول ومختلف الفاعلون في العلاقات الدولية، من خلال تحديد إمكانيات التحالف، الصراع أو التعاون.

سمحت التعددية القطبية للدول الصغرى والمتوسطة، بإيجاد فرص أكبر للحفاظ على أمنها الوطني، من خلال تعدد إمكانيات التحالفات، والقدرة على تغيير توجهات الدول، حسب التغييرات التي يشهدها ميزان القوى. في المقابل فغن الثنائية القطبية، قلصت من مساحة الحرية التي تمتعت بها الدول، بحيث كان الاختيار متاح بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي، والغربي بقيادة الولايات المتحدة. بينما أدى تحول النظام الدولي نحو الأحادية القطبية، إلى تقليص الخيارات المتاحة أمام الدول، لا سيما في المجالات المرتبطة بقضايا دولية أساسية، مثل الأمن الوطني/الجماعي، التسلح ونزع السلاح، التجارة العالمية...إلخ. كما أن المرونة التي أصبح يتميز بها النظام الدولي، حتى في حالة الأحادية القطبية، بتأثير من زيادة تأثير القوى الصاعدة، زادت من توجه الدول نحو التحالف مع هذه القوى، بهدف تقليص تأثير القوى الأساسية من جهة، والاستفادة من الميزات النسبية التي تمنحها هذه التحالفات. ويندرج ضمن هذا المبدأ، المبادرات التي اقترحتها الصين ضمن ما يُعرف بمشروع الطريق والحزام، أو فرص التعاون والتحالف ضمن منظمة البريكس...إلخ.

إضافةً إلى ذلك، فقد سمحت التغييرات في هيكل النظام الدولي، بتنويع مجالات التفاعل في العلاقات الدولية، والتي لم تعد مقتصرة على التوازنات الاستراتيجية، أو مسائل الأمن الوطني. فقد زادت مساحة القضايا الاقتصادية والتجارية، من خلال المساعي التي انطلقت منذ تسعينات القرن الـ20، المستهدفة تحرير التجارة العالمية، والتي أسفرت عن تأسيس المنظمة العالمية للتجارة. كما تحولت المسائل المرتبطة بحقوق الإنسان، التنمية المستدامة، مكافحة الفساد والرشادة...إلخ، إلى عنصر أساسي في الأجندة الدولية. وقد ساهم ذلك في زيادة الدور الذي تُمارسه الفواعل من غير الدول، مثل المنظمات الدولية غير الحكومية والشركات متعددة الجنسيات...إلخ. فالتركيز على حقوق الإنسان، مكافحة الفساد والحكم الراشد، كقضايا رئيسية في الأجندة الدولية، سمح بزيادة تأثير المنظمات غير الحكومية، باعتبارها جزء من الآلية الأممية لمراقبة سلوك الدول، عبر التقارير السنوية التي يتم رفعها أمام وكالات الأمم المتحدة. في حين تحولت الشركات متعددة الجنسيات، إلى أحد أهم عناصر استراتيجيات النمو الاقتصادي، على المستويين الوطني والدولي، من خلال عمليات الاستثمار والتشغيل، وبالتالي فهي من أهم آليات المحافظة على النظام الاقتصادي الدولي القائم.

كما ساهمت التغيرات على مستوى النظام الدولي، في تكريس مبادئ اللبرالية على المستويين السياسي والاقتصادي، وهو ما ساهم في تقليص سيطرة الدولة داخلياً وخارجياً. فتحول الدول إلى صيغ متنوعة من اقتصاد السوق، وتحرير النشاط الاقتصادي، ساهم في تخفيف القيود السياسية في مختلف المجالات. وقد سمح ذلك بزيادة دور الفاعليين غير الدولاتيين، ليس فقط في المجالات الاقتصادية والسياسية، بل حتى في بعض المجالات الأمنية، من خلال زيادة دور الشركات الأمنية الخاصة. فقد بقيت القضايا الأمنية والعسكرية لفترة زمنية طويلة، ضمن الاختصاصات الحصرية للدولة، إلى غاية بداية القرن الـ21، حيث زاد التوجه نحو خوصصة الحروب، من خلال إشراف فاعلين من غير الدول، بهدف تقليص الأعباء على القوات المسلحة التقليدية. اعتمدت الولايات المتحدة في سياستها الخارجية، على عمل هذه الشركات في مواجهة حالات التمرد والمقاومة، خاصةً في حالتي العراق وأفغانستان، بهدف تقليص الخسائر البشرية في صفوف قواتها المسلحة. وينطبق نفس الوضع على حالة روسيا، من خلال شركة فاغنر للخدمات الأمنية (الفيلق الإفريقي حاليا)، والتي كانت أهم دعائم العمليات العسكرية الروسية في أكرانيا، وأحد أهم آليات اختراق مجال النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الإفريقي. وهو ما قد يفتح المجال أمام تشكيل وحدات عسكرية، لا تتبع في قيادتها للدولة، تُمارس الأنشطة العسكرية بدلاً عنها بشكل كامل، رغم بقاء هذا السيناريو بعيداً عن التجسيد على المدى البعيد، أو المتوسط على الأقل.

خاتمــــــــــة:

لا تخضع العلاقات الدولية انطلاقاً مما سبق، فقط لتأثير العوامل المادية القابلة للقياس، على غرار الاقتصاد والجغرافيا والسكان...إلخ. حيث يخضع تأثر هذه العوامل بدوره، للتصورات التي تتدخل في تشكيلها لدى الفاعل، الأيديولوجيات والمعتقدات الدينية، عوامل الشخصية الوطنية، العوامل المجتمعية وبيئة النظام الدولي. فقرار بناء القوة العسكرية، وتحويلها إلى عامل محدد في السياسة الخارجية، أو رسم وصنع السياسات السكانية والاقتصادية، أو استراتيجيات إدارة جغرافيا الدولة، كلها تبقى خاضعة للمنظومة الفكرية، التي تُحددها الأيديولوجيا، مبادئ الشخصية الوطنية، والقيود والفرص الصادرة عن بنية وهيكل النظام الدولي. وهو ما يضع العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية، ضمن حركة تفاعلية للتأثير والتأثر، ما يؤدي إلى ممارسة العوامل المشار إليها، بدرجات متفاوتة حسب الحالات، لأثرها على العلاقات الدولية. وهو ما يعني أن وجود هذه العوامل لا يكون من الناحية الفعلية، منفصلاً أو حتى قابلاً للمفاضلة، عند محاولة دراسة محددات سلوك الفاعلين الدوليين. مع ضرورة الإشارة إلى أن العوامل المادة وغير المادية، قد تتفاوت في ممارسة أثرها حسب طبيعة المواقف، والقضايا المتضمنة فيها، إضافةً إلى الفاعلين المنخرطين في التفاعل في كل حالة. 

Last modified: Friday, 2 January 2026, 11:04 PM