المبحث الاول / أنواع الأنظمة القضائية

تعرف التشريعات المقارنة نوعين من الأنظمة القضائية ، هما نظام القضاء الموحد و نظام القضاء المزدوج ، نتعرف عليهما فيما يلي :

المطلب الأول: نظام وحدة القضاء

أولًا: المفهوم

وحدة القضاء نظام تتولى فيه جهة قضائية واحدة، وفق قانون واحد في الأصل، الفصل في سائر المنازعات المدنية منها والإدارية، أيًّا كانت طبيعتها أو صفة أطرافها، بما فيها تلك التي تكون الإدارة طرفًا فيها. وتعلو المحاكم العادية محكمة عليا واحدة تنظر في الخصومات بين الأفراد وفي تلك التي تقوم بينهم وبين الإدارة. ويُعرف هذا النظام بالنظام الأنجلوسكسوني لانتشاره في دول القانون المشترك، ويستند إلى ثلاثة مبادئ: الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، والمساواة أمام القانون.

ثانيًا: النشأة والأساس

•      المنشأ: ظهر في إنجلترا، حيث ترسّخ مبدأ سيادة القانون كما صاغه الفقيه ألبرت دايسي، ومؤدّاه أن الحاكم والمحكوم يخضعان للقانون نفسه ويمثلان أمام المحاكم نفسها.

•      الانتشار: انتقل إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والهند وسائر الدول الأنجلوسكسونية.

•      الأساس الفلسفي: أن المساواة أمام القضاء تقتضي ألا تُمنح الإدارة قضاءً خاصًا بها.

ثالثًا: الخصائص والأسس

•      وحدة الهيكل القضائي: لا وجود لمحاكم إدارية مستقلة، فالقاضي العادي هو من ينظر النزاع الإداري بالآلية العادية ذاتها.

•      وحدة القانون والإجراءات: يسري قانون مشترك و قواعد  مرافعات واحدة على جميع الدعاوى

•      المساواة بين الإدارة والأفراد: يُعامل الطرفان بمعيار قانوني واحد أمام قاضٍ واحد، دون امتيازات استثنائية للإدارة.

•      نشوء قواعد خاصة بالإدارة عبر السوابق القضائية رغم وحدة القانون من حيث الأصل.

رابعًا: التقييم

المزايا

•      بساطة الإجراءات ووضوحها لوجود جهة قضائية واحدة، فلا يُكلَّف المتقاضي عناء البحث عن المحكمة المختصة.

•      انتفاء تنازع الاختصاص وتناقض الأحكام بين جهتين.

•      ترسيخ المساواة المطلقة بإخضاع المواطنين ومؤسسات الدولة للمساءلة أمام المحاكم نفسها.

•      قلة التكلفة نسبيًا لعدم الحاجة إلى مجالس ومحاكم عليا موازية.

•      ضمانة أقوى للأفراد في نظر بعض الفقه، بحكم استقلال القاضي العادي وحياده وبُعده عن الإدارة.

العيوب

•      إغفال خصوصية المنازعة الإدارية، إذ تسعى الإدارة إلى تحقيق المصلحة العامة بينما يبتغي خصمها مصلحة خاصة.

•      ميل القاضي العادي إلى حماية الحقوق الفردية دون تقدير كافٍ لمتطلبات المرفق العام، إضافة لقلة تخصصه في هذا الميدان.

•      إرهاق المحاكم العادية بالقضايا الإدارية المعقدة، مما يبطئ الفصل في الدعاوى المدنية والتجارية.

•      لجوء هذا النظام إلى استحداث غرف أو لجان إدارية داخل جهازه الموحد يراه منتقدوه دليلًا على قصوره عن مواكبة مستجدات الحياة القانونية.

خامسًا: واقع النظام اليوم

نادرًا ما يوجد النظام الموحد في صورته الخالصة. فبريطانيا أنشأت محاكم إدارية خاصة تنظر فئات من المنازعات الإدارية، وفي الولايات المتحدة تباشر الوكالات الإدارية اختصاصات شبه قضائية مع بقاء الرقابة النهائية للمحاكم العادية. ومن الدول العربية التي تأخذ بوحدة القضاء في الأصل الكويت والبحرين وقطر، مع تخصيص دوائر إدارية داخل المحاكم العادية.

المطلب الثاني: نظام ازدواج القضاء

أولًا: المفهوم

يقسم هذا النظام الوظيفة القضائية بين جهتين مستقلتين: القضاء العادي الذي يفصل في خصومات الأفراد، مدنية وتجارية وجزائية، وتعلوه محكمة النقض أو المحكمة العليا، والقضاء الإداري الذي يختص بالمنازعات التي تكون الإدارة طرفًا فيها بوصفها سلطة عامة، ويعلوه مجلس الدولة ويطبّق قواعد القانون الإداري المستقلة. وتتولى محكمة التنازع، وهي هيئة مستقلة، الفصل في أي نزاع حول الاختصاص بين الجهتين. ويُعرف بالنظام اللاتيني نسبةً إلى فرنسا مهده.

ثانيًا: النشأة التاريخية في فرنسا

•      الجذور: نشأ بعد الثورة الفرنسية متأثرًا بمبدأ الفصل بين السلطات وبانعدام ثقة الثورة في محاكم النظام القديم (البرلمانات)، فصدر قانون 16–24 أغسطس 1790 الذي منع المحاكم العادية من التدخل في أعمال الإدارة.

•      مجلس الدولة: أُحدث عام 1799 كجهةً استشارية في بدايته، ثم تحوّل إلى قضاء حقيقي

•      حكم بلانكو (1873): أرسى استقلال القانون الإداري عن القانون المدني، وأُنشئت محكمة التنازع للفصل في تنازع الاختصاص بين الجهتين.

ثالثًا: الدول المطبِّقة له

•      في أوروبا: فرنسا وبلجيكا وإيطاليا واليونان وهولندا وغيرها. أما ألمانيا فتمثل نموذجًا خاصًا، إذ تقوم فيها جهات قضائية متخصصة متعددة (عادية وإدارية ومالية واجتماعية وعمالية) لا مجرد ثنائية.

•      في الدول العربية: مصر (مجلس الدولة 1946)، وسوريا (1959)، ولبنان (1924)، وتونس، والجزائر (مجلس الدولة 1998)، والمغرب (المحاكم الإدارية 1993)، والسعودية (ديوان المظالم).

رابعًا: مبررات النظام وأسسه

•      خصوصية المنازعة الإدارية: فأحد طرفيها سلطة عامة تستهدف المصلحة العامة وتتمتع بامتيازات لا يملكها الأفراد.

•      قصور القانون الخاص وحده عن حكم العلاقات الإدارية، ومن ثَمّ الحاجة إلى قواعد متميزة لها.

•      التخصص: قاضٍ يلمّ بالإدارة ومقتضيات سير المرافق العامة، وهو ما تتطلبه تعقيدات هذه المنازعات.

•      استقلال الإدارة: يتيح لها ممارسة سلطتها التقديرية في تلبية الحاجات العامة دون تدخل مباشر من القضاء العادي.

•      الدور الإنشائي للقاضي الإداري: إذ أنتج مجلس الدولة الفرنسي معظم نظريات القانون الإداري، كالعقد الإداري والظروف الطارئة ومسؤولية الإدارة.

•      أسس بنيوية: استقلال الهيكل القضائي (محاكم عادية يقابلها محاكم إدارية يتوجها مجلس الدولة)، وازدواج القانون (مدني للأفراد وإداري للدولة)، ووجود جهة تفصل في التنازع.

خامسًا: التقييم

المزايا

•      تخصص القاضي الإداري وإسهامه في تطوير قواعد القانون الإداري.

•      توازن أفضل بين حقوق الأفراد ومقتضيات المصلحة العامة، بما يضمن انتظام سير المرافق.

•      إجراءات مرنة تلائم طبيعة المنازعة، كنظام التحقيق والتنقيب.

•      تخفيف العبء عن القضاء العادي وسرعة الفصل في المنازعات الإدارية المعقدة.

العيوب

•      صعوبة ضبط معيار الاختصاص بين الجهتين، وما ينجم عنه من تنازع إيجابي أو سلبي قد يفضي إلى تأخير العدالة أو إنكارها.

•      تعقيد الهيكل على عامة الناس لتعدد القوانين والإجراءات.

•      ارتفاع التكلفة بسبب ازدواج الأجهزة والمقرات والكوادر القضائية والإدارية.

•      احتمال تعارض الأحكام بين الجهتين.

•      مبالغة القضاء الإداري أحيانًا في حماية سلطات الإدارة على حساب حقوق الأفراد، ومنحها امتيازات إجرائية تتعارض في نظر بعض الفقه مع مبدأ المساواة بين الخصوم.

Modifié le: mardi 6 octobre 2026, 07:03