المحاضرة رقم 01: نظرية العلاقات الدولية: مدخل مفاهيمي

تـمهيـــــــــد:

شكل مدى اعتبار العلاقات الدولية، حقلاً معرفياً مستقلاً بذاته، لمدة زمنية طويلة، موضوعاً للجدل الفكري، حتى فيما بين مستوى رواد هذا الحقل. وقد حاجج البعض أن ما يُعرف بـ"حقل العلاقات الدولية"، لا يملك البناء الإبستمولوجي، الذي يجعل منه علماً، أو على الأقل مجالاً معرفياً مستقلاً بذاته. في حين يرى اتجاه آخر، أنه حتى وإن كان حقل العلاقات الدولية، لم يصل إلى تشكيل بناء معرفي، يُشبه إلى حد ما، النتائج المتوصل إليها في مجالات أخرى قريبة (علم الاجتماع، علم الاقتصاد...إلخ)، إلا أنه مع ذلك، حقق نقلة نوعية، فيما يتعلق بالبناء المعرفي أو النظري.

وبغض النظر عن مخرجات هذا الجدل الفكري، فإن العلاقات الدولية كحقل معرفي، توجهت تدريجياً من كونها، أحد أوجه ممارسة النقاش الفكري، إلى مجال علمي مستقل. يهتم بشكل خاص بمحاولة تفسير الظواهر الدولية، الممتدة بين حدي الحرب والسلام، وهو ما حتم وضع إطار فكري/نظري، يُساعد على تحقيق هذا الهدف. ونتيجة لذلك فقد توجهت مختلف التيارات النظرية، المشكلة لهذا الحقل، إلى محاولة وضع أطر نظرية، تُخرج دراسة الظواهر الدولية، من دائرة التخمين، إلى دائرة التفسير العلمي.

ونتيجة لذلك، فقد تم نقل مفهوم "النظرية العلمية"، إلى حقل العلاقات الدولية، مع ما تطلبه الأمر من محاولات مستمرة، لتكييف مفهوم النظرية Theory، مع الخصائص التي يتميز بها هذا الحقل. وبشكل خاص حالة عدم اليقين، الناتجة عن التغير المستمر، الذي تعرفه الظواهر المدروسة، وعدم القدرة في نهاية النطاف نتيجة لذلك، على التوصل إلى نتائج متفق حولها، تتمتع بخاصية التعميم. لذلك توجب الاقتناع، أن النظريات التي يتشكل منها البناء النظري، لحقل العلاقات الدولية، لا تتطابق حتماً مع التعريف العام لمفهوم النظرية العلمية، غير أن هذه النظريات قد اكتسبت هذه الصفة، انطلاقاً من المسارات العامة لتشكيلها من جهة، ومساهمتها في تفسير الأحداث الدولية، وتوفيرها قدراً معيناً من إمكانية التنبؤ، بمساراتها المستقبلية. وهو ما يجعل منها، متوافقة إلى حد كبير مع المفهوم القياسي للنظرية العلمية.   

أولاً: النظرية في حقل العلاقات الدولية

ظهرت بوادر ما سيُعرف بعلم العلاقات الدولية، خلال مرحلة التحولات الكبرى التي شهدها النظام الدولي، والتي انطلقت منذ منتصف القرن الـ19، وصولاً إلى الحرب العالمية الأولى. وتُشير بعض التصورات في هذا الصدد، على أن دخول النظرية إلى حقل العلاقات الدولية، يعود إلى بدايات القرن الـ20، مع نشأة التيار التقليدي. فقد توجه اللبراليون نحو اقتراح دراسة السياسة الدولية، انطلاقاً من الوقائع السياسية القائمة، المميزة للبيئة السياسية الدولية/الأوروبية. في حين توجه الواقعيون، على رأسهم هانز مورغنثو H. Morgenthau، نحو الإعلان عن نظرية في هذا الحقل، تتماشى مع الوقائع. وبالتالي إخراج دراسة العلاقات الدولية، من إطار التفكير الفلسفي، والنقاشات الفكرية الأرستقراطية، إلى إطار مفاهيمي أكثر تماشياً، مع القواعد المنهجية والعلمية، السائدة في الأوساط الأكاديمية.   

وبغض النظر عن طبيعة الدراسات المجراة، في حقل العلاقات الدولية، من حيث منطلقاتها ومناهجها، مرتكزاتها الإبستمولوجية. فقد استهدفت في غالبيتها، محاولة فهم السلوك الخارجي للدول، وبشكل خاص محاولة تفسير ظاهرة الحرب، بهدف فهم أسبابها، ومحاولة التوصل إلى تجنب تكرارها. غير أن الانطلاقة الفعلية لعلم العلاقات الدولية، كانت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تعاظمت معها الرغبة، في فهم مختلف أنماط السلوك الخارجي للدول. وقد تميزت هذه المرحلة بالتوجه نحو الخروج من الطابع، الذي ميز الدراسات الدولية خلال المراحل السابقة، وبشكل خاص، التحول من دراسات الوصفية والفلسفية، المتمحورة حول القانون الدولي والتاريخ الدبلوماسي، إلى محاولة تفسير العلاقات الدولية، وهو ما نقل الدراسات الدولية المختلفة، إلى مستوى التنظير. مع ضرورة التذكير، بأن التنظير على مستوى هذا الحقل، لا يجب أن يُنظر إليه، من منظور إبستمولوجي عام، دون مراعاة خصائص حقل العلاقات الدولية.

1.    أية نظرية للعلاقات الدولية؟:

ورغم شيوع استخدام مصطلحات النظرية، المقاربات، النموذج، المنظور/الباراديغم...إلخ، إلا أن شكوكاً كثيرةُ قد أُثيرت، حول مدى مواءمة هذه المصطلحات، مع طبيعة الدراسات لمجراة ضمن الحقل العلاقات الدولية. فالنظريات العلمية، تتطلب مساراً من الاختبار العلمي (التجريبي ولعقلي)، لا يتوفر بالقدر الكافي على مستوى نظريات العلاقات الدولية، وينطبق ذلك بدرجة أكبر، على مفهوم المنظور/الباراديغم، وفق تصور توماس كوهن  T. Kuhn. غير أن نوعاً من الإجماع، قد ساد بين رواد علم العلاقات الدولية، على اعتبار أن اطر الفكرية المستعملة، لشرح وتفسير السلوك الدولي، يُمكن اعتباره نظرية علمية، تتلاءم مع طبيعة الظواهر التي يهتم بها هذا الحقل، وكذلك أساليب البحث المستعملة.

وفي هذا السياق، تذهب بعض التصورات النظرية، تعتبر أن محاولة تفسير الأحداث والسلوكات الدولية، هو بمثابة عملية التنظير في هذا الحقل. ويقول ستيف سميث S. Smith في هذا الصدد أنه "قد يكون في إمكاننا أن نصف الأفعال بسهولة نوعاً ما...إلا أن تفسير هذا الفعل هو أصعب من ذلك بكثير (لماذا تم القيام بهذا الفعل؟). وعندما يتعلق الأمر بتفسير الأفعال، فإننا نصبح في حيز النظرية سواءً أأعجبنا ذلك أم لا". وهو ما يجعلنا نظن أن النظرية في العلاقات الدولية، لا تلتزم بالقواعد المنهجية الصارمة، التي يتضمنها مفهوم النظرية العلمية، حيث لا يُمكن تخيل -على سبيل المثال-، إمكانية اعتماد إجراءات الملاحظة والتجربة العلمية. لهذا فإن النظرية العمية في هذا الحقل المعرفي، تتميز بمختلف خصائص النظرية الفلسفية والاجتماعية، والتي تحاول تفسير الظواهر المدروسة (أي السلوك الدولي)، انطلاقاً من مجموعة من الافتراضات المنطقية.

إن ما يزيد في حدة الشكوك، حول توفر نظرية علمية في هذا الحقل، هو غياب ما يُعرف باسم النظرية العامة، القادرة على حسم النقاش، حول التفسير الممكن للأحداث والسلوكات الدولية. هو النقاشات النظرية الحادة، التي مازالت تدور بين الاتجاهات النظرية المختلفة، في محاولة منها لتفسير نفس الظواهر (الحرب، السلام...إلخ). ويرجع ذلك إلى اختلاف منطلقات الباحثين، في محاولتهم اقتراح إجابات للأسئلة المطروحة، حيث ينطلق البعض من مبادئ الاقتصاد السياسي الدولي (الماركسية مثلاً)، بينما يُركز آخرون على الأبعاد القانونية، والبنى المؤسساتية للنظام الدولي (اللبرالية مثلاً)، بينما يركز اتجاه ثالث اهتمامه على متغير القوة والأمن الوطني (الواقعية مثلاً). وتكون النتيجة المنطقية، التركيز على زاوية معينة للنظر، وإهمال بقية الزوايا، أو على الأقل وضعها في خانة العوامل ثانوية التأثير على تطور الأحداث.

ويُمكن للبعض الادعاء بأن هذا الوضع، هو سبب كافي للقول بهشاشة التفسيرات، التي يقترحها علم العلاقات الدولية، حيث تبقى الأحداث والظواهر، وبشكل خاص ما يحوز على اهتمام الرأي العام، موضوعاً لتضارب الآراء دون نتيجة حاسمة. وهو ما فتح المجال أمام تصورات نقدية، حول وضع البناء الإبستمولوجي لحقل العلاقات الدولية، وبشكل خاص الاكتفاء باستعارة مخرجات عملية البحث والتنظير، التي عرفتها المجالات المعرفية الأخرى، لاسيما القريبة منها إلى حقل العلاقات الدولية، مثل علم الاقتصاد، وغيره من العلوم الاجتماعية والإنسانية.

وهو ما تجسد من خلال تصورات ستانلي هوفمان Stanley Hoffmann.  فقد أشار هذا الأخير، إلى الأثر الذي أحدثه غياب نظرية للعلاقات الدولية. وبشكل خاص الافتقاد للجوهر، الناتج عن تدخل مخرجات للمجالات المعرفية الأخرى، نتيجة للتوجه السائد خلال المرحلة السلوكية، نحو استعارة كتلة من المقاربات الجزئية A conglomeration of partial approaches. حيث لا يتجاوز دور هذا التدخل، مجرد جمع المعلومات والمعطيات، حول موضوع الدراسة، غير أنها في المقابل لا توفر أية إجابات، بسبب عدم طرح الأسئلة المناسبة، ولا ما لا يُمكن ن يتوفر، في غياب النظرية في حقل العلاقات الدولية. ويُفهم من ذلك أن الاستعاضة باستعارة النظريات من المجالات الأخرى، وفر الكثير من المعلومات والتفسيرات للظواهر الدولية، لكن ذلك تم استناداً إلى تصورات الباحثين في الحقول الأخرى، وبذلك تجريد عملية التنظير، من جوهرها المرتبط/المستمد من طبيعة حقل العلاقات الدولية.

انطلاقاً من ذلك، فإن علم العلاقات الدولية، يُعاني من حالة من الفوضى، ناتج عن غياب بناء نظري، مُحدد لإطار دراسة الظواهر والتفاعلات الدولية. فتدخل مخرجات العلوم الأخرى (التاريخ، الاقتصاد، علم النفس...إلخ)، لم يُساعد بشكل جذري، على حل الإشكاليات الإبستمولوجية المطروحة. فقد ساعدت استعارة المقاربات والنظريات العلمية، من حقول معرفية أخرى، على تسليط الضوء، على مجموعة من الظواهر الدولية، لكن ذلك تم على مستوى جزئي (التعاون، النزاع، التكامل الإقليمي...إلخ)، لكن دون التوصل إلى تشكيل تصور عام للعلاقات الدولية، وفي مقابل ذلك، تبقى النتائج المتوصل إليها، مقتصرة على الحدود الضيقة للنظريات الجزئية. 

وحتى في حالة تجاوز هذا الوضع، فإن النظريات الموضوعة في حقل العلاقات الدولية، تبقى على شاكلة سماء تشهدُ تحليقاً لطائرات، على ارتفاعات متعددة، ونحو اتجاهات مختلفة. ويعتبر هوفمان، أن هذه النظريات (الطائرات)، تتواجد عبر مستويين أساسيين:

-      المستوى الأول: الارتفاعات الأعلى:

يضم هذا المستوى مجموعة من الأعمال التأملية Speculative Works، المتعلقة بمكانة القيم والمعايير الأخلاقية في الشؤون العالمية Ideals and moral standars on world affairs، أو بالتفسيرات الكبرى الأساسية Master key expalanations، أو حتى بالإرشادات الخاصة بإدارة الدولة Advice on statecraft. لذلك يعتبر هوفمان أن هذا المستوى من التنظير، يتضمن أنماط متداخلة من النظريات، لا يُمكن الفصل فيما بينها، وهي النظرية المعيارية القيمية Normative\Value Theory، النظرية التجريبية/السببية Empirical\Causal Theory، وكذلك نظرية السياسة Policy Theory. وعادةً ما توصف هذه الأصناف من النظريات، باسم النظريات الكلية/الكبرى، والتي تحاول إيجاد تفسيرات شاملة للتفاعلات الدولية، بأسلوب فلسفي تأملي.  

-      المستوى الثاني: الارتفاعات الأدنى:

أما على ضمن المستوى الأدنى، فنجد تحليلات أكثر دقة More rigorous analyses، حول مجالات محددة وغير مترابطةLimited and unconnected areas ، في حقل العلاقات الدولية. نظريات القومية والإمبريالية Theories of Nationalism and Imperialism، والقانون والتنظيم الدولي International law and organization، التساؤلات المنهجية في عمليات صنع القرار في بعض الدول systematic inquiries into the decision-making processes، أو في طبيعة وطبيعة أصناف الحرب The nature and varieties of war. وهو ما يُعرف في حقل العلاقات الدولية، باسم النظريات الجزئية، والتي تهتم بتحليل وتفسير ظواهر محددة، دون قصد التوصل إلى تفسيرات شاملة للعلاقات الدولية. وقد جاءت هذه النظريات، نتيجة للتأثيرات السلوكية في نظرية العلاقات الدولية، في محاولة لسد الثغرات التفسيرية، التي نشأت بسبب محاولة تطبيق مبادئ النظريات الكبرى، على مختلف الجزئيات في هذا الحقل (النزاع، السياسة الخارجية، اتخاذ القرار...إلخ). 

يُعاني حقل العلاقات الدولية من هذا المنطلق، من تعددية في النظريات والتفسيرات، لنفس الظاهرة الدولية، دون إمكانية التوفيق فيما بينها، والوصول إلى ما يصفه كوينسي رايت Q. Wright باسم النظرية العامة في العلاقات الدولية. وبالتالي وضع قدرة هذا الحقل المعرفي، على التوصل إلى نتائج ذات مصداقية، حول الظواهر التي تُشكل مواضيعه الأساسية، وبعلاقة متعدية التشكيك حتى في وجود مثل هذا الحقل المعرفي. غير أنه في نفس الوقت، لا ينفي وجود نظريات للعلاقات الدولية، وإن تفرقت بين طابعها التفسيري والتأملي، توفر إطاراً ابستمولوجياً لتوجيه عمليات البحث، التي تجري ضمن هذا الحقل. وتجدر الملاحظة، إلى أنه من الضروري النظر إلى هذه النظريات، استناداً إلى الخصوصية التي يتميز بها حقل العلاقات الدولية، دون الانجرار وراء المقارنة مع خصائص النظريات العلمية، المعتمدة ضمن حقول أخرى، وبشكل خاص العلوم التجريبية.

2.    مفهوم النظرية في العلاقات الدولية:

تحدث كوينسي رايت Q. Wright، عن مفهوم النظرية العامة في العلاقات الدولية A general theory of International Relations، باعتبارها "مجموعة شاملةComprehensive ، متماسكة Coherent، وذاتية التصحيح Self-correcting، من المعرفة، تُساهم في فهم Understanding ، استشرافThe prediction ، وتقييم والتحكم The evaluation and the control، في العلاقات بين الدول، وأوضاع العالم The conditions of the wolrd". وقد أُثيرت الكثير من التساؤلات، حول إمكانية توفر هذه الخصائص، في أية نظرية على مستوى حقل العلاقات الدولية، أو بتعبير آخر، إمكانية توفر نظرية عامة في هذا الحقل. وقد تشكلت درجة من الإجماع، حول اعتبار أن الظروف، والخصائص المرتبطة بموضوع الدراسة الدولية، أو حتى انتماءات الباحثين، لا تسمح بالتوصل إلى وضع هكذا نظرية. رغم ذلك، فقد وضع رايت عناصر أساسية، تستند إليها وظيفة أية نظرية علمية في العلاقات الدولية، ويتعلق الأمر بفهم التفاعلات الدولية، والتنبؤ بالمسارات المحتملة لتطورها مستقبلاً.    

تُعرف نظرية العلاقات الدولية، في سياق أكثر شمولية، من نفس منطلق تعريف النظرية السياسية، حيث "يُستعمل مصطلح نظرية العلاقات الدولية، لوصف مختلف المذاهب Doctrines، الأفكار Ideas، والفلسفات والأيديولوجيات Philosophies and ideologies، بما في ذلك النظريات التي صيغت بشكل صحيح Theories properly speaking، من أجل شرح طبيعة العلاقات الدولية، والتأمل حولها، أو حتى تغييرها. وتُعتبر هذه الأفكار على أنها نظير للنظرية السياسية Political theory، أو ما يُطلق عليه الألمان اسم فلسفة الدولة Staatsphilosophie".  أي أن نظرية العلاقات الدولية، هي معنى أشمل من المعرفة، يتجاوز الصور البسيطة/التقليدية، بمعنى الاقتصار على الافتراضات المثبتة علمياً. لتشمل نظرية العلاقات الدولية، مختلف الأطر الفكرية، الممتدة من النظريات العلمية، إلى الفلسفات أو الأيديولوجيات، ذات البناء العلمي التجريبي الأقل تماسكاً.     

يرتبط مفهوم النظرية في حقل العلاقات الدولية، بالنقاش المستمر حول طبيعة الدور، الذي يُفترض أن تلعبه الدراسات الدولية من جهة، وعلاقة المُنظِّر بصانع/متخذ القرار. فإذا كانت بعض الآراء تضع حدوداً فاصلة بين الطرفين، تُشير آراء أخرى بوجود علاقة تكامل وظيفي، بين الجانبين الأكاديمي/النظري والعملي للعلاقات الدولية. وفي هذا السياق يُنظر إلى النظرية باعتبارها "مجموعة اقتراحات عملية، لرجال الدولة والمسؤولين، وهذه الاقتراحات والإرشادات، تكون إما بمثابة مسلمات حول النظام الدولي، وشكله، وبنيته، وما يترتب عنه من سلوكيات معينة، عند رجل الدولة، لتحقيق أهداف معينة. وإما أن تكون بمثابة توصيات سياسية، قائمة على ما توصلت إليه دراسة أوضاع، أو قضايا سياسية معينة من نتائج، تصلح للاسترشاد بها في حالات مشابهة، يواجهها المسؤول أو رجل الدولة".

تكون النظرية انطلاقاً من هذا التصور، أشبه بكتيب للإرشادات، حول كيفية الاستجابة لمواقف العلاقات الدولية، وإدارة السياسات الخارجية للدول. وهو ما يفترض التطابق الكلي، بين صورة العالم كما يراه المُنظِّر، والصورة السائدة فعلاً، ما يفتح المجال للحديث عن مدى اهتمام هذا التصور، بدور المعلومات، أو حالات الإدراك الخاطئ، التي عادة ما تُرافق صانع السياسة الخارجية. فانتقال هنري كسنجر -على سبيل المثال-، من موقع الباحث الأكاديمي، إلى موقع رئيس الجهاز الدبلوماسي كوزير للخارجية، لم يجعل السياسة الخارجية الأمريكية، أكثر تطابقاً مع الوقائع الدولية. حيث يختلف موقع المُنظِّر، عن موقع رجل الدولة، عند البحث في طبيعة الأحداث، ما تتضمنه من مصالح ومخاطر، وبالتالي قد يختلف تفسير رجل الدولة للمواقف الدولية، وهو ما يفترض اختلاف أنماط رد الفعل. وينطبق ذلك على الباحث الأكاديمي، الذي ينتقل إلى العمل في المناصب الحكومية، ذات العلاقة بوظيفة إدارة العلاقات الخارجية (الأمن، السياسة الخارجية، الدبلوماسية...إلخ).

يُنظر إلى النظرية في سياقها الخاص، ضمن حقل العلاقات الدولية، على أنها "مجموعة من الفرضيات حول السلوكية السياسية، تم التوصل إليها بالاستقراء، من دراسات تجريبية، أو دراسة مقارنة". وقد تمت الإشارة إلى أن هذا التعريف، يتماشى مع خصوصية حقل العلاقات الدولية، حيث لم تُمنح النظرية أكثر من صفة الفرضية، وهو ما يوحي أنها لم تستكمل المسار الموصل إلى النظرية العلمية، وفق ما هو متعارف عليه، انطلاقاً من الملاحظة وصولاً إلى التعميم العلمي. ويُمكن ملاحظة ذلك على الأقل، من خلال النظريات الكبرى، التي أسست لحقل العلاقات الدولية، خلال منتصف القرن الـ20، والتي استخلصت نتائجها وافتراضاتها، من استقراء التاريخ، ومقارنة سلوك الفاعلين في النظام الدولي.

وينعكس هذا التصور، من خلال وضع النظرية في حقل العلاقات الدولية، حيث تتميز بغياب نتائج متفق حولها، لتفسير الظواهر والسلوكيات الدولية. وهو ما يُفسر التنوع الكبير، في الأطر النظرية والمفاهيمية السائدة ضمن هذا الحقل، سواءً تعلق الأمر بنطاق النظرية (نظريات كبرى/كلية، نظريات جزئية)، أو من حيث المضمون والهدف (نظريات تأملية، نظريات تفسيرية). وإذا كانت هذه الوضعية في بعض الحالات، تُشكل أساساً للتشكيك في قدرة الدراسات الدولية، إلى التوصل إلى نتائج ذات مصداقية، قادرة على تفسير الأحداث والظواهر، لا سيما العجز في بعض الحالات، عن توقع حدوث بعض التغيرات الدراماتيكية، التي تُعيد النظر في بنية النظام الدولي، على غرار تفكك الاتحاد السوفياتي، ونهاية الحرب الباردة...إلخ.

ستكون النظرية في حقل العلاقات الدولية، تماشياً مع أغراض هذه الدراسة، متماشيةً مع مختلف الأطر المفاهيمية والنظرية، التي استهدفت تفسير الظواهر والسلوكيات الدولية، سواءً في إطار الفكر السياسي، أو في إطار علم السياسة المعاصر. بغض النظر عن مدى مطابقتها مع المسارات العلمية والإبستمولوجية، لبناء النظريات العلمية، مراعاةً للخصوصيات التي تتميز بها العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبشكل خاص علم العلاقات الدولية.  

3.    وظيفة النظرية في العلاقات الدولية: من منظور المنظرين:

بعد تجاوز الجدل القائم، حول مدى اعتبار حقل العلاقات الدولية، مجالاً معرفياً مستقلاً، أو مدى تبعيته لمخرجات المجالات المعرفية الأخرى، أو حتى مدى توفر نظرية علمية على مستوى هذا الحقل. يظهر التساؤل من جديد، حول مدى الحاجة إلى نظرية للعلاقات الدولية، بالنظر إلى غياب القدرة/الإمكانية، على التوصل إلى تفسيرات عامة وشاملة، لمختلف الظواهر موضوع الدراسة. لذلك يُمكن الافتراض، أن النظريات تُمارس وظائف مختلفة نسبياً، على مستوى حقل العلاقات الدولية، مقارنة بمجالات معرفية أخرى، بغض النظر عن المناهج المعتمدة فيها (تجريدية/تجريبية). وتذهب بعض التصورات في هذا الصدد، أن "كل مجال معرفي يتطلب نظرية Requires theory، من أجل توجيه البحث To guide researche، وتوفير أسس للتفسيرBasis for explanation ، وإذا أمكن، توفير القدرة على التنبؤProbabilistic predictive capability ". أي أن نفي وجود النظرية، في أيِّ من الحقول المعرفية، ومن ضمنها حقل العلاقات الدولية، يعني بالضرورة نفي وجود مثل هذا الحقل من الأساس. رغم تأكيد حالة عدم وجود نظرية عامة A general Theory، في بعض المجالات المعرفية (العلاقات الدولية كمثال).

شكل الدور الذي تُمارسه النظرية، في الدراسة الأكاديمية للعلاقات الدولية، بدوره موضوعاً للاختلاف، بين مختلف الاتجاهات النظرية والفكرية. فرغم الاتفاق فيما بينها، حول أهمية وجود هذه الآلية التحليلية، إلا أن التصور حول دورها المفترض، يبقى مختلفاً حوله، بين الآراء القائلة بتنظيم تفسير الظواهر الدولية، والاتجاه القائل بإضفاء الطابع العلمي عليه.

فقد اعتبر -في هذا السياق- هانز مورغنثو H. Morgenthau، أن النظرة النقدية لأية نظرية في حقل العلاقات الدولية، لابد وأن يستند إلى أساس متين، وليس مجرد مفاهيم أو مبادئ مجردة، ويتمثل هذا الأساس، في الهدف من وضع النظرية. ويُحدد مورغنثو الهدف الأساسي للنظرية، في حقل "السياسة الدولية"، في "تحقيق النظام والمعنى Order and meaning، لكتلة من الظواهر التي بدونها ستظل منفصلة Disconnected، وغير مفهومة Unintelligible". أي أن فالنظام المنطقي، الذي تتضمنه النظرية بشكل عام، يسمح بإيجاد العلاقات المنطقية، التي تربط بين مختلف المتغيرات المشكلة للظاهرة. ولهذا لا يُمكن لغير المتخصص فهم العوامل الكامنة، وراء تشكيل الدول لسياستها الخارجية، وطريقة تعريفها لمصالحها الوطنية، واستجابتها لمختلف الأحداث الدولية...إلخ.  

ويضيف مورغنثو -بشكل ضمني-، أن الدراسة النظرية للسياسة الدولية، يشكل الفرق الجوهري مع الأساليب الأخرى، السائدة من قبل في هذا المجال. ويقول في هذا الصدد "إن الدرس الأول الذي يتحتم على طلبة السياسة الدولية تعلمه وعدم نسيانه، وهو أن تعقيدات الشؤون الدولية The complexities of international affairs، يجعل من الحلول البسيطة simple solutions والتخمينات ذات المصداقية trustworthy prophecies غير ممكنة، وهو ما يشترك فيه الباحث والمشعوذ It is here that the scholar and the charlatan part company".

ويًفهم من هذا التصور، أن عدم مجاراة الدراسات الأكاديمية، لحالة التعقيد التي تُميز الشؤون/العلاقات الدولية، يجعل من نتائج هذه الدراسات، مجرد تخمينات، لا يُمكنها الوصول إلى تفسير للظواهر، وهو ما عبر عنه مورغنثو من خلال تشبيه الباحث بالمشعوذ. فحتى النتائج الصحيحة المتوصل إليها، من خلال الدراسة غير المستندة إلى النظرية، لا يُمكن أن تتجاوز الصدفة في أحسن الحالات، وبذلك لا تتماشى مع مفهوم الدراسة والتفسير العلميين.

ويندرج ضمن نفس السياق أيضاً، تصور كينيث والتز K. Waltz، لدور النظرية في دراسة ظواهر العلاقات الدولية، والظواهر السياسية بشكل عام. حيث يذهب إلى أن "النظريات تشرح القوانين. وهذا المعنى لا يتوافق كثيراً، من حيث الاستخدام، مع النظرية السياسية التقليدية، التي تهتم بالتفسير الفلسفي أكثر من اهتمامها بالتفسير النظري". ويُشير ذلك إلى أن التفسيرات السياسية التقليدية، ذات الطابع التجريدي الفلسفي، لا يُمكنها التوصل -من حيث المبدأ-، إلى شرح القوانين المتضمنة في عمل الظواهر والأحداث المختلفة، على مستوى البيئتين الداخلية والخارجية/الدولية.  

لا يُمكن -من وجهة نظر أخرى-، تحديد الدور المفترض للنظرية، في دراسة العلاقات الدولية، بمعزل عن طبيعتها، باعتبارها نظريات معيارية Normative theories، أو تجريبية Empirical theories. فكل من الصنفين، يسعى إلى تحقيق أغراض مختلفة، من دراسة مختلف الظواهر الدولية، وهو ما يفرض بدوره اللجوء إلى أساليب ومناهج مختلفة، تتماشى مع تلك الأغراض. ويُمكن القول بذلك أن النظرية في بعض الأحيان، قد تندرج ضمن المساعي التعديلية، أي البحث عن تغيير الوضع الدولي، بما يتماشى مع تصورات المنظِّر. في حين قد تقف في أحيان أخرى، عند حدود التفسير الموضوعي، للأحداث والظواهر الدولية، بغض النظر عن المواقف السياسية والمعيارية، التي يعتنقها واضعوا النظريات.

وفي هذا الصدد، يعتبر ريتشارد ماكليلاند R. McClelland، أن الصنف الأول من النظريات يستهدف "البحث والصياغة The investigation and formulation، لمجموعات الأفكار Sets of ideas، التي إذا تم وضعها موضع التنفيذ الكامل، يُتوقع أن تؤدي إلى علاقات أكثر مثالية More ideal relationships، بين الدول، الاقتصادات، المجتمعات والشعوب... [فتحديد] ما هي الأهداف التي ينبغي السعي لتحقيقها، وكيف ينبغي ربط الأجزاء، وترتيبها مع النظام الدولي بأكمله، وكيف ينبغي ربط الوسائل والغايات وتحقيقها، هي اهتمامات رئيسية في النظريات المعيارية".

أي أن النظريات المعيارية، تبحث عن بدائل أمثل، للأساليب إدارة العلاقات الدولية، بين مختلف الفاعلين، من خلال مخططات عمل واضحة، بغض النظر عن مدى قابلية تلك المخططات للتنفيذ. ويظهر في هذا الصدد نموذج النظرية المثالية، التي حاولت الإجابة، عن تساؤلات جوهرية، تتمحور حول كيفيات إنهاء وجود ظاهرة الحرب، كآية لإدارة العلاقات الدولية. لذلك فقد تم اقتراح تشكيل بناء مؤسساتي دولي، يفرض أحكام القانون الدولية، إضافةً إلى تشجيع مساعي نزع السلاح، وإرساء القانون والتحكيم الدوليين، من أجل التعامل مع الخلافات أو المنازعات، التي يُمكن أن تنشأ فيما بين الدول. وقد امتد نطاق المقترحات المثالية، إلى غاية محاولات تعديل طبيعة النظم السياسية الوطنية، من خلال الافتراض بأن الديمقراطيات، لا يمكنها أن تدخل في حروب عدوانية، بسبب القيود الدستورية والبرلمانية (أو الشعبية).

تظهر النظريات التجريبية في مقابل ذلك، لتقدم تصوراً مختلفاً عن وظيفة النظرية في حقل الدراسات الدولية، يختلف جوهرياً عن توجهات النظريات المعيارية. ويقول ماكليلاند "إن النظرية التجريبية Empirical theories، في شكلها الخالص In its pure form، لا تهتم بمسألة ما يجب أن يكون، بل فقط بتفسير ما كان The explanation of what has been، وما هو What is، وما سيكون What will be. إنها سلسلة من الافتراضات ذات الصلة، التي تهدف إلى تحديد وشرح، ضمن إطار مرجعي معين A given frame of reference، إما بيانات الملاحظات، التي تم إجراؤها بالفعل، أو النتائج المتوقعة من الملاحظات الجديدة، التي تشير النظرية إلى إجرائها.

ويُمكن القول -انطلاقاً من ذلك-، أن هذا الصنف من النظريات، لا يهتم بتغيير الوضع القائم، مثلما هو حال النظريات المعيارية، وعلى رأسها الأفكار اللبرالية التقليدية. وفي مقابل ذلك، فإن النظريات التجريبية، وفقاً للتصور السابق، تُفضل تركيز جهودها على إيجاد تفسيرات عقلانية، لظواهر العلاقات الدولية، بغض النظر عن موقف المُنظِّر منها. وتقدم النظرية الواقعية نفسها، كأحد النماذج على هذا التوجه في نظرية العلاقات الدولية، من خلال تركيزها على تفسير السلوك العدواني (الحرب، الصراع، عدم الثقة...إلخ)، دون الاهتمام بتقديم أية مقترحات، لتعديل أنماط السلوك الدولي.

تلعب النظرية في دراسة العلاقات الدولية، أدواراً ذات طابع تقني/منهجي، تتعلق بإضفاء الطابع العلمي، على الدراسات الدولية. حيث يُعتقد أن الوظيفة الأساسية للنظرية الدولية، هي "تمكيننا من تحسين معرفتنا To improve our knowledge، فيما يتعلق بالواقع الدولي. سواء من أجل الفهم الخالص Pure understanding، أو لغرض أكثر نشاطًا For the more active purpose، وهو تغيير هذا الواقع Changing that reality. تساعدنا النظرية على ترتيب معرفتنا الحالية، واكتشاف المعرفة الجديدة بكفاءة أكبر. فهي توفر إطارًا فكريًا، نحدد فيه أولويات البحث، ونختار أنسب الأدوات المتاحة، لجمع وتحليل البيانات حول الظواهر. توجه النظرية انتباهنا، إلى أوجه التشابه والاختلاف المهمة Significant similarities and differences، وتقترح علاقات لم ندركها من قبل". 

يجمع هذا التصور، بين أهداف النظريات التجريبية والمعيارية، فالنظرية في نفس الوقت، تُساعد على فهم الواقع، وبالتالي توفير الوسائل المساعدة على تغييره عند الحاجة. إضافةً إلى ذلك فإن فهم الواقع بمختلف ظواهره، يفتح المجال أمام التطرق لمجالات ومواضيع متصلة به، وهو ما يعني توليد المعرفة، بالانتقال المستمر نحو مجالات جديدة. كما تُمارس النظرية كذلك، دوراً تقنياً في توجيه البحث، وإضفاء الطابع العملي/المنهجي، على الدراسات الدولية، من خلال اقتراح أساليب للتعامل مع المعلومات، وتصنيف الظواهر، ونتيجة لذلك التوصل إلى اقتراح تفسيرات، مؤسسة على علاقات منطقية تربط مختلف المتغيرات، التي تم التعرف عليها من خلال تحليل المعطيات، التي سبق جمعها حول موضوع معين.    

انطلاقاً من ذلك، يُمكن القول أن النظرية، تمنح لباحث في حقل العلاقات الدولية، زاوية معينة للنظر إلى التفاعلات الدولية، والقدرة على تفسيرها، من خلال منطلقات وافتراضات علمية محددة. ويكون الهدف الأساسي لذلك، هو التقليل قدر الإمكان، من تأثير الافتراضات الفلسفية والمعيارية، والتي تنطلق من مسلمات مسبقة، لم تخضع للاختبار، أو على الأقل للتأكيد العقلي والمنطقي. وبذلك التوصل إلى تفسيرات عقلانية للظواهر الدولية، ما يعني إمكانية إجراء دراسة استشرافية، لتطور هذه الظواهر، استناداً إلى معايير علمية، وليس مجرد تصورات غائية، نابعة من رغبة الباحثين، في أن تسير الأحداث وفق تفضيلاتهم الشخصية. وتكون المحصلة النهائية، للدور الذي يُمكن أن تُمارسه نظرية العلاقات الدولية، هو إثبات وجود هذا الحقل، ضمن الحقول العلمية المستقلة، من حيث موضوعاتها، أو إطارها النظري والمفاهيمي.

غير أن هذا التصور الإجرائي لدور النظرية، لابد أن يأخذ بالاعتبار ملاحظتين أساسيتين:

­        أن استعمال مصطلح نظرية، في دراسات العلاقات الدولية، لا يُفيد بانتهاء التفسيرات المعيارية والفلسفية، حيث يُطلق وصف النظرية، على مختلف محاولات التفسير والتحليل، التي شهدها هذا الحقل. ويندرج ضمن هذه التسمية، الأفكار الواقعية واللبرالية التقليدية، والأفكار الماركسية، وغيرها من الأطر النظرية ذات الطابع الفلسفي.

­        أن السعي المستمر، لوضع نظرية علمية لدراسة الظواهر الدولية، لم يتوصل بعد إلى نتيجة نهائية، قد تتمثل في نظرية عامة. بل أدى هذا المسار، إلى تعددية في نظريات العلاقات الدولية، تُشكل في نفس الوقت، أساساً للتشكيك في وجود حقل معرفي مستقل، ومن جهة أخرى مصدراً للتنوع والغنى، في الأطر النظرية التي تسمح بدراسة الظواهر الدولية، من زوايا نظر متعددة.  

خاتمة:

لقد تكرس حقل العلاقات الدولية، كحقل معرفي متميز من حيث خصائصه، المستمدة من طبيعة المواضيع والظواهر، التي يسعى للبحث عن تفسيرات لها. حيث أننا في هذا الحقل، بصدد البحث في ظواهر متعددة الأبعاد من جهة، وتتميز بالديناميكية المستمرة، وعدم الثبات من جهة أخرى. وهو ما يجعل من غير الممكن، اللجوء في دراستها إلى الحلول النظرية التقنية، كما هو سائد على مستوى بعض الحقول المعرفية الاجتماعية والإنسانية. حتى في حالة لجوء الباحثين، إلى استعارة بعض الأطر الفكرية والنظرية، من هذه المجالات المعرفية، كحال علم الاقتصاد، وعلم النفس، وحتى علم الاجتماع والجغرافيا (في حالة الجغرافيات السياسية والدراسات الاستراتيجية).

وعليه فقد تم إلى حد ما، تجاوز النقاش حول مدى اعتبار الأطر النظرية، السائدة في حقل العلاقات الدولية، كنظريات علمية، سواءً تعلق الأمر بالنظريات المؤسسة لهذا الحقل، أو حتى مخرجات الحوارات النظرية اللاحقة، لاسيما تأثيرات التحول المعروف باسم "الثورة السلوكية" في علم السياسة بشكل عام. حيث يُعتبر هذا التنوع، مصدرا للبدائل النظرية من جهة، واساساً للنقاش الفكري، بين مختلف المدارس النظرية، في علم العلاقات الدولية. لهذا تُطلق تسمية نظرية العلاقات الدولية، على كل الأطر الفكرية والنظرية، التي حاولت وضع تفسيرات للظواهر الدولية، على الأقل منذ مرحلة ما بين الحربين. وذلك بصرف النظر، عن مدى تطابقها مع التعريفات التقنية، لمفهوم النظرية، وقائمة الخصائص التي يُفترض أن تتميز بها، أو الأدوار التي يُفترض أن تمارسها في البحث العلمي.


آخر تعديل: Tuesday، 21 April 2026، 7:33 PM