المحور الرابع: نماذج عن الحقوق والحريات السياسية

-  حق الشعوب في تقرير المصير

حق الشعوب في تقرير المصير هو ركيزة أساسية للعدالة الدولية والسلام العالمي. إن تمكين الشعوب من ممارسة هذا الحق يعزز الديمقراطية، ويضمن احترام حقوق الإنسان، ويحد من النزاعات والصراعات الدولية.

 حيث يعد حق الشعوب في تقرير المصير أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويعني قدرة الشعوب على تحديد مصيرها السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي بحرية دون تدخل خارجي. نشأ هذا الحق كاستجابة لتطلعات الشعوب للاستقلال والتحرر من الاستعمار والهيمنة الأجنبية.

1. حق تقرير المصير هو قدرة الشعب على اختيار نظامه السياسي، وإدارة شؤونه الداخلية، وتقرير مستقبله الاقتصادي والاجتماعي والثقافي دون أي إكراه خارجي.

2. الأسس القانونية: الميثاق الأممي للأمم المتحدة (1945): المادة 1 تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

والإعلانات الدولية: مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) وعهد حقوق الإنسان الدولي (1966)، حيث أكدت على حرية الشعوب في اختيار حكومتها ونظامها السياسي.

3. أهمية الحق:

  • تعزيز الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية.
  • حماية الهوية الثقافية والاجتماعية للشعوب.
  • الحد من الاستعمار والاحتلال.

4. تطبيقات الحق:

*-تحرر الشعوب من الاستعمار: مثل حركات التحرر في إفريقيا وآسيا بعد الحرب العالمية الثانية.

*-الاعتراف بحقوق السكان الأصليين في أراضيهم وثقافتهم.

5. التحديات:

  • التدخلات الخارجية التي تمنع الاستقلال.
  • الصراعات الداخلية التي تمنع الشعب من ممارسة حقه بحرية.
  • التوازن بين حق تقرير المصير والحفاظ على وحدة الدولة.

***************

-IIالحق في التنمية هو حجر الاسس لبناء مجتمع إنساني متوازن يضمن العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. ولتحقيق هذا الحق، يجب على الدول الالتزام بسياسات عادلة وشاملة، والعمل على تمكين المواطنين من المشاركة في اتخاذ القرارات، مع تعزيز التعاون الدولي لدعم التنمية المستدامة، التنمية الشاملة ليست مجرد هدف اقتصادي، بل هي وسيلة لضمان حياة كريمة ومستقبل أفضل لكل إنسان على الأرض.

أولا: الخلفية القانونية والمؤسسية للحق في التنمية

  • تم اعتماد إعلان الحق في التنمية من قبل الأمم المتحدة في 4 ديسمبر 1986، حيث نص أن التنمية عملية شاملة (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية) تهدف إلى تحسين مستمر لرفاهية السكان عبر مشاركة المواطنين في التخطيط والتنفيذ، وتوزيع عادل لفوائد التنمية.
  • الإعلان يرى أن الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية حيث يعني ان لكل فرد وكل مجتمع له الحق يشارك ويتأثر بالتنمية وليس فقط كـمتلقي بل كـفاعل ومشارك.
  • كذلك، ربطت دراسات معاصرة بين مفهوم التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، بحيث تعتبر التنمية حق إنساني أساسي، وضرورة لتحقيق العدالة، الكرامة، والرفاهية لكل إنسان إذا الحق في التنمية ليس رفاهية إضافية، بل حق أساسي قانوني وأخلاقي يلزم الدول والمجتمعات أن تضمن لكل فرد الفرصة للمشاركة في التنمية والاستفادة منها.

ثانيا: أبعاد ومجالات الحق في التنمية

بموجب الإعلان وكل الأطر القانونيةوالفكرية المرتبطة به، الحق في التنمية يتضمن عدة أبعاد ومجالات:

ما يشمله و ما يقاس به

البعد و المجال

فرص عمل لائقة، دخل عادل، معدلات نمو اقتصادي، توزيع عادل للثروات.

الاقتصادي

تعليم، صحة، السكن، الضمان الاجتماعي، مساواة بين أبناء المجتمع.

الاجتماعي

حرية التعبير، الحفاظ على الهوية الثقافية، المشاركة في الحياة الثقافية.

الثقافي

مشاركة المواطنين في صنع القرار، حكم رشيد، شفافية ومسؤولية، حرية.

السياسي / مدني

تنمية تحترم البيئة، موارد مستدامة، ضمان حقوق الأجيال القادمة.

البيئي / الاستدامة

وهذا ينسجم مع ما يُعرف بـ التنمية المستدامة: بحيث لا تكون التنمية فقط اقتصادية أو آنية، بل تنموية مستدامة تراعي الحاضر والمستقبل.

ثالثا: التحديات التي تواجه تحقيق الحق في التنمية رغم وجود الإطار القانوني والفلسفي والمعنوي، الا ان تطبيق الحق في التنمية يواجه صعوبات، منها:

  • نقص الموارد أو سوء إدارتها: ليس كل الدول لديها القدرة الاقتصادية أو البنية التحتية المناسبة.
  • عدم مشاركة فعالة للمجتمع   بسبب نقص الديمقراطية: التنمية المستدامة تحتاج مشاركة المواطنين في صنع القرار إذا كانت الدولة ديكتاتورية أو الفقراء مهمشين، الحق يتعطل.
  • استغلال الموارد دون استدامة بيئية: تنمية “قصيرة المدى” قد تضر البيئة وتخنق حق الأجيال القادمة في التنمية.
  • الفوارق الاقتصادية الكبيرة: حتى مع النمو الاقتصادي، تفاوت الدخل والثراء يمنع تحقيق العدالة والتنمية للجميع (كما لاحظت دراسات على بعض الدول التي “تخَلصت من الفقر المدقع لكن ليس من الفقر النسبي أو التفاوت).
  • اعتماد التنمية على المساعدات أو التمويلات الخارجية دون بناء قدرات محلية: ما يجعل التنمية هشة ويمكن أن تنهار إذا انقطعت المساعدات.

  *- من خلال ما سبق، نستخلص انه لتفعيل الحق في التنمية يجب:

1.    أن تكون التنمية شاملة ومتوازنة ليست فقط اقتصاد أو بنية تحتية، بل صحة، تعليم، بيئة، مشاركة شعبية.

2.    أن نمكن المجتمع المحلي بان يشاركوا في التخطيط والتنفيذ.

3.    حماية البيئة والاستدامة ضرورية: لان التنمية لا تكون تنمية إذا دمرت الموارد البيئية أو خربت الطبيعة.

4.    التركيز على الفئات الضعيفة والمهمشة لأن الحق في التنمية يعني لكل فرد، ليس فقط أصحاب النفوذ.

5.    الشراكة الدولية والمحلية أحيانا تحتاج مساعدات أو تعاون دولي ويجب ان يكون في إطار احترام سيادة المجتمع واحتياجاته، وليس مشاريع مفروضة.

مثال بسيط : استثمار في الزراعة، يحسن  صحة، تعليم، بيئة مما  يؤدي الى : خفض الفقر، تحسين الصحة، رفاهية اجتماعية،

الحق في التنمية ليس مجرد فكرة نظرية فهو إطار شامل للعدل والكرامة. عند تطبيقه بصورة شاملة، مع مشاركة فعلية للمجتمع، يمكن تحقيق تغيير حقيقي لحياة الناس. لكن الطريق ليس سهل: يحتاج لإرادة سياسية، لمشاركة شعبية، لموارد، والتزام طويل، ومراعاة للبيئة.

         III- الحق في تأسيس الجمعيات الحق في تأسيس أحزاب سياسية

في الجزائر مثلا، الدستور يكفل عدة حريات أساسية تشمل حرية التعبير، الاجتماع، وتكوين التنظيمات سواء جمعيات مدنية أو أحزاب سياسية، فهذا الضمان الدستوري يفتح أمام المواطنين إمكانية الاشتراك في الحياة العامة، وتنظيم المبادرات المجتمعية أو التنموية، أو الانخراط في العمل السياسي بما يخدم الصالح العام. لكن كما غالبا في أي نظام قانوني الحق مؤمن بالدستور «في الأصل»، لكن ممارسته تتوقف على القوانين، الإجراءات، وضوابط إضافية.

*-التطبيق القانوني والواقع: رغم أن الدستور يكفل هذه الحقوق، إلا أن واقع التشريع والتنظيم يظهر أن هناك قيود وإجراءات خصوصا في تأسيس الجمعيات مما يجعل ممارستها أحيانا في ارض الواقع صعبة:

  • واغلب الدراسات الحديثة، التي حللت القانون الذي ينظم الجمعيات في الجزائر رقم 12/06 ترى بانه صارم ويشترط عدة إجراءات معقدة للتأسيس الجمعيات.
  • و بعض منظمات حقوق الإنسان أبدت قلقها من مشروع قانون تسيير الجمعيات الجديد ،والذي حسب رأيها يزيد من القيود ويعقد إمكانية تأسيس جمعية أو ممارسة نشاطها بحرية، رغم أن الدستور يضمن الحق بمجرد التصريح
  • في مجال الأحزاب السياسية أيضا: رغم أن الدستور يمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني، عرقي، جهوي... إلخ والبعض من الفقهاء يرون أن هذا حاجز كبير أمام تمثيل جماعات ذات هوية خاصة (مثلا جهوية أو إثنية) من وجهة نظرهم، ما يعني أن الحرية الدستورية لها حدود واضحة.

- لكن لماذا هذه الضوابط: حسب ما يوضحه فقهاء القانون الدستور، فالهدف من هذه الضوابط هو حماية الوحدة الوطنية ومنع تقسيم المجتمع على أساس ديني، إثني، جهوي أو لغوي، وهذا قد يؤدي إلى الانقسام أو النزاع.

، وكذلك منع الخضوع لمصالح أجنبية أو تدخل خارجي، لأن الأحزاب أو الجمعيات على اتصال بقرار داخلي وهي تمثل المواطنين فإذا خضعت لأطراف أجنبية يمكن أن تستخدم مصلحة دولة أجنبية على حساب مصلحة الوطن.

بعض التحديات في الواقع

  • رغم وجود الضمان الدستوري، إلا ان كثير من الجمعيات تواجه عدة إجراءات بيروقراطية صعبة للتأسيس.
  • مشكلة التمويل، حيث ان الكثير من القوانين تضع شروط مشددة، مما يعرقل نشاط بعض الجمعيات، خاصة الحقوقية أو تلك التي تحتاج موارد.
  • كذلك، القيود في التأسيس على أساس منع الأحزاب الدينية أو الجهوية أوالعرقية رغم أهدافها لحماية الوحدة تمنع في بعض الحالات وجود أحزاب تعبر عن بعض الفئات بخصوصيات مميزة. هذا رأي كثير من الباحثين في القانون والسياسة.

ما يستنتج من كل هذا: الدستور الجزائري يضمن حق تأسيس الجمعيات والأحزاب بشكل واضح، وهو ضمان قيم جدا يكفل حرية التنظيم والاشتراك السياسي والمدني.ولكن هذا الحق ليس مطلق فهو مرتبَط بشروط وضوابط مثل  (وحدة وطنية، هوية، أمن، سلم، شروط قانونية) مفروضة على الأحزاب والجمعيات وهذه الضوابط من جهة تجعل الحق محمي من التجاوز، ومن جهة ثانية قد تحد من تنوع التمثيل أو من نشاط بعض الجمعيات اوأحزاب.

  • في الواقع القانوني والتنظيمي و خصوصا بالنسبة للجمعيات، نلاحظ أن الإجراءات معقدة بعض الشيء، وبعض الجمعيات أو منظمات المجتمع المدني يشكون من صعوبة التسجيل أو التأسيس أو حتى الحصول على تمويل دون قيود.ولذلك، رغم الضمان الدستوري، ممارسة الحق تعتمد على القوانين التنظيمية، نية الدولة في احترام حرية التنظيم، وفعالية المواطن/المجتمع المدني في المطالبة بهذا الحق.

الأطر القانونية والفهم القانونيما ينص عليه الدستورالدستور في المادة 41 يضمن «حرية التعبير، الاجتماعات، والتجمعات/التكوين» لمواطني الدولة

  • في المادة 42: الحق في إنشاء أحزاب سياسيّة معترف به ومضمون. لكن يشترط ألا تنشأ أحزاب على أساس ديني، لغوي، عرقي، جنسي، مناطقي أو جهوي. كذلك لا يجوز أن تخضع الأحزاب لـ «مصلحة أجنبية»، أو تنتهج العنف أو الإكراه، ويجب أن تحترم «القيم الأساسية للوطن، الوحدة الوطنية، سيادة الشعب، طبيعة الدولة الديمقراطية والجمهورية
  • الدستور أيضاً يشير (بالمادة 43 غالباً حسب النصوص) إلى أن :الحق في تكوين الجمعيات مضمون»، وأن الدولة تشجع ازدهار الحركة الجمعوية.

هذا يعني أن كل مواطن جزائري عنده الحق ليؤسس جمعية أو حزب، ضمن احترام المبادئ الدستورية: وحدة الوطن، الديمقراطية، القانون، الحيز الوطني، وعدم الانتماء الأجنبي، الخ.

ما ينص عليه القانون (تحديدا قانون 12‑06 و 12‑04)

قانون الجمعيات — 12-06

  • عرف القانون «الجمعية» كتنظيم مدني، غير ربحي، يجتمع فيه أشخاص (طبيعيون أو معنويون) على أساس عقدي لهدف اجتماعي، ثقافي، علمي، رياضي... الخ.
  • لكن لتأسيس جمعية قانونيا يلزم ان يتم  التسجيل الرسمي، والحصول على “إيصال تسجيلاي الاعتماد (registration receipt)” من السلطات. بدون هذا الاعتماد، لا يمكن للجمعية أن تعمل رسميا لا تفتح حساب بنكي، لا استئجار مقر، لا تنظيم أنشطة رسمية.
  • شروط إضافية: الأهداف والنشاطات يجب أن تحترم القيم الوطنية، النظام العام، الأخلاق، قوانين الجمهورية.
  • التمويل والتعاون مع جهات أجنبية يخضع لموافقة مسبقة للسلطات (وزارة الداخلية أو الوالي)، مع ضرورة تقديم عقد تعاون.
  • يحظر أن تتلقى الجمعية تمويل من حزب سياسي أو أن يكون لها تعاملات أو ارتباط سياسي رسمي أي فصل بين المجتمع المدني (الجمعيات) وبين الأحزاب السياسية.
  • في حالة رفض التسجيل، أو تعليق حل الجمعية: القانون يتيح للسلطات هذا الحق دون الحاجة لحكم قضائي مسبق — في اعتراض كثير على هذا الأمر باعتباره انتهاك لحرية التنظيم. .
  • منظمات حقوقية قالت إن القانون 12‑06يضيق نطاق العمل الجمعوي” ويفرض “بروتوكولات بيروقراطية + رقابة مشددة + شروط للتمويل + رقابة على التعاون الأجنبي” — وهذا يخالف روح الدستور بحسبهم.

قانون الأحزاب — 12-04 هذا القانون هو الإطار القانوني الذي ينظم إنشاء الأحزاب السياسية، شروط التسجيل، التمويل، ممارسة النشاط، علاقة الحزب بالدولة.

  • كما ان الدستور، يُمنع تأسيس حزب على أساس ديني، لغوي، عرقي، جهوي، نقابي، جنسي أو مناطقي ولتفادي التجزئة والانقسام على أساس انتماءات ذات طابع خاص.
  • يُحظر خضوع الأحزاب لأي نفوذ أو مصلحة أجنبية، وعدم استخدام العنف أو الإكراه في أنشطتها.
  • القانون يضبط جوانب مثل التمويل، الشفافية، الحقوق التي يستفيد منها الحزب (ديمقراطية داخلية، تمثيل، تمويل، إمكانية المشاركة في الانتخابات...) — شريطة أن يكون معتمد قانونياً.

نقاط تطابق بين القانون موافق للدستور

مدى التوافق

الحكم / الحق

الدستور يكفلها/ القانون ينظمها (قانون 12‑06) لكن يضع شروط.

الحق في إنشاء الجمعيات

الدستور يكفلها / قانون 12‑04 يحدد كيفية التأسيس، التمويل، النشاط.

الحق في إنشاء أحزاب سياسية والتعددية الحزبية

الدستور + القانون يتفقان على هذا المبدأ.

منع الأحزاب على أساس ديني/عرقي/جهوي --- توحيد الهوية الوطنية

الدستور يشير للوحدة/سيادة ---القانون يمنع أو يشترط موافقة.

منع الخضوع لمصالح أجنبية أو تمويل خارجي للأحزاب/الجمعيات

القانون ينظم التمويل والشروط، متوافق مع مبدأ الشفافية.

تنظيم التمويل والشفافية (للحزب أو الجمعية)

خلاصة الدستور يعطينا مبدأ قوي وواضح: حرية تكوين جمعيات وأحزاب، مع ضمان التعددية والديمقراطية.

  • لكن القوانين التنظيمية خاصة قانون الجمعيات 12‑06 أضافت صفية تشريعية/إدرية: يعني الحق أصبح مشروط، خاضع لإجراءات، رقابة، في كثير من الحالات سلطة تقديرية.
  • هذا يؤدي إلى فجوة كبيرة بين “حق نظري” (دستوري) و”حق عملي” (قابل للتطبيق بحرية): بعض الجمعيات أو الأحزاب لا تنجح في التسجيل، أو تقمع، أو تعطل أنشطتها.
  • من جهة، الدولة/السلطات تدافع أن القانون ضروري لمنع “استغلال الجمعيات/الأحزاب” أو “استعمالها من جهات أجنبية” لكن من جهة أخرى كثير من الحقوقيين يرون أن هذا “يضيق” على المجتمع المدني ويجعل من الصعب وجود مجتمع مدني مستقل.
إذن: ضمان الدستور وحده لا يكفي ما يهم هو شفافية القانون، عدالة التطبيق، استقلالية القضاء، احترام حقوق المواطنة  هذا هو التحدي الحق

آخر تعديل: Wednesday، 7 January 2026، 3:56 PM