لمحاضرات الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة

 

المحاضــرة الخامســـة:

"الخطاب الشّعري القديم وتطبيقات المنهج الأسلوبي"

 

مفهوم المنهج الأسلوبي:

    "الأسلوب" هو الطّريقة التّي يستعملها الكاتب في التّعبير عن موقفه، والإبانة عن شخصيته الأدبية المتميّزة عن سواها، إذ يختار المفردات ويصوغ العبارات، ويأتي بالمجاز والإيقاع اللّذين يناسبان نصّه، حتّى قيل " الأسلوب هو الرّجل".

    يُعدّ "المنهج الأسلوبي" من بين المناهج المنبثقة عن البنيوية، والأسلوبية هي علم الأسلوب، أي تطبيق المعرفة الألسنية في دراسة الأسلوب. ويتّفق الباحثون على أنّ أوّل من استخدم مصطلح الأسلوبية هو "نوفاليس" والذّي كانت تختلط الأسلوبية عنده بالبلاغة، إلّا أنّ معالم الأسلوبية اتّضحت بدايات القرن العشرين مع "شارل بالي" تلميذ "دوسوسير"، الذّي أسّس هذا العلم في كتابه الرّائد (مبحث في الأسلوبية الفرنسية) سنة 1909.

    وصف كلّ من "جوليان غريماس" و "جوزيف كورتيس" الأسلوبية، بأنّها: مجال بحثي يندرج ضمن التّقليد البلاغي، لم تفلح في تنظيم نفسها في علم مستقل. بينما وسم كلّ من "تزفيطان تودوروف" و "أوسوالد دوكرو" الأسلوبية أنّها: الوريث المباشر جدّا للبلاغة. لكنّنا في المقابل نجد مجموعة من الذّين اختاروا السّير قُدما في درب الأسلوبية قد تهجّموا على البلاغة ووصفوها بالعَجوز، ومنهم "ريفاتير" الذّي اعتبر البلاغة المعيارية من عراقيل الأسلوبية.

    و"الأسلوبية" بوصفها منهجا نقديا، يصنّفها "جون دوبوا" على أنّها: فرع من فروع اللّسان، وهذا ما يؤكّده "ميشال أريفي" بقوله: الأسلوبية وصف للنص الأدبي حسب طرائق مستقاة من اللّسانيات، وهو إثبات لدور اللّسانيات في بلورة مفهوم الأسلوبية. وقد نادى "رومان جاكبسون" في إحدى محاضراته الشّهيرة إلى توثيق العلاقة بين اللّسانيات والأدب عموما.

    وإذا جئنا إلى تعريف "الأسلوبية"، يقول "عبد السّلام المسدي" في كتابه (الأسلوب والأسلوبية): (الأسلوبية علم لساني يُعنى بدراسة مجال التصرّف في حدود القواعد البنيوية  لانتظام جهاز اللّغة). ومن هنا يمكن القول إنّ "الأسلوبية" منهج نقدي يدرس النص الأدبي من خلال سياقه اللّغوي، فالأسلوبية تبيّن الخصائص المميّزة لكلّ عمل أدبي، وبالتّالي تتناول النص بلاغيا وجماليا ودلاليا.

  مقولات الأسلوبية:

    تتحدّد مقولات الأسلوبية في ثلاثة عناصر هي: الاختيار، التّركيب، الانزياح.

 أ-الاختيار:

    إنّ لغة النص الأدبي هي لغة مميّزة، وهذا التّميز يبيّن لنا أنّ الكاتب أو الشّاعر قد اختار من المعجم اللّغوي الضّخم، مجموعة من الكلمات حتّى يستطيع تكوين رسالته، وإحداث الأثر المرجوّ منها، وبالتّالي التّواصل مع المتلقّي وإحداث الأثر الفنّي، فهاهو "جوزيف شريم" يقول في هذا الصّدد: (إنّ الكتابة إجمالا والكتابة الشّعرية خاصة، هي نوع من الاختيار، يقوم به الشّاعر على مستوى كلّ بيت من أبيات القصيدة)، كما أثبت "تشومسكي" ذلك بقوله: (الجمل تولد عن طريق سلسلة من الاختيارات للكلمات داخل الجملة).

 ب-التّركيب:

    إنّ تركيب النصّ الإبداعي خاصة حين ثورته على النّمط النّحوي السّائد الذّي يحترم قانون النّحو، وتكوينه لتركيب جديد غير مألوف لدى المتلقّي، هو الذّي يبعث "الدّهشة والتوتّر"، ومن هنا كانت "الأسلوبية" متتبّعة له، محاولة طرح السّؤال "لماذا؟"، والإجابة عن هذا السّؤال والتوصّل إلى فهم التّركيب الطّارئ، لَهُوَ بحقّ السّبيلُ إلى فهم العمل الأدبي والوقوف على فنّيته وإبداعيته، فـ: "جون كوهين" يرى بأنّه (لا يتحقّق الشّعر إلّا بقدر تأمّل اللّغة وإعادة خلقها مع كلّ خطوة).

 جـ -الانزياح:

    الانزياح أو الانحراف هو انحراف عن قانون النّحو، والاستعارة انحراف عن الأسلوب الواضح الدّقيق، ومنه فالانحراف هو الخروج عن المألوف المعتاد في الكلام العادي بين الأفراد في المجتمع، والاتّجاه نحو صيغة كلامية تبعث الإيحاء وتحثّ على التّأويل، وبالتّالي خلق التوتّر والاستغراق في حالة التأثّر ومحاولة الشّرح، أو كما يسمّيه بعض الباحثين بـ: "مواطن الخروج على المستوى العام الذّي عليه الاستعمال العادي للّغة".

 تطبيقات المنهج الأسلوبي على الشّعر العربي القديم:

    يبدو أنّ تيار "الأسلوبية" في العالم العربي قد بدأ في المغرب والجزائر وتونس وسوريا، ثمّ انتقل إلى المشرق العربي، وقد مثّل كلّ دولة مجموعة من الباحثين العرب، ففي السّعودية الدّكتور "عبد اللّه الغذّامي" والذّي تتلمذ على يد الدّكتور "سعد مصلوح"، وفي تونس الدّكتور"عبد السّلام المسدّي"، وفي مصر طائفة من الباحثين أمثال: (صلاح فضل، محمّد عبد المطّلب، شكري عيّاد، عبد المحسن طه بدر، أحمد درويش، محمّد السّعران)، وفي الأردن (خليل أبو عمايرة)، وفي المغرب (محمّد الهادي الطّرابلسي)، أمّا في الجزائر (عبد الملك مرتاض، نور الدّين السد).

    ولقد تنوّعت بحوث هؤلاء النقّاد والباحثين العرب بين النّظرية الصّرفة، التّي ترصد وتفحص تصوّرات هذا العلم على السّاحة النّقدية، وأخرى تطبيقية لإبراز إمكانات التّحليل الأسلوبي في العملية النّقدية، وثالثة حاولت التّوفيق والجمع بين الجانبين، ضف إلى ذلك بعضَ الآراء الاجتهادية والتّطبيقات الفردية.

    ومن الكتب التّطبيقية في هذا المجال، كتاب (الأسلوبية والتّقاليد الشّعرية: دراسة في شعر الهذليين) للدّكتور "محمّد أحمد بريري"؛ حيث جاء هذا الكتاب في بابين، الأول بعنوان: "تفاعل الهذليين مع تقاليد التّراث"، وقد قُسّم إلى فصلين: "حدثان الدّهر" و "الخمر والمرأة". أمّا الباب الثّاني فكان بعنوان: "التفرّد من خلال التّقليد"، والذّي قُسّم هو الآخر إلى فصلين اثنين هما: "تحليل عينية أبي ذؤيب في ضوء فكرة التّفاعل مع التّقاليد الشّعرية"، و "الأمّ و وحيدها وأسطورة القدر".

    لقد سعى "محمّد أحمد بريري" من خلال هذه الدّراسة إلى الكشف عن الخصائص الشّعرية التّي تميّز الهذليين عن طريق النّظر في خصائصهم الأسلوبية التّي تظهر في أدائهم الشّعري حين يتناولون موضوعات الشّعر العربي القديم التّقليدية.

    وقد كانت الفكرة النّظرية الجوهرية التّي توجّه بها الكتاب، هو أنّ الشّاعر لا يبدع إلّا من خلال التّفاعل الخلّاق مع تقاليد تراثه، وشعر الهذليين- بناء على هذا- ليس إلّا حصيلة نوع خاص من التّفاعل مع تقاليد الشّعر العربي، أثمر في النّهاية عن هذا الشّعر ذي الطّبيعة المتميّزة التّي حاول الكتاب أن يجلّيها ويُلقي الضّوء على معالمها الرّئيسة.

    يتبيّن لنا من خلال الباب الأوّل من الكتاب، أنّ مشكلة المواجهة بين الإنسان والقدر تشكّل محورا رئيسا من محاور التّجربة الشّعرية عند الهذليين، ممّا طبع شعرهم بطابع خاص، وكانت الظّاهرة الأسلوبية الأساسية التّي انطلقت منها الدّراسة في هذا الباب هي ما لوحظ من تردّد شعار"حدثان الدّهر" عند كثير من شعراء هذيل، وهو شعار ارتبط بتقليد أساسي من تقاليد الشّعر العربي القديم، ألا وهو الكلام عن الصّراع بين الرّامي والحمار والثّور الوحشيين.

    كما تحدّث "بريري" عن كلام الشّعراء العرب القدامى عن الخمر، والذّي يُعدّ واحدا من تقاليد الشّعر العربي التّي تناولها بعض الهذليين، كما كشف عن الأسلوب الخاص الذّي انتهجه الهذليون في هذا السّبيل، بوصفه أحد وجوه التّفاعل بينهم وبين تقاليد التّراث. واتّضح من خلال النّظر في التّفصيلات والظّواهر الأسلوبية الفرعية التّي ساقها الهذليون في إطار هذه الظّاهرة الأسلوبية الرّئيسة، أنّ هناك معنى باطنا يوجّه الشّعراء في كلامهم عن الخمر والمرأة، ويربط بين الموضوعين، وهو معنى الصّفاء والطّهر الذّي بثّه الشّعراء في الوجود الشّعري لهذين الموضوعين بالوسائل التّعبيرية نفسها. وفقد اقتضى التعلّق بمعنى الصّفاء والطّهر ضروبا من التّضحية والجهاد في سبيل الاتّصال بالمرأة والحصول على الخمر. وقد عبّر الشّعراء عن جهادهم في سبيل الاتّصال بالمرأة، بطريقة تشبه تعبيرهم عن سعيهم في سبيل الحصول على الخمر، ممّا مكّن من الكشف عن العلاقة الخفية التّي تربط بين هذين الرّمزين.

    وقد ظهر من خلال التّفصيلات الأسلوبية والبنائية أنّ التّسليم بحتمية القدر لا يعني عند الهذليين القنوط والاستسلام، بل إنّ شعر الهذليين يُنبئ عن ولاء عميق لفكرة السّعي والمجاهدة رغم التّسليم بحتمية القدر.

    وقد تأكّدت هذه النّتيجة وازدادت وضوحا من خلال النّظر في "عينية أبي ذؤيب" في الباب الثّاني من الكتاب، ومن خلال النّظر في نمط خاص من القصائد، تناول فيه كل من (أبي ذؤيب  و ساعدة وأبي صخر) قصّة "الأمّ وولدها الوحيد" الذّي يتربّص به القدر. وكان من أهمّ ما انتهى إليه الكتاب في هذا الباب: هو أنّ التّسليم بحتمية القدر لا ينفكّ عند الهذليين عن إثارة الإحساس ببطولة الكائنات التّي تُظهر ضروبا من المقاومة في مواجهة الشّرور التّي تسوقها الأقدار.

    وقد أدّى الرّبط بين مظاهر التّعبير عند الهذليين إلى الوقوع على بعض العلاقات الكامنة بين بعض وجوه القول في الشّعر القديم. فقد اتّضح –مثلا- أنّ كلام الهذليين عن قدرتهم على النّجاة من أعدائهم، يرتبط في وعيهم الشّعري بفكرة الصّراع مع الشّرور التّي يقضيها لهم القدر، وقد كانت هذه النّتيجة أثرا من آثار الاعتداد بملاحظة وجوه الاتّفاق والاختلاف بين مظاهر التّعبير التّي ترتبط بموضوعات ورموز شعرية بعينها.

 

 

 

 

 

 

المحـــاضرة السّـــادسة:

   "الخطـاب الشّـعري القديـم وتطبيقات المنهج الأسطـوري"

 

مفهوم المنهج الأسطوري:

    يُعدّ "المنهج الأسطوري" واحدا من المناهج الحديثة في النّقد الأدبي، وهو منهج يتصدّى لدراسة النصّ الأدبي وفق التّفسير التّراثي- الأسطوري. ولا يُعدّ هذا المنهج في حقيقته بعيدا أو منفصلا عن المناهج النّقدية الحديثة الأخرى، بل على العكس من ذلك؛ فهو يتضمّن المنهج التّاريخي من خلال محاولته ربط الشّعر بالحضارة، وهو يتضمّن دراسة تاريخية مقارنة في أغلب الأحيان، لأنّه يعمل أو يقوم على مقارنة النصّ الأدبي قديمه أو حديثه بالموروث الثّقافي والحضاري، ورصد مواضع إفادة استلهام الثّاني من الأوّل، انطلاقا من ربط الحاضر بماضي الإنسان البشري. فضلا عن استعانته بكثير من نظريات علم النّفس، كنظريات "فرويد ويونغ"...ونظريات علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا.

    يدرس "المنهج الأسطوري" الأساطير والرّموز الخيالية، التّي تكون بديلا وتعويضا لما هو واقعي ومادي، في حين تكون الرّموز وسائطَ وعلامات بين الدّاخل الذّاتي والواقع الخارجي الموضوعي. كما أنّ هذا المنهج لا غنى له عن المنهج اللّغوي، والمناهج التّحليلية الأخرى، من "بنيوية وأسلوبية و سيميائية"، ذلك أنّ الإحاطة بالنصّ الأدبي لا تكون شاملة إلّا في ظلّ تعدّد زوايا النّظر، ودراسة النّصوص من زاوية علاقاتها الدّاخلية وارتباطها بأنظمة العلامات الثّقافية المختلفة، مع مراعاة طبيعة وشروط  القراءة والتلقّي.

    يستند هذا المنهج إلى معطيات الأنثروبولوجيا والنّشوء، وهو يستمدّ مكوّناته بالأساس من كتاب "جيمس فريزر" في (الغصن الذّهبي)، والذّي يُعدّ من أشهر الكتب في هذا المجال، فضلا عن أصحاب المدرسة الإنجليزية التّي ظهرت في القرن التّاسع عشر، وهي مدرسة أنثروبولوجية، تبدأ بــ: (إدوارد تايلور، أندرو لانج، هارتلاند، كرولي، فريزر، أرنست كاسيرر، كلود ليفي شتراوس، كارل يونغ، هاريسون، كورنفورد، جيلبار موري، ...). وقد عالج أصحاب هذه المدرسة في كتب تمّمت بعضها البعض، القاعدةَ الشّعائرية الكامنة وراء الصّراع في الفنّ والمسرحية والملحمة والدّين والفلسفة عند اليونان.

  أهمّ أعلام المنهج الأسطوري:

  - كلود ليفي شتراوس:

  يُعدّ "شتراوس" من أهمّ المشتغلين المؤثّرين في مجال الأنثروبولوجيا والأساطير، وقد عمل على دراسة الأساطير دراسة مقارنة على غرار دراسة "فريزر" ولكن بشكل مغاير، فهو يحدّد هدف الدّراسات الأنثروبولوجية بأنّه ليس معرفة المجتمعات في نفسها، وإنّما اكتشاف كيفية اختلافها عن بعضها البعض، فمحور دراسته هو (القيم الأخلاقية).

    يتأسّس منهج "شتراوس" على أنّ الأساطير ينبغي أن تُفسَّر على شكل وحدة تامة، ولا يمكنها أن تفصح عن معناها عندما تُدرَس على شكل قصص منفردة، بمعنى أنّ كلّ أسطورة يجب تجزئتها إلى مظاهرها التّكوينية، ثمّ تُدرس كلّ من هذه المظاهر على شكل وحدة، على افتراض أنّ تلك الأحداث ستفصح عن تشابه في البنية. كما يؤكّد "شتراوس" على أهمية سرد الأسطورة لأجل التّعريف بها، فهي جزء من الكلام البشري، لذا يمكن لتحليلها أن يكون امتدادا لحقل آخر هو " اللّسانيات البنيوية".

    يشير "شتراوس" إلى الاختلاف بين الأسطورة واللّغة، على غرار التّمييز الذّي عرضه "سوسير" بين النّظام اللّغوي والحدث الكلامي، أي بين البنية والحدث الفردي؛ إذ إنّ الرّواية لكلّ أسطورة حدثها الكلامي، تنشأ عن البنية الأساسية لنظامها اللّغوي، فمسرحية (أوديب ملكا) لــ: سوفوكليس –على سبيل المثال- بوصفها حدثا كلاميا، تستند إلى النّظام اللّغوي لأسطورة "أوديب" العامة، ومن الممكن تمييز مستوى ثالث، فالأسطورة في سردها الفردي محدّدة دائما في زمنها، لأنّها تشير إلى أحداث سحيقة في القدم.

    وقد قام "شتراوس" بدراسة مستفيضة في تطبيق منهجه على مختلف مناحي الحياة، فنراه يدرس قيم المخالفة في الحكايات الشّعبية، ويدرس نظام الطّعام، كما يتناول بالدّراسة الاجتماعية نظام اللّغة بنائيا، وهو يطبّق هذا المنهج في مختلف مجالات العلوم الاجتماعية واللّغوية وغيرها، على وفق منهج ثابت ومحدَّد، سعيا إلى تحديد قواعد وأسس الدّراسة المنهجية التّي يروم الوصول إليها لغرض إخضاعها إلى جانب الموضوعية العلمية.

 - نورثروب فراي:

    تتناول دراسات "فراي" كلّ الأساطير والأعمال الأدبية بوصفها التّعبير العفوي للزّمن؛ ويقصد "فراي" بالأنماط الأصلية الرّموزَ المكرّرة التّي تشكّل الأساس للعديد من الأعمال الإبداعية، فهي تعبير اقترن عنده بالإحساس بوجود نمط أو نموذج يُستخدم في العمل الإبداعي. كما يرى في منهجه أنّ أشكال وأنماط الأعمال الأدبية والفنية عموما، وثيقة الصّلة بالحياة والعالم المحسوس، ومنها يستقي الكاتب مادته. فقد قيل منذ القدم: إنّ الشّعر الذّي يُعدّ أقدم الأصناف الأدبية التّي عرفها الإنسان، مليئ بالصّور والرّموز والأساطير التّي تجسّد أنظمة التحوّل والتّكرار في الكون؛ فتعاقب الفصول وأوقات النّهار، وفترات الحياة والموت، قد ساعد في إعطاء الأدب ذلك التّنسيق بين الحركة والنّظام، بين التّغيير والانتظام، وهو أمر لا غنى عنه في كافة الفنون.

    وتتألّف هذه المحاكاة من نوعين: الأوّل: يعطي التّفسيرات الأسطورية للكون والحياة التّي تنعكس في عدّة صور شائعة في الأدب مثل: الجنّة والنّار، جنّة عدن، العالم العلوي.....

أمّا الثّاني فهو الإضافة الجوهرية التّي قدّمها "فراي"، في تركيزه على دور الأسطورة في تشكيل وتنظيم الأدب بوصفه (مجموعة معارف منهجية) وبالتّالي فإنّها –أي الأسطورة- تشكّل الأرضية لتفسير الأعمال الأدبية، ويرتبط هذا التّفسير بعلم الكونيات، والظّواهر الطّبيعية التّي يحاكيها الأدب غالبا، سواء في الشّكل أو المضمون، ولاسيما النّظام الدّوري في الطّبيعة الذّي يحمل العديد من نقاط الشّبه مع حياة الإنسان. و بالتّالي فأهمية الأسطورة في الأدب تكمن في كونها تمثّل روح الجماعة والعفوية التّي تحملها، والأهمّ من ذلك التّركيز على الأسطورة بوصفها نسقا أو نظاما يقدّم لنا أساسا منهجيا لدراسة الأعمال الأدبية.

 

 

تطبيقات المنهج الأسطوري على الشّعر العربي القديم:

      ظهرت دراسات كثيرة تحاول دراسة الأدب العربي قديمه وحديثه على ضوء "المنهج الأسطوري" في العقود الأخيرة من القرن العشرين. كدراسة الدّكتور "عبد الجبّار المطلبي"، إذ تصدّى فيها إلى عرض وتحليل مشهد الرّحلة في القصيدة الجاهلية، واستجلاء رموز ثور الوحش، العنصر الرّئيس في هذا المشهد، إذ وقف إزاء الأسباب الخفية وراء تكرار هذا المشهد، حتّى أصبح من أبرز العناصر المكوّنة للقصيدة العربية القديمة، ويبدأ النّاقد دراسته بالتّساؤل عن هذا التّقليد، الذّي عالج فيه أكثر الشّعراء الجاهليين قصّة الثّور، وكيف ضلّ عن قطيعه، وألجأه اللّيل والمطر إلى إحدى الأشجار، حتّى إذا جاء الصّباح التحم بمعركة مع كلاب الصّيد... والسّؤال الذّي يُطرح هنا: هل يمكن القول إنّ هذا المشهد قد انحدر إلى الجاهليين من أجيال سابقة تقليدا أدبيا محضا؟ أم أنّه يحمل مغزى دينيا قديما، انقرضت طقوسه، ولم يبق منه إلّا موضوع تتبارى فيه قرائح الجاهلية وملكاتهم الشّعرية؟

    لقد عمد "المطلبي" إلى التّاريخ العربي القديم، ليطلعنا على صورة الثّور عند السّومريين، إذ يمثّل الثّور الإله الذّي يرمز إلى القوّة والخصب، وهو إله العواصف أيضا، واسمه "إنليل"، وقد عبده السّومريون وعبدوا البقرة معه، ومن اتّحادهما في زواج مقدّس، فاضت ضفاف دجلة والفرات بالخصب على أرض "سومر"، وهكذا نظر سكّان العراق القديم إلى الثّور رمزا لقوّة خصب عظيمة، تتّصل بحاجاتهم ومعيشتهم.

    وقد أظهر علم الأنثروبولوجيا الحديث أنّ كثيرا من هذه الأساطير إنّما هي تعبيرات رمزية للمعضلات والصّراع داخل مجموعة ما، فكثيرا ما عبّرت أسطورة أو خرافة بقناع شفّاف عن المشكلات الرّئيسة لشعب من الشّعوب، ورأى بعض المؤرّخين أنّ لملحمة "جلجامش" مغزيين؛ الأوّل يعبّر عن فلسفة الحياة، والثّاني يسرد في رموز عميقة قصّة الأجيال القديمة التّي تتّصل بدورة الحياة.  ويخلص الباحث بعد سبر أغوار التّاريخ لتتبّع مسيرة عبادة الثّور في معظم البلاد القديمة، إلى أنّ عبادة العرب داخل جزيرتهم قد تأثّرت بعبادة الآخرين وآلهتهم.

    ويرى "المطلبي" أنّ القصائد التّي وردت إلينا منهم، تصوّر في سردها لقصّة الثّور، كثيرا من هذه الملامح، ومنها ارتباط البقر بنزول المطر في بعض عاداتهم وسلوكهم في ظروف معيّنة. فكلّ صورة من القصائد تسرد قصّة الثّور، تذكر ليلة ممطرة أو تحتوي على إشارة إلى ليلة ممطرة، ممّا يدلّ دلالة واضحة على ذلك الارتباط القديم بين الثّور والخصب-المطر. وهذا يؤكّد ترابط الحاضر بالماضي، وارتباط الإنسان ثقافيا وطبيعيا بالإنسان البدائي الأوّل، فكلّ القوالب الفنية المتكرّرة تدلّ على هذا التّرابط اللّاشعوري بين النّاس.

    والحقيقة أنّ مضمون مشهد صراع الوحش يمثّل في بعده الأشمل، كما رأى بعض الباحثين، مضمونا تأمّليا وجوديا، يحمل في ثناياه نوازع الهمّ الإنساني العميق في صراعه ضدّ الموت، والتشبّث بأذيال الحياة في دورة الصّراع غير المتناهية من أجل البقاء.

    ومن الدّراسات الأسطورية النّقدية الأخرى لأدبنا العربي القديم، دراسة الدّكتور "مصطفى ناصف" في كتابه (قراءة ثانية لشعرنا القديم)، وهو عبارة عن فصول نقدية متنوّعة انكبّ فيها على الشّعر الجاهلي بالفحص والتّحليل والتّقويم، من خلال رؤية جديدة وهي الرّؤية الأسطورية، والتّي تبحث عن الثّوابت العقلية اللّاشعورية للمجتمعات، وخاصة غير المتحضّرة، ورصد الثّوابت المشتركة من المشاعر والشّعائر والطّقوس والعادات والعقائد، التّي تتكرّر ثقافيا واجتماعيا عند المبدعين والفنّانين، والتّي تعبّر عن الرّغبات اللّاواعية لكلّ فرد داخل المجتمع الإنساني، مستندا إلى اللّاشعور الجمعي لدى "كارل يونغ".

     ولفهم هذا الشّعر لابدّ من ربطه بثقافة الشّاعر وعقله الباطني وعصره الاجتماعي، وينبغي أن يُدرس لا كظواهر فردية، بل كظواهر جماعية وثقافية وحضارية. يبدأ "مصطفى ناصف" بدراسة الأطلال نصيّا وتطبيقيا من خلال استحضار معلّقتي (زهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة)، معتمدا على نظرية "كارل يونغ" في تأويل القصيدتين، ليصل بعد ذلك إلى أنّ الأطلال ظاهرة جماعية وليست فردية، أي تعبّر عن الأنماط العليا الثّابتة والرّاسخة في العقل الباطن واللّاشعور الجماعي. و المقصود من ذلك أنّ ظاهرة الأطلال تجربة فنّية قائمة على التّكرار واستعادة الماضي الموروث في شكل طقوس وشعائر جماعية، وبذلك يعبّر الطّلل عن صلة الماضي بالحاضر، والمكان المقترن بالطّلل يمثّل بؤرة انصهار الزّمان.

    ومن خلال حديثه عن النّاقة في سينية "امرئ القيس"، يرى الدّكتور "ناصف" أنّ فرضية الاستطراد في قصّة النّاقة، وصلتها بثور الوحش أو الحمار الوحشي، إنّما هي صورة تتداعى إلى ذهن الشّاعر، لأنّها جزء من طقوس دينية مقدّسة، ذلك أنّ الشّعراء يحتضنون الأشياء بخيالهم وحواسهم.

    ومنه فالدّكتور "ناصف" قد تعامل مع الشّعر الجاهلي من زاوية أنثروبولوجية أسطورية، إذ نظر إلى مجموعة من مكوّنات الشّعر الجاهلي، على أنّها رموز ومتعاليات جماعية مشتركة مترسّبة في ذاكرة الإنسان العربي، تؤرّخ لمجتمعه وحضارته، وتعبّر
عن ماضيه وحاضره ومستقبله.

 

عنوان المحاضرة: الخطاب الشعري القديم وتطبيقات المنهج السيميائي

تَمْهِيدٌ:

    ظَهَرَ مُصْطَلَحُ "السُوسيُو نَقْدِيَةِ"*، مَعَ بِدَايَةِ سَبِعِينَاتِ القَرْنِ المَاضِيِ، فِي مُخْتَلَفِ التَدَاخُلاَتِ، التِي تَنَاوَلَتْ الأَدَبَ فِي مَنْظُورِ عَلاَقَتِهِ بِالمُجْتَمَعِ، وَقَدْ اِشْتَهَرَ بِهَذَا المُصْطَلَحِ النَاقِدُ الفِرَنْسِيُ "كلود دوشي" "Claude Duchet"، حِينَمَا تَسَاءَلَ فِي مَقَالِهِ الأَوَّلِ عَنْ طَبِيعَةِ المُصْطَلَحِ، وَمَدَى اِسْتِعْمَالِهِ فِي حَقْلِ الأَدَبِ، ذَلِكَ لِلإِشَارَةِ مِنْ جَدِيدٍ إِلى بَعْضِ التَيَارَاتِ المَعْرُوفَةِ فِي التَحْلِيلِ الاِجْتِمَاعِيِ لِلأَدَبِ، مِثْلُ: النَقْدِ الوَضْعِيِ، وَالمَارْكِسِيِ، وَالبِنْيَوِيِ، هَلْ هُوَ جَمْعٌ لِتَيَارَاتٍ مُتَعَدِدَةٍ، فِي الدِرَاسَةِ النَقْدِيَةِ لِلأَدَبِ عُمُومًا، مِثْلُ: عِلْمِ المَعَاجِمِ، وَعِلْمِ الأُسْلُوبِ، وَعِلْمِ الاِجْتِمَاعِ، وَعِلْمِ الدَلاَلَةِ؟1

    وَلِتَفَادِي الاِخْتِلاَطِ آثَرَ "كلود دوشي" تَحْدِيدَ مَيْدَانَيْنِ مَعْرُوفِيْنِ، لِكَي يَفْتَحَ الطَرِيقَ أَمَامَ مَنْهَجِ السُوسيُو نَقْدِيَةِ، وَلِيُوَسِّعَ مَيْدَانَ اِسْتِقْصَائِهَا؛ إِذْ يَتَكَوَّنُ المِحْوَرُ الأَوَّلُ مِنْ سُوسيُولُوجِيَا الإِبْدَاعِ الثَقَافِيِ، المَنْهَجُ الذِي اِسْتَحْدَثَهُ "لوسيان غولدمان" "Lucien Goldman" تَحْتَ اِسْمِ "البِنْيَوِيَةِ التَكْوِينِيَةِ"، وَهِيَ فَلْسَفَةُ رُؤْيَةِ العَالَمِ، بِمُسْتَوَيَيهَا الاِثْنَينِ فِي تَحْلِيلِ العَمَلِ الثَقَافِيِ: الفَهْمُ وَالشَرْحُ.

    أَمَّا المِحْوَرُ الثَانِي، فَيَتَكَوَّنُ مِنْ سُوسيُولُوجِيَا القِرَاءَةِ وَالإِنْتَاجِ الأَدَبِيِ، خَصَّصَ لَهُ "روبيرت إسكاربيت" "Robert Escarpit" جُلَّ أَبْحَاثِهِ، بِمُسَاعَدَةِ جَمَاعَةٍ مِنَ الدَارِسِينَ، فِي مَعْهَدِ الآدَابِ وَالتِقَنِيَاتِ الفَنِيَةِ الجَمَاهِيرِيَةِ، فِي جَامِعَةِ (بوردو) بِفِرَنْسَا.

    وَتَهْدِفُ "السُوسيُو نَقْدَيِةَ" قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ، إِلى التَرْكِيزِ عَلَى: النَصِ ، النَصِ كُلُّ النَصِ، وَهِيَ دِرَاسَةٌ اِجْتِمَاعِيَةٌ لِلنُصُوصِ الأَدَبِيَةِ، وَطَرِيقَةٌ جَدِيدَةٌ لِقِرَاءَتِهَا2، حَيْثُ يَمْلِكُ النَصُ الأَدَبِيُ حُدُودًا مُتَحَرِكَةً، تَمْتَدُ بَيْنَ أَصْغَرِ وِحْدَةٍ لُغَوِيَةٍ، وَبَيْنَ مَجْمُوعَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنَ الكِتَابَاتِ، وَتَتَغَيَّرُ طَبِيعَةُ النَصِ الأَدَبِيِ حَسبَ الزَاوِيَةِ التِي يَنْظُرُ إِلَيْهَا –مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى-، وَبِالرُغْمِ مِنْ إِعْطَاءِ الأَوْلَوِيَةِ لِلنَصِ قَبْلَ غَيْرِهِ مِنَ المُعْطَيَاتِ الأُخْرَى، نَجِدُ "السُوسيُو نَقْدِيَةَ" تَرْفُضُ دِرَاسَةَ النَصِ مُنْعَزلِاً عَنْ إِطَارِهِ الخَارِجِيِ؛ ذَلِكَ أَنَّ مَشْرُوعَهَا الأَسَاسِيَ هُوَ "اِسْتِرْجَاعُ المُكَوِّنَةِ الاِجْتِمَاعِيَةِ لِنَصِ الشَكْلِيِيِنَ"3، كَمَا تَطْمَحُ إِلى إِظْهَارِ أَنَّ كُلَّ إِبْدَاعٍ فَنِيٍ وَأَدَبِيٍ هُوَ أَيْضًا مُمَارَسَةٌ اِجْتِمَاعِيَةٌ؛ لِأَنَّ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ نَصٍ نَعْثُرُ عَلَى كُلِّ الوَسَائِطِ وَالتَعْقِيدَاتِ اللُغَوِيَةِ، التِي تَكُونُ مِنْ هَذَا النَصِ أَدَبِيًا؛ إِذْ يُوَاجِهُ النَصُ قِرَاءَةَ ذَوِي الثَقَافَةِ وَالأُصُولِ الاِجْتِمَاعِيَةِ المُتَعَدِّدَةِ وَالمُخْتَلِفَةِ، فَقَبْلَ أَنْ يَكْتُبَهُ الكَاتِبُ، وَيَمْنَحَ لَهُ حَرَكَةً وَحَيَاةً، يَكُونُ قَدْ أَدْرَكَهُ القُرَّاءُ بِطَرِيقَةٍ مَا، مُتَسَاوِيَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً مَعَ رُؤْيَةِ الكَاتِبِ، الذِي يُعْتَبَرُ بِدَوْرِهِ قَارِئًا لِنَصِّهِ.

    وَيُبَيِّنُ "كلود دوشي" الصُعُوبَات التِي تَحُولُ دُونَ مَعْرِفَةِ القَارِئِ الأَوَّلِ لِأَيِّ نَصٍ، وَلاَ يُمْكِنُ اِعْتِبَارُ صَاحِب النَصِ هُوَ القَارِئَ الأَوَّلَ، فَالنَصُ الأَدَبِيُ يَمْلِكُ قَانُونَهُ الاِجْتِمَاعِي، الذِي يَتَحَكَّمُ فِي ظُرُوفِ إِنْتَاجِهِ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الاِسْتِقْبَالِ تُسَاعِدُ كَثِيرًا عَلَى إِنْتَاجِهِ.

    مِنْ هُنَا يُمْكِنُ القَوْلُ: إنَّ مَوْضُوعَ "السُوسيُو نَقْدِيَةِ" هُوَ دِرَاسَةُ القَانُونِ الاِجْتِمَاعِيِ دَاخِلَ النَصِ، وَلَيْسَ التَرْكِيز عَلَى القَانُونِ الدَاخِلِيِ لِلنَصِ، بِاعْتِبَارِهِ لَيْسَ سِوَى تَجْرُبَةٍ اِجْتِمَاعِيَةٍ عَبْرَ وَاقِعٍ مُتَخَيَّلٍ، فَهِيَ تَهْتَمُ بِدِرَاسَةِ النِظَامِ الدَاخِلِيِ لِلنُصُوصِ، فِي عَلاَقَتِهَا بِالأَنْظِمَةِ الخَارِجِيَةِ الأُخْرَى، التِي تَحْكُمُ سَيْرَهَا وَشَبَكَةَ مَعَانِيهَا وَتَواتُرهَا.

    وَلِدِرَاسَةِ النَصِ الأَدَبِيِ تَقْتَرِحُ السُوسيُو نَقْدِيَةُ التَفْرِيقَ بَيْنَ ثَلاَثَةِ عَنَاصِر، بِإِمْكَانِهَا نَقْل وَتَوْصِيل الرِسَالَةِ الإِيديُولُوجِيَةِ:

1.    إِيديُولُوجِيَا المَنْطِق: هِيَ تِلْكَ الإِيديُولُوجِيَا الخَاصَة بِالمُجْتَمَعِ فِي شُمُولِيَتِهِ، إِنَّهَا تَظْهَرُ حَيَّةً فِي النُصُوصِ، حَتَى وَإِنْ كَانَتْ نِضَالِيَةً وَمُلْتَزِمَةً، إِنَّهَا إِيديُولُوجِيَا الطَبَقَةِ المُهَيْمِنَةِ وَقِيَمهَا، سَوَاءٌ أأَكَّدَ الكَاتِبُ عَلَى أَصَالَةِ هَذِهِ القِيَمِ، أَم أَبْرَزَ تَدَهْورَهَا أَوْ اِنْهِيَارَهَا أَوْ زَوَالَهَا.

2.    المَشْرُوعُ الإِيديُولُوجِيُ لِلكَاتِبِ: سَوَاءٌ المُعْلَنُ أَوْ المُضْمَرُ، الذِي بِوَاسِطَتِهِ يُدَافِعُ أَوْ يُحَارِبُ الإِيديُولُوجِيَا المُحَارَبَة.

3.    إِيديُولُوجِيَا النَصِ: هَذَا النَصُ المُحَوَّلُ بِوَاسِطَةِ كِتَابَتِهِ وَقِرَاءَتِهِ مَعًا، نَسْتَشِفُّ بِدَاخِلِهِ مَظَاهِرَ العَوْدَةِ إِلى الإِيديُولُوجِيَا الشَامِلَةِ المُهَيْمِنَةِ، أَوْ بُزُوغَ إِيديُولُوجِيَا الاِنْقِطَاعِ وَالمُعَارَضَةِ، يَبْحَثُ هَذَا المَنْهَجُ عَنْ إِعْدَادِ المَعْنَى الأَصْلِيِ لِلنَصِ، وَتِبْيَانِ مَوْقِعِهِ الإِيديُولُوجِيِ الخَاصِ بِهِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ النُصُوصِ، الذِي يُمْكِنُهُ تَحْدِيدَ العَلاَقَةِ القَائِمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُجْتَمَعِ الحَقِيقِيِ؛ إِذْ يَكُونُ التَرْكِيزُ عَلَى القِيمَةِ الخَاصَةِ بِالنَصِ، بِإِبْعَادِ العُنْصُرَيْنِ الأَوَلَيْينِ اللَذَيْنِ يُعْتَبَرَانِ خَارِجَ النَصِ5.

1-المُقَارَبَةُ السُوسيُو-نَقدِيَةُ لِلنَصِ الأَدَبِيِ:

إِنَّ الدِرَاسَةَ "السُوسيُو نَقْدِيَةَ" تَفْتَحُ العَمَلَ الأَدَبِيَ مِنْ الدَاخِلِ، لِتُنْتِجَ فَضَاءً تَنَازُعِيًا، أَيْنَ يُصْدَمُ المَشْرُوعُ الإِبْدَاعِيُ بِمُقَاوَمَاتٍ وَضُغُوطَاتٍ وَشِعَارَاتٍ وَنَمَاذِجٍ اِجْتِمَاعِيَةٍ وَثَقَافِيَةٍ مَوْجُودَةٍ سَلَفًا، مُتَصِلَةً أَسَاسًا بِالطَلَبِ الاِجْتِمَاعِيِ، فِي عَلاَقَاتِهِ بِالأَجْهِزَةِ المُؤَسَسَاتِيَةِ، فَمِنْ دَاخِلِ العَمَلِ الأَدَبِيِ، وَمِنْ دَاخِلِ اللُغَةِ تَسْأَلُ "السُوسيُو نَقْدِيَةُ" الضِمْنِيَ وَالمَسْكُوتَ عَنْهُ، لِتَسْتَنْطِقَهُ وَتَسْتَخْرِجَهُ، اِنْطِلاَقًا مِنْ فَرَضِيَةِ اللاَوَعِيِ الاِجْتِمَاعِيِ لِلنَصِ، عَلَى اِعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي النَصِ هُوَ نَتِيجَةٌ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرٍ لِحَرَكَةِ المُجْتَمَعِ.

    مِنْ هُنَا تَأتِي الأَهَمِيَةُ الحَاسِمَةُ فِي دِرَاسَةِ الوَسَائِطِ،  بَيْنَ "السُوسيُو نَقْدِيَةِ" وَالمُجْتَمَعِ، لِتَتَبَلْوَرَ هَذِهِ المُنْطَلَقَاتُ فِي مَنْهَجٍ نَقْدِيٍ، عُرِفَ بِأَسْمَاءٍ شَتَّى، مِنْهَا: المَنْهَجُ الوَاقِعِيُ، المَنْهَجُ الاِجْتِمَاعِيُ، المَنْهَجُ المَارْكِسِيُ، المَنْهَجُ المَادِيُ التَارِيخِيُ، المَنْهَجُ الإِيديُولُوجِيُ، النَقْدُ الجَمَاهِيرِيُ... تَبَعًا لِلاِتِجَاهَاتِ وَالنِزَاعَاتِ، التِي تَفَرَّعَتْ عَنْ الفَلْسَفَةِ الأُمِ، وَتَبَعًا لِخُصُوصِيَةِ كُلِّ نَاقِدٍ6.

2- جورج لوكاتش وَنَظَرِيَةُ الاِنْعِكَاسِ:

    إِذَا كَانَتْ الرِوَايَةُ حَسَبَ "لوسيان غولدمان" و"جورج لوكاتش": "هِيَ قِصَّةُ كِفَاح ِبَطَلٍ مُنْحَطٍ، يُوَاجِهُ حَاضِرًا مُنْحَطًا مُتَدَهْوَرًا، بَحْثًا عَنْ قِيَّمٍ أَصِيلَةٍ، تُعِيدُ لَهُ مَقَامَهُ، وَلِلوُجُودِ وَجَاهَتُهُ"7، فَإِنَّهُ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَعْرِفَ مِنْ خِلاَلِ هَذِهِ العِبَارَةِ المَسَارَ الذِي حَادَتْ عَنْهُ الرِوَايَةُ، ثُمَّ مَعْرِفَةُ المَسَارِ الجَدِيدِ الذِي اِلْتَزَمَتْهُ، وَالمَقْصُودُ هُنَا الشَكْلُ الرِوَائِيُ الجَدِيدُ، الذِي أَقَامَ القَطِيعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَكْلِ الكَلاسِيكِيِ، وَلاَ أُرِيدُ الحِيَادَ عَنْ الكَلاَمِ السَابِقِ، لِأَقُولَ: بِأَنَّ الوَاقِعَ المَعِيشَ هُوَ الذِي صَاغَ الشَكْلَ الرِوَائِيَ الجَدِيدَ، وَاِنْطِلاَقًا مِنْ المَقُولَةِ الفَلْسَفِيَةِ السَائِدَةِ، وَالقَائِلَةُ بِأَنَّ الفَنَ مُحَاكَاةٌ لِلطَبِيعَةِ الوَاقِعِيَةِ، جَاءَ هَذَا الشَكْلُ الرِوَائِيُ الجَدِيدُ، لِيَتَحَدَثَ بِصَرَاحَةٍ عَنِ الوَاقِعِ الجَدِيدِ، لاَ أَنْ يُصْغِي إِلى اِحْتِجَاجَاتِ الجُمْهُورِ، الرَافِضِ لِرُؤْيَةِ صُورَتِهِ الحَقِيقِيَةِ فِي الوَاقِعِ، وَقَدْ اِنْغَرَسَتْ فِيهَا العُيُوبُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَرُؤْيَةُ "جورج لوكاتش" فِي هَذَا الصَدَدِ، تُثْبِتُ المَشْرُوعِيَةَ الفِعْلِيَةَ القَائِمَةَ بَيْنَ الرِوَايَةِ وَالمُجْتَمَعِ.

    يُحَدِّدُ "لوكاتش" الرِوَايَةَ عَلَى أَسَاسِ أَنَّهَا: "الشَكْلُ الأَدَبِيُ الرَئِيسِيُ، لِعَالَمٍ لَمْ يَعُدْ فِيهِ الإِنْسَانُ فِي وَطَنِهِ، وَلاَ مُغْتَرِبًا كُلَّ الاِغْتِرَابِ، فَلِكَي يَكُونَ هُنَاكَ أَدَبٌ مَلْحَمِيٌ، لاَبُدَ مِنْ وُجُودِ وِحَدَةٍ أَسَاسِيَةٍ، وَلاَبُدَ لِكَي تَكُونَ هُنَاكَ رِوَايَةٌ مِنْ وُجُودِ تَعَارُضٍ نِهَائِيٍ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالعَالَمِ، وَبَيْنَ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ"8.

    ليُعْتَبَرَ -اِنْطِلاَقًا مِمَا سَبَقَ- "جورج لوكاتش" (ت 1971م) المُنَظِّرَ الأَسَاسِيَ لِهَذَا الاِتِجَاهِ النَقْدِيِ الوَاقِعِيِ المَارْكِسِيِ، فِي النِصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرِينِ، ذَلِكَ عِنْدَمَا دَرَسَ وَحَلَّلَ العَلاَقَةَ بَيْنَ الأَدَبِ وَالمُجْتَمَعِ، حِينَمَا تَبَنَّى نَظَرِيَةَ الاِنْعِكَاسِ، بِتَطْبِيقِهَا عَلَى الرِوَايَةِ بِشَكْلٍ عَامٍ، وَعَلَى الرِوَايَةِ الأُورُوبِيَةِ بِشَكْلٍ خَاصٍ، وَقَدْ فَهِمَ الأَدَبَ (الرِوَايَةَ) "عَلَى أَنَّهُ اِنْعِكَاسٌ نَمَوذَجِيٌ وَصَحِيحٌ فِي الفَنِ وَالأَدَبِ، وَأَوْضَحَ دَوْرَ المُبَادَرَةِ الفَرْدِيَةِ فِي قَهْرِ الضَرُورَةِ"9، وَلِهَذَا تَعَرَّضَ لِسِلْبِيَةِ البَطَلِ وَإِيجَابِيَتِهِ وَنَمْذَجَتِهِ، وَاِنْبَثَقَ ذَلِكَ كُلّهُ مِنْ أَنَّ "صِرَاعَ الأَفْرَادِ لاَ يَسْتَمِدُ مَوْضُوعِيَتَهُ وَحَقِيقَتَهُ، إِلاَّ مِنْ الاِنْعِكَاسِ النَمَوْذَجِيِ وَالصَحِيحِ، فِي الشَخْصِيَاتِ وَالمَصَائِرِ لِلمَسَائِلِ المَرْكَزِيَةِ لِصِرَاعِ الطَبَقَاتِ"10، فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ أَوْ وَاقِعٍ لَه خُصُوصِيَتَهُ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ هَدَفُهُ بَيَانُ أَطْرَافِ الصِرَاعِ الطَبَقِيِ، لِلتَأْكِيدِ عَلَى أَهَمِيَةِ طَبَقَةٍ وَأَهَمِيَةٍ شَخْصِيَةٍ مَا، تَتَحَوَّلُ إِلى مُمَثِلٍ لِصُورَةِ الصِرَاعِ فِي عَصْرِهَا، وَكَمَا يَقُولُ "لوكاتش": "فَكِبَاُر الرِوَائِيِيِنَ يُجْهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ لاِبْتِكَارِ عَمَلٍ، يَكُونُ نَمَوْذَجًا بِالنِسْبَةِ إِلى وَضْعِ المُجِتَمَعِ فِي عَصْرِهِمْ، وَيَخْتَارُونَ رَكِيزَةً لِهَذَا العَمَلِ، إِنْسَانًا يُلْبِسُونَهُ السِمَاتَ النَمُوذَجِيَةَ لِلطَبَقَةِ، وَيَصْلُحُ –فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ- فِي مَاهِيَتِهِ كَمَا فِي مَصِيرِهِ، لِأَنْ يَظْهَرَ بِمَظْهَرٍ إِيجَابِيٍ، وَلِأَنْ يَبْدُو جَدِيرًا بِالتَأْيِيِدِ وَالمُعَاضَدَةِ"11؛ أَيْ أَنَّ الفِكْرَ الذِي يُؤْمِنُ بِأَنَّ فَهْمَ الإِنْسَانِ وَالأَفْرَادِ لاَ يُمْكِنُ بَمَعِزَلٍ عَنْ حَيَاتِهِمْ، وَوُجُودُهُمْ الاِجْتِمَاعِيُ وَالسِيَاسِيُ وَالاِقْتِصَادِيُ هُوَ البَطَلُ الحَقِيقِيُ، الذِي يُحَدِّدُ فَاعِلِيَةَ الفَرْدِ فِي الجَمَاعَةِ، إِلى جَانِبِ تَحْدِيدِ مَصِيرِ سُلُوكِهِ وَهَزِيمَةِ إِرَادَتِهِ وَاِنْتِصَارِهَا.

    وَبِالتَالِي تَكُونُ أَهَمُّ المُسَاهَمَاتِ التِي قَدَّمَهَا لِلنقْدِ الاِجْتِمَاعِيِ، مُتَمَثِّلَةً فِي مَفْهُومَيِ: الاِنْعِكَاسِ وَالوَاقِعِيَةِ الأَدَبِيَةِ.

أ/ الاِنْعِكَاسُ: عَمِلَ النَاقِدُ اِنْطِلاَقًا مِنْ الاِتِجَاهِ المَاركِسِيِ، عَلَى رَبْطِ أَشْكَالِ الوَعْيِ كَافَةٍ، بِالبِنْيَةِ الاِقْتِصَادِيَةِ (البِنْيَةُ التَحْتِيَةُ) المُحَدِّدَةِ لَهَا، فَفِي كِتَابَاتِهِ كَشَفَ عَنْ العَلاَقَةِ الجَدَلِيَةِ بَيْنَ دَلاَلاَتِ الأَعْمَالِ الإِبْدَاعِيَةِ الكُبْرَى، وَدَلاَلاَتِ البِنْيَاتِ الاِجْتِمَاعِيَةِ، وَيَرَى أَنَّ الأَدَبَ ظَاهِرَةٌ تَارِيخِيَةٌ، لَهَا أُصُولُهَا الضَارِبَةُ فِي أَعْمَاقِ كِفَاحِ الطَبَقَاتِ12.

ب/ الوَاقِعِيَةُ: تُعَدُّ كِتَابَاتُ "لوكاتش" حَوْلَ الوَاقِعِيَةِ، مِنْ أَهَمِّ وَأَعْمَقِ مَا كَتَبَ حَوْلَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ، إِذْ الوَاقِعِيَةُ عِنْدَهُ تَسْتَنِدُ إِلى إِدْرَاكٍ مُتَعَيِّنٍ لِلوَاقِعِ الاِجْتِمَاعِيِ، وَلِكَيْفِيَةِ تَجَاوُزِهِ .

    لِيُطَوِّرَ -مَعَ مَا سَبَقَ- "النَظْرَةَ الوَاقِعِيَةَ إِلى الأَدَبِ، تَطْوِيرًا يَنْطَوِي عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنْ العُمْقِ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلى الجَانِبِ الهِيجْلِيِ مَعَ الفِكْرِ المَارْكِسِيِ؛ إِذْ نَظَرَ إِلى الأَعْمَالِ، بِوَصْفِهَا اِنْعِكَاسًا لِنَسَقٍ يَنْكَشِفُ تَدْرِيجِيًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ العَمَلَ الأَدَبِيَ الوَاقِعِيَ لاَبُدَّ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ نَمَطِ التَنَاقُضَاتِ، الذِي يَكْمُنُ مِنْ وَرَاءِ نَمَطٍ مُعَيَّنٍ، وَظَلَّتْ نَظْرَتُهُ فِي إِلْحَاحِهَا عَلَى الطَبِيعَةِ المَادِيَةِ وَالتَارِيخِيَةِ لِبِنْيَةِ المُجْتَمَعِ "13.

    هُوَ لاَ يَعْتَبِرُ الوَاقِعَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ مُتَدَهْوِرٍ مَحَكُومٍ عَلَيْهِ بِالإِثْمِ الأَمْثَلِ، بَلْ كَمَسْرَحِ صِرَاعٍ دَمَوِيٍ بَيْنَ سِلْبِيَةِ القِوَى القَدِيمَةِ وَإِيجَابِيَةِ القِوَى المُسْتَقْبَلِيَةِ، أَضَافَ البُعْدَ التَارِيخِيَ، وَحَافَظَ عَلَى مُقَابَلَةِ المَلْحَمَةِ وَالرِوَايَةِ، وَاِعْتَبَرَ اِنْفِصَالَ الفَرْدِ مَعَ المُجْتَمَعِ، هُوَ التَنَاقُضُ المَوْضُوعِيُ لِلرَأْسمَالِيَةِ "14، وَأَثْنَاءَ كَلاَمِهِ عَنْ المَلْحَمَةِ، -كَتَغْيِيِرٍ لِعَالَمٍ يَنْسَجِمُ فِيهِ وَالمُجْتَمَعَ- رَكَّزَ "لوكاتش" فِي"نَظَرِيَةِ الرِوَايَةِ" عَلَى اِسْتِسْلاَمِ البَطَلِ لِمَصِيرِهِ، الذِي سَطَّرَتْهُ الآلِهَةُ، فَكُلُّ مَا يَقُومُ بِهِ البَطَلُ مَكْتُوبٌ مُنْذُ الأَزَلِ فِي الكُتُبِ السَمَاوِيَةِ.

    وَاِنْطِلاَقًا مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِهِ المَاركِسِيَةِ حَافَظَ "لوكاتش" عَلَى الاِنْسِجَامِ بَيْنَ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ، كَقَاعِدَةٍ أَسَاسِيَةٍ لِلمَلْحَمَةِ، لَكِنَهُ اِنْتَقَلَ مِنْ فَوقٍ إِلى تَحْتٍ؛ أَيْ مَا كَانَ مَصِيرًا إِلَهِيًا، أَصْبَحَ اِنْعِدَامًا كُلِيًا لِتَقْسِيمِ العَمَلِ، هِيَ الطُفُولَةُ العَادِيَةُ لِلإِنْسَانِيَةِ مِثْلَمَا يَقُولُ "ماركس"، كَمَا آمَنَ بِالتَطَابُقِ بَيْنَ حَرَكَةِ الفَنْ وَحَرَكَةِ الحَيَاةِ؛ أَيْ أَنَّهُ عَلَى المُبْدِعِ السَعْيَ إِلى تَغْيِيِرِ الوَاقِعِ، وَيَرَى بِأَنَّ الأَدَبَ فِي جَوْهَرِهِ هُوَ مَعْرِفَةٌ بِالوَاقِعِ، تَنْتُجُ عَنْ رُؤْيَةٍ وَتَحْلِيلٍ، وَلَيْسَ اِنْعِكَاسًا سَطْحِيًا لِمَظَاهِرِ الوَاقِعِ15، لِيَكُونَ بِذَلِكَ النَمُوذَجُ الأَدَبِيُ أَوْ النَصُ الأَدَبِيُ بِعَامَةٍ، شَبِيهٌ مٍنْ حَيْثُ بِنْيَتِهِ بِآلِيَةِ /العَالَمِ، فَلاَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مُجَرَّدَ قَوْلٍ عَنْ العَالَمِ، بَلْ إِنَّهُ يَأْخُذُ وَضْعًا بِالنِسْبَةِ لِلعَالَمِ، وَهُوَ كَكُلٍّ نَمَوْذَجٌ يَدْخُلُ فِي تَنَاسُبٍ مَعَ الأَصْلِ، مُتَطَلِبًا أَنْ يَكُونَ المَوْقِفُ المُتَخَذُ مِنْهُ مِثْلَ الأَصْلِ16، أَوْ مِنْ النَصِ الأَدَبِيِ –فِي أَيٍّ مِنْ أَشْكَالِهِ- كَمَا أَوْضَحَ "لوكاتش" مِنْ قَبْلُ، وَوَاضِحٌ أَنَّ تَغْيِيِرَ العَالَمِ وَتَغْيِيِرَ الوُجُودِ الاِجْتِمَاعِيِ وَأَشْكَالِهِ، وَرَاءَ هَذَا الاِنْعِكَاسِ النَمَوْذَجِيِ الصَحِيحِ، وَبِذَلِكَ يَظَلُّ النَصُ فِي صِرَاعٍ مَعَ الأَصْلِ؛ أَيْ مَعَ الوَاقِعِ النَفْسِيِ وَالاِجْتِمَاعِيِ المُنْعَكِسِ عَنْهُ، وَتَظَلُّ لِلنَصِ الأَدَبِيِ خُصُوصِيَتَهُ وَلِلأَدِيبِ وَضْعٌ مُتَمَيِّزٌ: الأَوَّلُ فِي لُغَتِهِ وَتَشْكِيلِهِ، وَالثَانِي فِي رُؤْيَتِهِ لِلعَالَمِ وَالذَاتِ.

    ليُكمل "ميخائيل باختين" (1975-1895) رؤيةَ "لوكاتش" للروايةِ موضّحًا "أنّ الرواية هي النوع الأدبي الوحيد الذي مازال قيد التّشكل، ولذلك فإنها تعكس بشكل أساسي وبعمق ودقة وسرعة التطور، وما هو قيد التَّشكل يستطيع – وحده- أن يفهم ظاهرة السيرورة، وأصبحت الرواية هي البطل الأساسي للدراما التي يُبرِزها الطور الأدبي في العصر الجديد"17.

   ليخصّص "جورج لوكاتش" الكثير من أعماله حول الفكر والأدب والفن، مُستندا إلى ربط ٍوثيقٍ بين الذوق الكلاسيكي الذي لا يتوقف عن إبداء إعجابه به، والعقيدة الماركسية (المادية الجدلية التاريخية) التي بقي مُخلِصا لها طوال حياته، فكتاباته وتنظيراته الأدبية والفكرية لا تزال من المراجع الأساسية للأدباء الواقعيين، والنقاد الذين ينهجون المنهج الاجتماعي.

3- استقبالُ المنهجِ الاجتماعي، في النقدِ العربي المُعاصرِ:

   تطور منهج التحليل الاجتماعي في النقد العربي الحديث على أيدي نخبة من النقاد والباحثين، على رأسهم "محمود أمين العالم" و"لويس عوض" و"محمد مندور"، هذا الأخير الذي استقرّ عليه بعد طولِ تقلبٍ تحت اسم "النقد الإيديولوجي"، ليمتد بعدها عبر أعمال "غالي شكري" و"فيصل دراج" و"مفيد الشوباشي" و"حسين مروة" و"نبيل سليمان" و"واسيني الأعرج" و"محمد ساري" "غالي شكري" "مصطفى فاسي" من جهة، وبين نظرائهم البنيويين التكوينيين من جهة مقابلة: "محمد برادة" "إلياس خوري" "محمد بنيس" "يمنى العيد" "محمد رشيد ثابت"، هؤلاء وإن اختلفوا في المُنطلق الإجرائي: (النصُ أم السياقُ) فإنهم يلتقون في النهاية عند محاولةِ البحثِ عن معادلٍ اجتماعي للظاهرة الأدبيةِ، في إطار التصور الواقعي الماركسي، وقد سيطرَ النقدُ الاجتماعي (الواقعي) على أوسعِ نطاقٍ في الأدبِ العربي، خلال الستينيات والسبعينيات: (فترة الهيمنة الاشتراكية)، قبل أن يتراجعَ تراجعًا شاملاً خلال الثمانيات وربما أواخر السبعينيات، مع بروزِ البنيوية ومشتقاتها، ولم تعد صرخاتُ "محمود أمين العالم" الأخيرة، الداعية إلى صيانةِ مجدِ النقدِ الاجتماعي إلاّ بمثابةِ أنّاتِ احتضارِ منهجٍ عتيقٍ، لم يعدْ يستجيبُ لمتطلباتِ الروحِ النقديةِ الجديدةِ18.

4- جهودُ النقادِ المغاربةِ، في تمثّلِ المنهجِ الاجتماعي:

   يُعد الناقد المغربي "نجيب العوفي" من أهم الذين تمثلوا المنهج الاجتماعي الجدلي، وذلك في كتابه النقدي: (درجةُ الوعي في الكتابةِ)، فقد صرّح فيه بوضوحٍ بأنهُ يتبنى المنهجَ الواقعي الجدلي التاريخي:"إنَّ المنهج المُكرسَ في هذا الكتابِ هو المنهجُ الواقعي الجدلي، هذا المنهجُ الذي أثبتَ وما يفتأ يثبتُ، عبر أهم وألمع الممارسات التي تجلى عبرها، قدرتهُ الفائقة على احتواء النص والواقع معًا، بل وقدرته الطيِّعة على التجددِ المستمر والاغتناء بكافة الخبرات والتجارب الفكرية، دون أية حساسية دوغمائية، ومن غير أن يفقد بريقه ومناعته، أو يتعرض لامتحانٍ صعب، يثيرُ حوله الشُبهة ويشكك في فعاليته ومصداقيته"19.

   يقول كذلك مُصرّحًا: "ولا أستطيعُ أن أدّعي بأني كنتُ وفيًا لحدودِ وقوانين هذا المنهجِ من الألفِ إلى الياءِ، وبأنَّ استخدامي لهُ تم على نحو لا أمت فيه ولا عوج"20، وقد وظفه نجيب العوفي أيضا في كتابهِ: (جدلُ القراءةِ)*، الذي خصّصَ فيهِ فصلاً للمسرحِ المغربي تحت عنوان: (المسرحُ المغربي: بانوراما تاريخية)، ينطلقُ فيه من مرجعياتٍ سوسيولوجية ومنطلقات إيديولوجية، بربطِ المسرح المغربي في تطوره بتطورِ الواقع المغربي انعكاسا ومحاكاة وأدلجة، والدليلُ على ذلكِ ما يوردهُ في كتابهِ من فقرات متنوعة قصرا وطولا، تحمل في طياتها أبعادا سوسيولوجية وإيديولوجية، تربط المسرح بالرؤى الطبقية التي تعبر عن التفاوت الاجتماعي داخل المجتمع المغربي، ومن ثم تصدرُ أحكامًا نقدية قريبة من الإيديولوجيا الإسقاطية منها إلى التحليل النقدي الموضوعي21، يقول مُعقبًا: "إنّ الفنَ المسرحي كانَ وما يزالُ يتسمُ بحساسيةٍ فكريةٍ وإيديولوجيةٍ فائقةٍ، وذلك لمباشرتهِ وعلاقتهِ الحية والدينامية بالجمهور، متعلمًا كانَ أم أميًا، بحيث تبدو المسافةُ بين الوجهِ والقناعِ، بين المشهدِ والدلالةِ، مسافةً دقيقةً وشفافةً، يسهلُ اختراقها وإلغاؤها، لهذا تبدو الكتابة المسرحية مرآةً مصقولةً، تعكسُ بوضوحٍ المشاربَ الإيديولوجية والمصالح الطبقية؛ أي إنَّ الكتابةَ المسرحية تصبحُ على هذا الأساسِ سلاحًا إيديولوجيا مُهِمًا في مجالِ الصراعِ الاجتماعي، تحاولُ كل طبقةٍ أن تستغلهُ لمصلحتها وأهدافها، وهكذا تبدو الخريطة المسرحية في المغرب موزعةً على نحو مأساوي بين السلطةِ الرسمية من جهة بمؤسساتها وطوابيرها، وبين السلطة المضادة والمقموعة، بتناقضاتها واختلافاتها من جهة ثانية، وفي المسافةِ الواقعة بين السلطتين تقوم فئات ثالثة بلعبة الأكروبات الانتهازية على خشبة المسرح المغربي"22.

   هذا، ويقرأُ "نجيب العوفي"، في إحدى دراساته المنشورة في كتابه: (ظواهرٌ نصيةٌ)، القصيدةَ العربيةَ قراءةً سوسيولوجيةً جدليةً، تربطِ بين القصيدةِ العربيةِ وواقِعها السوسيو ثقافي: والنموذجُ القديمُ الذي ينبغي أن يحاكى ويحتذى وفق هذا المنظور، مائل هناك في الماضي ومتمثل في النص الجاهلي، تماما كما فعل "هوراس" الروماني مع النص الإغريقي، حين اعتبرهُ النموذج الأعلى للمحاكاة والاحتذاء، هو إذن صراعٌ بين الثباتِ والتحولِ، بين تكريس البنيات "السوسيو ثقافية" والجمود عليها، وخلخلة هذه البنيات واختراقها وصولا إلى الخبيء والمنشود، وقد كان عمودُ الشعرِ الذي أقام "المرزوقي" دعائمه النهائية، معادلا لعمود السياسة ومدعما له، كلاهما سلطة آمرة وملزمة، وكلاهما قوامٌ الشيء الذي لا يدوم إلاّ به ... وعلى الرغم من المحاولات الدائبة التي قام بها دعاةُ التجديدِ والابتداع لزعزعة هذا "العمود الحديدي"، إلاّ أنّ رسوخه كانَ أقوى من محاولاتهم وطموحاتهم وكانوا مضطرين آخر المطافِ، إلى أنْ يعودوا ليستظلوا بسقفه ويطوفوا حوله، ذلك أنّ البنية "السوسيو ثقافية" كانت قد تشكلت واتخذت صيغتها النهائية منذ صعود الخلافة الأموية، وظلّت محتفظة بصيغتها هذه حتى سقوط الخلافة العثمانية، ولم تتخلخل هذه البنية بعمق وتفقد توازنها إلا بعد الصدمة الكولونيالية والإمبريالية الحديثة، بدءًا من دوي مدافع نابليون، إلى الدوي الأشد لمدافع متعددة الجنسيات والطلقات23.

   لقد تحطم العمود السياسي القديم بأمجاده وانتكاساته، وتحطمَ معهُ العمود الشعري القديم بأمجادهِ وانتكاساتهِ أيضا، تفتتَ الكيانُ التاريخي والحضاري الذي بمثابة البنيان الشامخ المرصُوص، إلى ما يُشبّهُ بفسيفساء السريالية، بل إلى ما يشبه لوحة الشطرنج، يحركها لاعبون مهرة، فكانت القصيدة الحديثة بتشكيلها العروضي التفعيلي وبهندستها المعمارية المفتوحة على الاحتمالات والمفاجآت، كانت القصيدة الحديثة صك إدانة ومشروع تأسيس."24

   وهكذا يتبين لنا أنّ الناقد المغربي "نجيب العوفي" كانَ يقرأُ المشهدَ الإبداعي العربي بصفةٍ عامةٍ، والمشهدَ الثقافي المغربي بصفةٍ خاصةٍ، انطلاقًا من رؤيةٍ واقعيةٍ جدليةٍ، قوامُها التأويلُ السوسيولوجي الذي يتسمُ بالنزعةِ الإيديولوجية من جهةٍ، والربطَ بين البنيةِ الأدبيةِ والواقع الاجتماعي ربطًا مرآويًا من جهةٍ أخرى25.

   تمثَّلَ كذلكَ مجموعةٌ من الدارسين والنقاد العرب البنيويةَ التكوينيةَ؛ إلا أنَّ النقادَ المغاربة قد سبقوا المَشارقة إلى تطبيقها منذ سنوات الستينيات من القرن الماضي، مع الباحثِ السوسيولوجي المُتميز "عبد الكبير الخطيبي" في كتابه: (الروايةُ المغربيةُ).

   ومنْ بينِ أهم الباحثين والنقاد الذين قاربوا الأدبَ والنقدَ في ضوءِ منهج التحليلِ البنيوي التكويني، نذكرُ: الناقد "السيد يس" في كتابهِ: (التحليلُ الاجتماعي للأدبِ)*، والناقد "جمال شحيد" في كتابهِ: (في البنيويةِ التركيبيةِ: دراسةٌ في منهجِ لوسيان كولدمان)**، والناقد "طاهر لبيب" في دراستهِ: (سوسيولوجيا الغزل العربي)***، والناقد "صالح سليمان عبد العظيم" في كتابهِ: (سوسيولوجيا الرواية السياسية: يوسف القعيد نموذجا)****، والناقدة "رفيف رضا صيداوي" في كتابيها: (النظرةُ الروائيةُ إلى الحربِ اللبنانيةِ: 1975-1995)*****، وكتابها الثاني: (الروايةُ العربيةُ بين الواقعِ والتخييلِ)******، والناقد "محمد ساري" في كتابهِ: (البحثُ عن النقدِ الأدبي الجديدِ)*******.

   وإذا انتقلنا إلى الدارسين المغاربة، فقد طبقوا المنهج البنيوي التكويني منذ سنوات الستينيات من القرن الماضي، على مختلف الأجناس الأدبية، وفي هذا المجال، نذكر: "عبد الكبير الخطيبي" في كتابهِ: (الروايةُ المغربيةُ)26، والناقد "سعيد علوش" في كتابهِ: (الروايةُ والإيديولوجيا في المغربِ العربي)27، والناقد "حميد لحميداني" في كتابهِ: (الروايةُ المغربيةُ ورؤيةُ الواقعِ الاجتماعي)28، والناقد "عبد الرحمن بوعلي" في كتابيهِ: (الروايةُ العربيةُ الجديدةُ)29، و(المغامرةُ الروائيةُ)30، والناقد "محمد برادة" في كتابهِ: (محمد مندور وتنظيرُ النقدِ العربي)31، والناقد "إدريس بلمليح" في دراستهِ: (الرؤيةُ البيانيةُ لدى الجاحظِ)32، والناقد "نجيب العوفي" في كتابه: (مقاربةُ الواقعِ في القصةِ القصيرةِ المغربيةِ: من التأسيسِ إلى التجنيسِ)33، والناقد "محمد بنيس" في كتابهِ: (ظاهرةُ الشعرِ المعاصرِ بالمغربِ)34، والناقد "عبد الله راجع" في كتابهِ: (القصيدةُ المغربيةُ المعاصرةُ: بنيةُ الشهادةِ والاستشهادِ)35.

   يلاحظُ كذلك الباحثُ "عبد الرحمن بوعلي" في كتابهِ: (في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، الصفحة 39): "أنّ مجموعةً من الدراساتِ النقديةِ العربيةِ عاجزة عن فهمٍ حقيقي للنقدِ السوسيولوجي، ولا سيما النقد البنيوي التكويني، مثل: كتاب: (التحليل الاجتماعي للأدب) لـ"السيد يس"، وكتاب: (سوسيولوجيا النقد العربي الحديث) لـ"غالي شكري"، وكتاب: (الرواية والإيديولوجيا في المغرب العربي) لـ"سعيد علوش"، وكتاب: (ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب) لـ"محمد بنيس"36، وفي هذا الصددِ، يقولُ الباحثُ أيضًا: "إنّ النقدَ السوسيولوجي كما هو منجزٌ في الكثيرِ من الأبحاثِ والمؤلفاتِ النقدية العربية يشكو من عجزٍ كبيرٍ"37.

   ويعودُ هذا العجزُ عند الدارسِ إلى عدمِ فهم النظريةِ السوسيولوجية في الأدبِ، تصورًا وتطبيقًا واصطلاحًا وترجمةً: "ومنَ المؤكدِ أنّ ملامحَ العجزِ هاته التي كثيرا ما نصادفها في الكثير من الممارسات النقدية السوسيولوجية، وبدرجة أقل في النماذج التي استعرضناها-يقولُ الباحثُ- ناشئةٌ بالدرجةِ الأولى عن قلةِ الاطلاعِ، وضُعف مواكبةِ ما يصدرُ في المنهجِ، وعن ندرةِ ما تُرجم إلى العربيةِ من نصوصٍ في النقدِ السوسيولوجي، إضافةً بطبيعةِ الحالِ إلى مشاكلِ الترجمةِ نفسها"38.

   وعلى غرار سائر البلاد العربية، استغرق النقد الاجتماعي حيزا كبيرا من الكتابات النقدية الجزائرية، تجلّت هيمنته الشاملة عليها خلال العشريةِ السبعينية بصورة لافتة، حيث هيمنت الإيديولوجية الاشتراكية على الحياة الجزائرية العامة: سياسة واقتصاد وثقافة ...، وأفرزت الثورات الثلاث: (الزراعية، الصناعية، الثقافية)، لتعرفَ البلادُ في -ضوئِها- حركات التأميم والتسيير الذاتي للمؤسساتِ والمخططات التنموية.

   ضمنَ هذا الإطارِ ظهرت موجةٌ نقديةٌ عارمةٌ تدعو إلى التشديدِ على البعدِ الاجتماعي للنصِ الأدبي، وتقاربهُ (وربما تحاكمهُ أحيانا!) من مدى تمثلهِ لهذه الزاويةِ، ومدى مواكبته لهذه التحولاتِ الاجتماعيةِ الجديدةِ، وبدأ الخطابُ النقدي الجزائري ينفتحُ على خطاباتٍ إيديولوجيةٍ خارجيةٍ: (لينين، ماركس)، وأخرى أدبية نقدية: (لوكاتش، غولدمان)، مثلما بدأ البحثُ يتعمقُ في علاقةِ الأدبِ بالإيديولوجيا، على النحو الذي فعلهُ المرحومُ "عمار بلحسن" (ت 1993) ويفعلهُ "واسيني الأعرج" في جلّ دراساتهِ، وامتدَّ ذلك حتى إلى حقل الترجمة، حيث ترجم "مرزاق بقطاش" كتاب: (الرواية) لـ"جورج لوكاتش"39.

   وبدا امتلاكُ كثيرٍ من النقادِ للغةِ الفرنسيةِ واضحًا، مما أهّلهم لأخذِ الحقائقِ النقديةِ من مظانها، كما ساعدَ على هذا التطورِ النقدي ظهورُ ركامٍ إبداعي شُباني جديد يسيرُ في هذا الخطِ.

   وكانَ من نتائجِ ذلك أن ظهرَ كمٌّ نقدي معتبر يتحركُ ضمن هذا الفضاءِ المنهجي: "محمد مصايف": (دراسات في النقد والأدب)، "واسيني الأعرج": (اتجاهاتُ الروايةِ العربيةِ في الجزائرِ)، "محمد ساري": (البحثُ عن النقدِ الأدبي الجديدِ)، "زينب الأعوج": (السماتُ الواقعيةُ للتجربةِ الشعريةِ في الجزائرِ)، "عمر بن قينة": (دراساتٌ في القصةِ الجزائريةِ القصيرةِ والطويلةِ)، ...، مع تحيّزِ بعضهم للرؤيةِ التاريخيةِ: "عبد الله الركيبي" مثلاً: (الشعرُ الديني الجزائري الحديث)، وآخرين للرؤيةِ الانطباعيةِ المبسطةِ: "مخلوف عامر": (تطلعاتٌ إلى الغدِ)، (تجاربٌ قصيرةٌ وقضايا كبيرة)، "محمد بوشحيط": (الكتابةُ لحظةَ وعيٍ)، "عمر أزراج": (الحضورُ)، "أحمد منور": (قراءاتٌ في القصةِ الجزائريةِ)، "مصطفى فاسي": (البطلُ في القصةِ التونسية) ... 40.

4-1- نموذج تطبيقي:

4-1-1- جهودُ الناقدِ الجزائري "عبد الله الركيبي"، من خلالِ كتابهِ: (الشعرُ الديني الجزائري الحديثُ):

   لعلّ أبسطَ أشكالِ الوجودِ الاجتماعي في النقدِ الجزائري تتجلى في البسطِ الوافي المُسبق للبيئةِ الاجتماعيةِ المحيطةِ بالنصوصِ الأدبية ضمنَ سياقها التاريخي، قبل تتبعِ تجلياتها ومظاهرها عبر الدراسة النصية، على النحو الذي نحاه الدكتور "عبد الله الركيبي" في دراستهِ للشعر الديني الجزائري الحديث، الممتدة على مساحة زمنية واسعة: (1871-1930)، فهو وإن أعلنَ اعتناقهُ المسبق لرؤيةٍ منهجيةٍ، تجمعُ بين التاريخِ والنقدِ ...، إلاّ أنّ ذلك عندهُ هو مفتاح (التفسير الاجتماعي للأدبِ): وذلكَ بتركيزهِ على الربطِ "بين الشاعرِ وبيئتهِ، بين المُنشئ وجمهورهِ، واعتبرنا الشعرَ لدى المنشئ تعبيرًا عن ذاتهِ، وفي الوقتِ نفسهِ تعبيرًا عن ظروفِ المجتمعِ ومعطياتِ العصر، وما وجدَ فيهِ من أزماتٍ روحيةٍ وفكريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ، وإذا كُنا نُلحُ على التفسيرِ الاجتماعي للأدبِ دون إهمالٍ للجوانبِ الأخرى، فلأننا نؤمنُ بأنّ الشعرَ نشاطٌ إنساني، يعكسُ ما يجري في بيئةِ الشاعرِ من أحداثٍ ووقائع ومفاهيمٍ"41.

   دراستهُ النقديةُ هذه جاءت أمينةً للمنهجِ المختارِ، حيث عرضَ لجملةِ السياقات الاجتماعيةِ والثقافية والفكريةِ والدينيةِ (في إطارها التاريخي)، التي أثّرت في الحياة الأدبيةِ، قبل أنْ يرهنَ بحثهُ لتتبعِ تجلياتها في النصوص المختلفةِ، ويأتي المنهجُ الذي انطلقَ منهُ تأكيدًا مُسبقا للنتيجةِ التي انتهى إليها42، وهي أنّ "الشعرَ الجزائري، كيفما كان أسلوبهُ ومحتواهُ، هو إنتاجٌ عبَّرَ عن قضايا شغلت أصحابهُ وأذهان الناسِ، في عصرٍ لهُ مفاهيمهُ الخاصة وظروفهُ المعينة، التي يصعبُ أن نُطبّقَ عليها مقاييس جدّت بعد ذلك"43، وواضحٌ أنهُ لم يكن في وسعِ الناقدِ "عبد الله الركيبي" أنْ يفعلَ أكثرَ مما فعلَ؛ لأنَّ كُبر المدونة الأدبية التي درَسها، وتوزعها بين خصوصيتين لغويتين مختلفتين فنيا: (الأدب الرسمي الفصيحُ والأدبُ الشعبي الدارجُ)، فضلا عن طول امتدادها الزمني (أكثر من 60 سنة)، جعلهُ يركنُ إلى تثبيتِ الظواهرِ المضمونيةِ وحشدِ النماذجِ المُجسّدةِ لها، مع اهتمام أقلّ بخصوصياتها الفنيةِ.

4-1-2- جهودُ الناقدِ الجزائري "واسيني الأعرج" من خلالِ كتابهِ: (اتجاهاتُ الروايةِ العربيةِ في الجزائرِ):

"اتجاهاتُ الروايةِ العربيةِ في الجزائرِ"، كتابٌ هو في الأصلِ أطروحةُ دكتوراه في الأدبِ العربي، تناولَ فيها الباحثُ "واسيني الأعرج" تطورَ الروايةِ الجزائرية المكتوبة بالعربيةِ، ورغمَ ما يحملهُ الكتابُ من توجهٍ إيديولوجي صارخٍ، إلاّ أنهُ يقدمُ فيهِ رصيدًا معرفيًا مُكثفًا حولَ أهمِ المعطياتِ: الثقافيةِ / الاجتماعيةِ / التاريخيةِ من جهةٍ، والإنتاج الروائي من ناحيةٍ أخرى.

   انطلقَ الباحثُ من كونِ الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربيةِ نتاج الثروة الوطنية وإرهاصاتها، فقد كان للجوانبِ السياسيةِ التي سادت قبل الاستقلالِ دورٌ رئيسي في ميلادها واكتمال معالمها، ثم عرضَ الأحداثَ التي كان لها الفعالية في استكمالها، وأهمها ثورة الفلاحين وانتفاضة الأمير عبد القادر، ثم أحداث 08 ماي 1945 تليها انتفاضة الطلبة (1956)، وقد استعملَ مصطلحات المدرسة الاشتراكية في هذا العرضِ، كالإمبريالية بدل الاستعمار، البروليتارية والبرجوازية44.

   وضعَ الباحثُ الروايةَ الجزائريةَ المكتوبة بالعربيةِ بين مصفِ أربعةِ اتجاهاتٍ: الأول: الاتجاهُ الإصلاحي، الثاني: الاتجاهُ الرومنتيكي، الثالث: الاتجاهُ الواقعي، الرابع: الاتجاهُ الواقعي الاشتراكي، ويحكمُ على الاتجاهِ الإصلاحي بكثيرٍ من السلبيةِ؛ إذ يقولُ: أنهُ كان في منتصفِ القرنِ الأخيرِ أو قبلهُ وبعدهُ إصلاحاً برجوازيًا، يعملُ على تنويمِ الشعبِ وإيهامهِ، تحت غطاءاتِ الولاءِ للأمةِ ومحبة الوطنِ45.

   وعلى المستوى الأدبي لم يسمحْ الجوهرُ التاريخي لهذا الاتجاهِ بالبقاءِ أطولَ، عندما اتضحت التناقضاتُ أكثرَ بين مختلفِ القوى المُتصارعة، فالافتقارُ إلى الرؤيةِ العلميةِ، -التي تدركُ خلفياتَ حركةِ الصراعِ الاجتماعي-، أسقطَ هذا الاتجاهَ في تناقضاتٍ كثيرةٍ، ومن الدلالاتِ الروائيةِ التي افترضها الباحثُ أنهُ في الوقتِ الذي نجدُ فيهِ أصحابَ هذا الاتجاهِ ينادون بضرورةِ الاهتمامِ بالبطلِ الخيّرِ أخلاقيا في إبداعاتهم، والذي يُغيّرُ المجتمعَ ويذيبُ كلّ تناقضاتهِ بمجردِ النيةِ الحسنةِ، نجدُ سيطرةَ النزعةِ الفرديةِ وسيادةَ الروحِ الخارقة لأجواءِ العملِ الإبداعي والسقوطُ في السوداويةِ، وبالتالي الفشلُ في مواجهةِ الأوضاعِ المُعقدةِ، التي يمكنُ للفكرِ الإصلاحي أن يُحسِّنها أو يبلورها، لتوجيهِ الوضعِ نحو الأفضلِ، ويصنفُ "واسيني الأعرج" الكاتبَ الجزائري "رضا حوحو" ضمن َهذا الاتجاهِ46.

   أما عن الاتجاهِ الرومانتيكي قامَ "واسيني الأعرج" بعرضِ أهم عناصرِ التكوينِ فيهِ، من زاويةِ التفسيرِ السوسيولوجي، في قوله: "إنَّ انحرافَ الوعي لدى الرومانتيكيين هو نتيجةُ قدرتِهم المحدودة على كشفِ طبيعةِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، التي كانت تسودُ المجتمعَ في منتصفِ القرنِ الثامن عشر وتتحكمُ في بنيتهِ، خُصوصًا بعد سقوطِ البرجوازيةِ كطبقةِ طليعةٍ، فكانَ طبعًا أنْ بقيت الكلمةُ في ظلِّ هذه الظروفِ ملجومةً على صعيديها: المعنوي واللفظي"47، وعلى هذا الأساسِ يُفسّرُ الباحثُ "واسيني الأعرج" ظاهرةَ الحماسِ التي واكبت الحركةَ الرومانتيكية في معظمِ أدبياتها، والتي ليست في نظرهِ إلاَّ الوجهَ الآخرَ لضيقِ الرؤيةِ في التعاملِ مع الأشياءِ المعقدة اجتماعيا، ويعترفُ للرومانتيكية هجومها للا مُساواة والاستبدادِ والظلمِ، ولكنها بحثت عبثًا عن العدالةِ داخلَ البنيةِ الاجتماعيةِ للبرجوازيةِ، ومن أهم الروائيين والرواياتِ المُصنفةِ في هذا الإطارِ، نجد: "إسماعيل غموقات"، "محمد عرعار"، كما يُلحقُ روايةَ "عبد الحميد بن هدوقة": (نهايةُ الأمسِ)، في هذا البابِ*.

   أمّا الاتجاهُ الواقعي النقدي والواقعي الاشتراكي، فقد بدأ فيهِ الباحثُ بعرضِ أهم الأدباءِ والروائيين الذين أثروهُ، ليقومَ بعدها بحصرِ أهمِ العواملِ المشتركةِ لهذا الاتجاهِ، التي منها:

-أنها تتعاملُ مع الواقع كميدانٍ للبحثِ الإبداعي.

-تبحثُ بأشكالٍ مُختلفةٍ عن الجوهري في الظاهرةِ الإبداعيةِ.

-ترفضُ المُصادفةَ أو الاعترافَ في الخيالِ، الذي يجنحُ بالقارئ في عوالمٍ بعيدةٍ كل البعدِ عن الواقعِ الاجتماعي.

-تستهدفُ تغييرَ البنى الثقافية السائدة.

   وأهمُ الروائيين الذين استدلَ بنصوصِهم، نجدُ: "رشيد بوجدرة": (الخريفُ)، "عبد الحميد بن هدوقة": (ريحُ الجنوبِ)، "مرزاق بقطاش": (طيورٌ في الظهيرةِ)، "محمد عرعار": (الطموحُ)، "حاجي محمد الصادق": (على الدربِ).

   وعنِ المرحلةِ الأخيرةِ التي تزامنت مع التغييراتِ الكبرى، يتساءلُ الباحثُ "واسيني الأعرج": هل كانَ الأدبُ الروائي في الجزائرِ في مستوى التغيراتِ الجذريةِ والانجازاتِ الديمقراطيةِ، على عديدِ المستوياتِ: الاقتصاديةِ / السياسيةِ / الاجتماعيةِ؟

    يُجيبُ في كتابهِ بأنَّ عقدَ السبعينيات شهدَ الولادةَ الحقيقيةَ للروايةِ الجزائريةِ المكتوبة بالعربيةِ، على يدِ "الطاهر وطار" و"مرزاق بقطاش" و"عبد الحميد بن هدوقة".

   مع هذا يبقى كتابُ "واسني الأعرج": (اتجاهاتُ الروايةِ العربيةِ في الجزائرِ) 1982، مصدرًا مُهمًا لأي باحثٍ متخصصٍ في موضوعِ الروايةِ الجزائريةِ المكتوبةِ بالعربيةِ.

 

 

 

 

مخطط توضيحي لإستراتيجية التحليل السوسيولوجي للنصوص الأدبية

Screenshot_20200722-160643_Drive

 

خلاصة المحاضرة:

   وبناءً عَلى هذهِ المُلاحظاتِ، نستَنتِجُ أنَّ المَنهجَ السُوسيولُوجِي، في السَّاحةِ النقديةِ الثقافيةِ العربيةِ، قليلٌ جدًا على مُستَوى الحُضورِ والتَمَثُلِ والتَصَورِ، ولم يَتِمْ تَطبِيقهُ بِشَكلٍ جَيِدٍ، ومِنْ ثَم يُلاحظُ غِيَابٌ حَقِيقِي ِللمَنهَجِ السُوسيولُوجِي الحَقِيقِي، نَظَرِيةً ومَنهَجًا وتَطبِيقًا واِصطِلاَحًا:" إنَّ أوّلَ مُلاحَظَةٍ تَتبَادَرُ إلى الذِهنِ هِيَ أنَّ الدِراسَاتَ النَقدِيةَ العَربِيَةَ ذَاتَ المَنحَى السُوسيولُوجِي لا تُعبِّرُ مِنْ حَيث العَدَدِ عَنْ اتسَاعِ رُقعَةِ النَقدِ السُوسيولُوجِي، وبِالتَالِي فَهِي لاَ تُعبِّرُ عَنْ اِزدِهَارِ النَقدِ فِي العَالَمِ العَربِي، هذَا إذَا لَم يَكُن ذَلِكَ العَدَدُ القَلِيلُ مِنَ الدِرَاسَاتِ عَلاَمَةً عَلى غِيَابِ الَنقدِ السُوسيولُوجِي"48.

    وعليه، ما زالت سوسيولوجيا الأدب والنقد غائبة في معاهدنا ومختبراتنا وأقسامنا وجامعاتنا بشكل أو بآخر، وما أشدّ حاجتنا إلى هذه السوسيولوجيا في أقسامِ الأدبِ وعلمِ الاجتماع، في جامعاتِنا العربيةِ، لتعميقِ فَهمنا بالظواهرِ الأدبيةِ والفنيةِ والجماليةِ، وتفسيرها في ضوءِ المقاربةِ الاجتماعية بمختلفِ مستوياتها وحقولِها، إنْ بمناهجٍ كميةٍ، وإنْ بمناهجٍ كيفيةٍ!*.

 

 

 هوامش المحاضرة:

*مصطلح "السوسيو نقدية" اقترحه الباحث المغربي "سعيد علوش"، حين ترجم اللفظة الفرنسية "Socio-critique".

1.    ينظر محمد ساري: الأدب والمجتمع، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، (د ت)، ص95.

2.    المرجع نفسه، ص95.

3.    سعيد علوش: المصطلحات الأدبية المعاصرة، مطبوعات المكتبة الجامعية ،الدار البيضاء، المغرب 1984، ص96.

4.    المرجع نفسه، ص95.

5.    محمد ساري: الأدب والمجتمع، المرجع السابق، ص98.

6.    يوسف وغليسي: النقد الجزائري المعاصر: من اللانسونية إلى الألسنية، إصدارات رابطة إبداع الثقافة، جامعة قسنطينة، الجزائر، دط، 2002، ص40.

7.    فتحي بوخالفة: لغة النقد الأدبي الحديث، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط1،2012، ص22.

8.    إبراهيم عباس: تقنيات البنية السردية في الرواية المغاربية: دراسة في بنية الشكل، منشورات المؤسسة الوطنية للنشر والاتصال والإشهار، الجزائر، 2002، ص15.

9.    مدحت الجيار: النص الأدبي من منظور اجتماعي، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، مصر، دط، ص59.

10.  جورج لوكاتش: الرواية كملحمة برجوازية، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، لبنان ط1، ص44.

11.  المرجع نفسه، ص45.

12.  إنريك أندرسون أمبرت: مناهج النقد المعاصر، ترجمة: طاهر أحمد المكي، مكتبة الأدب، القاهرة، مصر،1991، ص132.

13.  محمد ساري: الأدب والمجتمع، مرجع سابق، ص22.

14.  المرجع نفسه، ص22.

15.  صالحة عباس: سوسيولوجيا النص الأدبي وتطبيقاتها في النقد العربي المعاصر، عالم الكتب الحديث، الأردن، 2003، ص15.

16.  هورست ريديكو: الانعكاس والفعل، ترجم: فؤاد مرعى، دار الجماهير، دمشق، 1977، ص 177.

17.  ميخائيل باختين: الملحمة والرواية، ترجمة: جمال شحيد، كتاب الفكر العربي، معهد النماء، بيروت، لبنان، 1986، ص24.

18.  يوسف وغليسي: النقد الجزائري المعاصر: من اللانسونية إلى الألسنية، مرجع سابق، ص41.

19.  نجيب العوفي: درجة الوعي في الكتابة، طبع ونشر دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1980م، ص:29-30.

20.  المرجع نفسه، ص 30.

* نجيب العوفي: جدل القراءة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1983م.

21.  جميل حمداوي: سوسيولوجيا الأدب والنقد، شبكة الألوكة،.www.alukah.net

22.  نجيب العوفي: جدل القراءة، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1983م. ص:165-182.

23.  جميل حمداوي: سوسيولوجيا الأدب والنقد، شبكة الألوكة،.www.alukah.net

24.  نجيب العوفي: جدل القراءة، ص 84.

25.  جميل حمداوي: سوسيولوجيا الأدب والنقد، شبكة الألوكة،.www.alukah.net

* السيد يس: التحليل الاجتماعي للأدب، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1970م.

** جمال شحيد: في البنيوية التركيبية، دراسة في منهج لوسيان كولدمان، دار ابن رشد، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1982م.

*** طاهر لبيب: سوسيولوجيا الغزل العربي: الشعر العذري نموذجا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2009م.

**** صالح سليمان عبد العظيم: سوسيولوجيبا الرواية السياسية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1998م.

***** رفيف رضا الصيداوي: النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية1975-1995، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2003م.

****** رفيف رضا صيداوي: الرواية العربية بين الواقع والتخييل، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2008م.

******* محمد ساري: البحث عن النقد الأدبي الجديد، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1984م.

26.  عبد الكبير الخطيبي: الرواية المغربية، ترجمة: محمد برادة، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، عدد:2، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1971م.

27.  سعيد علوش: الرواية والإيديولوجيا في المغرب العربي، دار الكلمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981م.

28.  حميد لحميداني: الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي، دراسة بنيوية تكوينية، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1985م.

29.  عبد الرحمن بوعلي: الرواية العربية الجديدة، منشورات جامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، رقم:37، الطبعة الأولى سنة 2001م.

30.  عبد الرحمن بوعلي: المغامرة الروائية، منشورات ضفاف رقم:4، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2004م.

31.  محمد برادة: محمد مندور وتنظير النقد العربي، منشورات دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة1979م.

32.  إدريس بلمليح: الرؤية البيانية عند الجاحظ، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1984م.

33.  نجيب العوفي: مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية: من التأسيس إلى التجنيس، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1987م.

34.  محمد بنيس: ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب، مقاربة بنيوية تكوينية، دار العودة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى سنة 1979م.

35.  عبد الله راجع: القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد، جزءان، دار قرطبة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م.

36.  عبد الرحمن بوعلي: في نقد المناهج المعاصرة،: البنيوية التكوينية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص39.

37.  المرجع نفسه، ص39.

38.  المرجع نفسه، ص39.

39.  يوسف وغليسي: النقد الجزائري المعاصر: من اللانسونية إلى الألسنية، مرجع سابق، ص42. بتصرف

40.  المرجع نفسه، ص42. بتصرف

41.  عبد الله الركيبي: الشعر الديني الجزائري الحديث، ص08، نقلا عن: يوسف وغليسي: النقد الجزائري المعاصر: من اللانسونية إلى الألسنية، ص43.

42.  يوسف وغليسي: النقد الجزائري المعاصر: من اللانسونية إلى الألسنية، ص43.

43.  عبد الله الركيبي: الشعر الديني الجزائري الحديث، ص715، نقلا عن: يوسف وغليسي: النقد الجزائري المعاصر: من اللانسونية إلى الألسنية، ص43.

44.  دروش فاطمة: الصراع ودلالته السوسيولوجية في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية والمنتجة بين 1982-2002، https://www.ccdz.cerist.dz/ .

45.  واسيني الأعرج: اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1، 1982، ص117.

46.  دروش فاطمة: الصراع ودلالته السوسيولوجية في الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية والمنتجة بين 1982-2002، https://www.ccdz.cerist.dz/.

47.  واسيني الأعرج: اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، ص335.

* ظهرَ موقفُ الوعي الرومنتيكي من مختلفِ القضايا الاجتماعية، وعلى رأسها المرأة، التي يتم تناولها في الرواياتِ إما بالتقديسِ أو ككائنٍ من الدرجةِ الثانيةِ.

48.  عبد الرحمن بوعلي: في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، ص38.

* جميل حمداوي: سوسيولوجيا الأدب والنقد، شبكة الألوكة،.www.alukah.net