المحاضرة الثانية
المحــــاضرة الثّـــانيـــــة:
"الخطاب الشّعري القديم وتطبيقات المنهج التّاريخي"
الإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يستغني عن ماضيه، ولابدّ له من أن يعرف الآثار والوقائع التّاريخية التّي تركها السّلف إلى الخلف، فأخذ يبحث في التّاريخ ويسبغ على الوقائع شيئا من الخيال، بل ألبسها شيئا جديدا وبعث فيها الحياة، وأوجد علاقة بين الزّمان والمكان من خلال الحادثة التّاريخية.
ومن هنا نشأت علاقة بين التّاريخ والأدب، قائمة على مزج الصّور الأدبية بالحقائق التّاريخية، وخير من مثّل هذا الاتّجاه "الشّعب اليوناني" الذّي تناول تاريخه عن طريق الحكاية الشّعبية التّي أنتجت لنا الأسطورة، أي أصبح هناك تداخل بين التّاريخ والأسطورة، تتناقله الأجيال عن طريق الحكاية التّي نقلت إلينا الملحمتين (الإلياذة والأوديسا)، وهما بمثابة مصادر تاريخية أصلية، لأنّهما وصفتا المعارك الحربية والمغامرات البحرية، ومعتقدات الشّعب اليوناني في ماضيه القديم، والتّي كانت مرتبطة بعقائدهم الدّينية، هذه الوقائع كتبت بواسطة الشّعر والملاحم، ولذا فقد ارتبط التّاريخ اليوناني بالأدب القائم على المعتقدات الدّينية التّي ألهمت خيال الشّعراء وخلّدت أعمالهم التّاريخية.
لقد كانت ثمرةُ استفادة النقاد من التاريخ، ظهورَ منهج نقدي أطلق عليه "المنهج التّاريخي"، وهو منهج يتّخذ من حوادث التّاريخ السّياسي والاجتماعي وسيلة لتفسير الأدب وتعليل ظواهره أو التّاريخ الأدبي لأمّة ما، ومجموع الآراء التّي قيلت في أديب ما، أو في فنّ من الفنون.
بهذا المعنى يصبح التّاريخ "خادما للنصّ الأدبي، ودراسته لا تكون هدفا قائما بذاته وإنّما تتعلّق بخدمة النص"، فاستفادة النّاقد التّاريخي من علم التّاريخ يختصر في اتّخاذ القواعد السّياسية والاجتماعية وسيلة للوصول إلى حقيقة الإبداع ودوافع إنتاجه، لذلك نجد أصحاب المنهج التّاريخي يؤمنون بفكرة أنّ التّاريخ "يشكّل أهمّية كبيرة في معرفة الأدب ومراحل تطوّره، وله القدرة على تحليل عناصر الأدب حتّى يشكل التّاريخ أداة نقدية في تقييم الأدب والأدباء".
ويتّكئ النّقد التّاريخي على حد تعبير "عبد السّلام المسدي" في كتابه (في آليات النّقد الأدبي) "على ما يشبه سلسلة من المعادلات النّسبية: فالنص ثمرة صاحبه، والأديب صورة لثقافته، والثّقافة إفراز للبيئة، والبيئة جزء من التّاريخ، فإذا النّقد تأريخ للأديب من خلال بيئته".
و كما هو معروف فالمنهج التّاريخي يعتمد على مبدأ الشّرح والتّفسير، فالنّاقد يستخدم المنهج " لتفسير ووصف ماضي الظّواهر الأدبية، ويوضّح لنا: كيف جاءت، ومن أين، ومتى ظهرت؟ فإذا طُبّق المنهج التّاريخي للأدب دون الاستناد إلى وثائق يقينية مؤكّدة، يكون النّاتج حتما بعض الافتراضات الظنية غير القابلة للتّحقيق، ولكن منهج تاريخ الأدب الحقّ، هو الذّي يعتمد أصلا على الحقائق المؤكّدة والثّابتة، استنادا إلى الوثائق الأصلية التّي تُستخدَم لاستجلاء الوقائع الأدبية".
و عليه فالنّاقد في دراسته النّقدية التّاريخية، مُطالب بالاتّزان، فالمنهج التّاريخي "إذا فقد فيه صاحبُه توازنه، زلّت به قدمه، واختلّ ميزانه، وصار النص الأدبي لديه مادة التاريخ ولم يصر التّاريخ مادة للنّقد".
وفيما يخص نقدنا العربي القديم فقد عرف ممارسة نقدية تاريخية –إن صحّ القول- من قبل النّقاد العرب القدامى، من أمثال: "الأصمعي" في كتابه (فحولة الشّعراء)، والذّي قسّم فيه الشّعراء إلى فحل وغير فحل، وتعصّب للقديم وفضّله على كلّ محدث، وتحدّث عن أثر العصر والبيئة في نتاج الشّاعر، وكيفية انتقال الشّعر في القبائل تبعا للعصر. وجاء من بعده "ابن سلّام الجمحي" في كتابه (طبقات فحول الشّعراء) الذّي وضع منهجه على أساس الزّمن والبيئة والمكان، فقسّم الشّعراء إلى طبقات على وفق مقدرتهم الفنية، وعلى أساس المدينة التّي ينتمون إليها، ثمّ حسب الدّيانة التّي يؤمنون بها، فضلا عن الموضوع الشّعري الذّي نظموا فيه. هذا دون أن ننسى (الشّعر والشّعراء) لـ: "ابن قتيبة"، و (الأغاني) لـ: "أبي فرج الأصفهاني"، و(طبقات الشّعراء) لـ: "عبد اللّه بن المعتز العبّاسي"،....
وإذا أردنا أن نقول إنّ النّقد العربي القديم قد عرف نوعا من الممارسة النّقدية التّاريخية، وجب علينا أيضا أن ننبّه إلى أنّ ممارستهم كانت قائمة على النّظرة الجزئية، وتبتعد عن الحكم الكلّي، ولهذا ظلّ النّقد طويلا قائما على التّقويم والتّقدير والحكم الشّخصي، وعلى قواعد أرسطو في معياريته، ومن ثمّ فهو لا ينظر إلى النص ولا إلى العوامل المؤثّرة فيه، وإذا ورد شيء من عصر الأديب فإنّه يرد عرضا منقطعا.
أمّا في العصر الحديث فيمكن أن تكون نهايات الرّبع الأوّل من القرن العشرين تاريخ بداية الممارسة النّقدية التّاريخية عند فئة من النقّاد –تتلمذوا بشكل أو بآخر على يد رموز المدرسة الفرنسية-، وأوّل من سلك هذا المنهج سلوكا حقيقيا هو الدّكتور "طه حسين" في كتابه الأوّل (ذكرى أبي العلاء) وكتبه الأخرى، إضافة إلى "أحمد أمين" في كتبه (فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام)، والأستاذ "طه أحمد إبراهيم" في كتابه (تاريخ النّقد عند العرب)، والدّكتور "خلف اللّه" في بحثين صغيرين له عن (التّيارات الفكرية التّي أثّرت في دراسة الأدب) و (نظرية عبد القاهر في أسرار البلاغة)، و "زكي مبارك" في كتاب (النّثر الفنّي في القرن الرّابع)، والأستاذ "حسن الزيّات" في كتابه (أصول الأدب)، و"شوقي ضيف" في (الفنّ ومذاهبه في الشّعر العربي)، والأستاذ "نجيب البهيتي" في (أبو تمّام)...
هذا كلّه إضافة إلى أعلام آخرين برزوا فيما بعد وهم: (سهير القلماوي، عمر الدّسوقي (مصر)، شكري فيصل (سوريا)، محمّد الصّالح الجابري (تونس)، عبّاس الجراري (المغرب)، بلقاسم سعد اللّه وصالح خرفي وعبد اللّه ركيبي ومحمّد ناصر و عبد الملك مرتاض – في مرحلة أولى من تجربته النّقدية- (الجزائر)).
لقد كان "طه حسين" يبدي آرائه التّجديدية في دراسة الأدب العربي في جرأة وصلابة، فهو يريد أن ينشئ شرعة جديدة للأدب والفكر العربي عامة، ويريد أن يُدخل منهجا جديدا على الأدب العربي في ذلك الوقت، وهو "المنهج التّاريخي" الوثيق، فيزعزع بذلك المسلّمات التّقليدية الموروثة فيما يتّصل بالأدب الجاهلي، ويكشف عمّا فيه من انتحال، وما لهذا الانتحال من دوافع وأسباب، وهو يريد أن يضع مصر ولأوّل مرّة لما يُسمّى بالنّقد الفيلولوجي المعروف جيّدا للعقل الأوروبي.
ويرى "طه حسين" في بحثه هذا أنّ الباحث في الأدب إمّا أن يقبل ما قاله القدماء في الأدب وتاريخه، وإمّا أن يعيد البحث فلا يقبل شيئا ممّا قاله القدماء إلّا بعد تثبّت وتحقيق، وهذا الأخير هو ما ارتضاه "طه حسين" لنفسه، فبدأ بحثه بالشك في الأدب الجاهلي، ثمّ انتهى إلى القول بأنّ الكثرة المطلقة من هذا الأدب منحولة بعد ظهور الإسلام، وأنّ ما بقي من الأدب الجاهلي الصّحيح قليل جدّا، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصّورة الأدبية الصّحيحة للعصر الجاهلي.
تبنّى "طه حسين" منهج "ديكارت الشكّي الفلسفي"، هذا المنهج الذّي يعتمد في شقّه الأكبر على الشك المنهجي؛ الذّي يقوم على فكرة أساسية مفادها عدم التّسليم بما وصل إليه الأقدمون من نتائج، إنّما يجب أن تخضع كلّ أعمالهم للنّقد، ويستند هذا المبتغى على ثلاث خطوات أو قواعد منهجية، أوّلها ألّا يقبل شيئا ما على أنّه حق، ما لم يعرف يقينا أنّه كذلك بمعنى أن يتجنّب بعناية التهوّر والسّبق إلى الحكم قبل النّظر، ولا يدخل في أحكامه إلّا ما يتمثّل أمام عقله في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لديه أيّ مجال لوضعه موضع الشك.
وهي القاعدة التّي حرص "طه حسين" على توضيحها أثناء مقاربته للنص الشّعري الجاهلي وغيره من المتون؛ إذ لم يقف من دراسات الأقدمين موقف المسلّم المعتقد، بل وقف منها موقف الشّاك في طروحاتها وفي نتائجها، الأمر الذّي نلمسه مرّة أخرى حين يمايز بين تراث الأمّة اليونانية والأمّة العربية في قضية انتحال الشّعر، فخلص إلى أنّ جملة من الأمور جعلت من هذه القضية موضعا للشّبه بينهما.
يشير "طه حسين" في مقدّمة كتابه "في الأدب الجاهلي" إلى منهجين سادا في عصره، وفي البيئة العربية عموما هما: المنهج الإيماني الاعتقادي المطمئن، والمنهج الاحتجاجي الشّاك؛ الذّي يرفض كلّ النّتائج التّي جاء بها القدامى. فالمنهج عند القدامى يترك الأدب كما أنتجه القدماء بلا تغيير ولا تبديل، أمّا المنهج الثّاني فيبحث عن الحقيقة الصّعبة المنال بالمعطيات البحثية الحديثة، يقول: (بين يدينا مسألة الشّعر الجاهلي نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحقّ، فأمّا أنصار القديم فالطّريق أمامهم واضحة معبّدة، والأمر عليهم سهل يسير).
بعدها خصّص "طه حسين" مبحثا من كتابه لدراسة مشكلة "الوضع والنّحل في الشّعر الجاهلي"، ويضمّ هذا القسم من الكتاب أربعة مباحث فرعية تقود جميعها إلى المشكل الأساسي، أي الوضع والنّحل في الشّعر الجاهلي.
أوّلا تناول طبيعة المنهج الذّي قرّر اتّباعه في دراسة الشّعر الجاهلي، وهو منهج "الشك" الذّي استحدثه "ديكارت" للبحث عن حقائق الأشياء، حيث يقوم على تجرّد الباحث من كلّ شيء كان يعلمه سابقا، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذّهن.
انتقد "طه حسين" في الشّعر الجاهلي تمثيله للحياة الجاهلية لأنّه افتقد فيه إلى لغتهم، فلاحظ خلافا واضحا بين لغة الشّعر الجاهلي، وبين تلك اللّهجات أو اللّغات التّي كانت معروفة في شمال الجزيرة وجنوبها، كما لاحظ مشابهة بين لغة الشّعر الجاهلي ولغة القرآن، منتهيا إلى أنّ الشّعر الجاهلي كُتب بلغة القرآن.
درس بعدها الأسباب المختلفة لنحل الشّعر، فحصرها في دوافع مختلفة: من السّياسة والدّين والقصص والشعوبية وعمل الرّواة، ثمّ شرع في دراسة تطبيقية خصّصها لشعراء من "اليمن" و"مُضر" في الجاهلية، فقد شكّ في شعراء "مضر" ورفض الكثير من أخبارهم وأشعارهم.
أمّا المبحث الموالي فقد خصّصه لاستخلاص ما أسماه المنهج المركّب، للفصل بين الصّحيح وغير الصّحيح من الشّعر الجاهلي، وسلك لاستخلاص هذا المنهج طريقين:
1- عمل على إثبات زيف هذه الخصائص الشّائعة عن طبيعة الشّعر الجاهلي لغة ومعنى، وصوره الشّعرية بوصفها خصائص فنّية مميّزة له، فرفض غرابة اللّفظ وبداوة المعنى.
2- قام بدراسة طائفة بعينها من شعراء الجاهلية دراسة نقدية تحليلية، لاستخلاص الخصائص الفنية المشتركة لأشعارهم، والذّين يشكّلون مدرسة شعرية بعينها، ولم يتوسّع في اختياراته ليحصر الدّراسة كما يشاء، وفي الامتداد الذّي يريد، واعتمد المؤلّف في إثبات هذه الصّلة الاجتماعية والفنية على ما صحّ لديه من روايات القدامى عند بعض شعراء مضر، الذّين أخذ بعضهم عن بعض وتشخصهم طائفة الشّعراء الرّواة.
علّل "طه حسين" أسباب الخلاف اللّغوي وحصرها في أربعة عناصر:
- الخلاف بين لغة حِمير ولغة عدنان.
- نصوص ونقوش تثبت الخلاف بين اللّغتين.
- عدم ظهور هذه الاختلافات في الشّعر.
- الإسلام فرض لغة موحّدة على كلّ العرب.
ومنه فإنّ "طه حسين" قد قلب المعادلة، فبدلا من القول إنّ الإسلاميين نسجوا شعرهم على منوال الجاهليين، ذهب إلى القول إنّ الإسلاميين وضعوا الشّعر الجاهلي واختلقوه اختلاقا على غير نموذج وادّعوا أنّه من صُنع الشّعراء الجاهليين.
ومنه فإنّ المنهج النّقدي الذّي ارتاده "طه حسين" كان مغايرا لما تمّ اعتماده سابقا عند باقي النّقاد العرب سواء القدامى أو المحدثين، وأنّ المدوّنة التّراثية التّي اشتغل عليها لم تكن صغيرة أو هيّنة في كافة مناحيها، سواء الجانب المعرفي أو الكم الإبداعي الذّي تمّت مسائلته.