المحاضرة الأولى
المــــحاضـــرة الأولــــى:
مــــدخل نظـــــري
"الشّعر العربي القديم في ضوء المناهج النّقدية الحديثة والمعاصرة"
توطئة: يقول رجاء عيد: " إن المقولة الذائعة: كل قراءة خاطئة، إنما تعني أن كل قارئ، يضيف بعدا إلى النص، قد يتقارب أو يتجاوز أو يتباعد مع قراءة أخرى.. هذا التعدد في القراءة، هو الذي يمنح النص الجيد، حياة ممتدة، مادام قادرا على تجاوز البعد الواحد، والذي هو نقيصة، تلتصق بالنصوص الرديئة، والتي تنزلق بسرعة نحو معنى محدد، والقارئ الجيد يكتشف زيفها، من سطورها الأولى، بينما يتجاوز النص الجيد مضمونه الحرفي. فهو خلق مستمر، ووجود متجدد، من خلال قراءات متعددة، ومن هنا، تصح - على حذر - خوفا من التعميم، هذه المقولات:
- دع النص يتحدث عن نفسه.
- المؤلفون يقولون، والنصوص تخفى، والقراءات تستكشف.
ومن هنا يظل " التأويل" الأنسب لقراءة النصوص الأدبية، لأنه يضم شبكة من العلاقات المتعددة، التي تغطي مساحة العمل الأدبي، شريطة أن تكون في حدود إمكانات اللغة التي صيغت فيها الرسالة". ( القول الشعري، منظورات معاصرة، رجاء عيد، ص 7 وما بعدها..)
ومن هذا المنطلق - وما يشبهه - تأتي أهمية دراسة الشعر العربي القديم، وفق المناهج النقدية الحديثة، التي تروم تفسير الظواهر الثابتة، الجلية والخفية، للشعر العربي القديم،بموضوعاته وخصائصه، في ضوء الكلمة داخل النص، أو في ضوء الحياة العربية، وحضارتها السائدة، فيما يشبه تشكيل خارطة منفسحة للإنسان أو للإنسانية، نافية حدود، الزمان والمكان، حيث يتجاور الماضي بالحاضر، والسابق باللاحق.
يُعدّ الشّعر القديم ظاهرة أدبية ذات أبعاد لغوية وفنّية وأسلوبية وحضارية، ومن ثمّ فهو ظاهرة تقبل التعدّد في طرح الرّؤى والتّفسيرات. وقد كثرت المحاولات الجادّة للدّارسين المحدثين التّي تسعى إلى الكشف عن هذه الأبعاد، ولا ريب أنّه شعر خصب يقبل تصوّرات المناهج النّقدية بمنظومتها التّاريخية أو بمنظومتها الحداثية على السّواء، رغم اختلاف المبادئ والاتّجاهات فيها، ومن أجل ذلك نقول: إنّه شعر يقبل التّفسيرات التّاريخية والاجتماعية والنّفسية، وكذلك يقبل التّفسيرات الانطباعية التأثّرية والأسطورية والفنية والأسلوبية والبنيوية، وما بعد البنيوية أيضا. فالشّعر القديم إذن، يحمل المقوّمات التّي تجعله ينفتح على تلك المناهج دون النّظر إلى قدر النّجاح أو التّوفيق في تلك الدّراسات التّي اقتحمت عالمه الرّحب.
لم يعد الأمر في نظر النقّاد والدّارسين المحدثين يتوقّف عند حدود الوصف الظّاهري للقصيدة العربية وهيكل بنائها، وتوزيع مقطوعاتها وترتيب أغراضها حسب آراء "ابن قتيبة" في القرن الثّالث الهجري، أو طريقة "طه حسين" الانطباعية التأثرية في كتابه "حديث الأربعاء"، والتّي ظلّت توجّه عددا كبيرا من الدّارسين للشّعر الجاهلي طيلة عقود ممتدّة في القرن العشرين.
وجاء جيل جديد من النقّاد والدّارسين ينقّبون في الشعر العربي القديم بمناهج جديدة وآليات مختلفة، تتّجه نحو النصّ دون التّركيز على ما يحتويه، أي تهتمّ بالسّياق الخارجي فقط، حيث أسرف هؤلاء الدّارسون على أنفسهم في الاهتمام بهذا السّياق لفترة طويلة، وترتّب عن هذا، الابتعاد إهمال لجوهر النص ورؤيته من الدّاخل، وهو الذّي يمثّل مركز الدّائرة في الدّراسات النّقدية والأدبية.
لقد زخرت المكتبة الأدبية بكمّ هائل من الكتب والأبحاث حول "الشّعر القديم"، ويُدرك القارئ لهذا الكمّ من الدّراسات النّقدية المعاصرة، أنّ هناك تفاوتا كبيرا بين جانب التّنظير، وجانب التّطبيق، فقد انطلقت تلك المؤلَّفات في إطارها التّنظيري من مفاهيم التّراث النّقدي عند العرب، كذلك النّظريات والمناهج الغربية الحديثة، وأفاضت في عرض قضايا ومشكلات الشّعر العربي القديم.
ورغم سعي تلك الدّراسات في إطارها التّطبيقي إلى تفسير هذا الشّعر وسبر أغواره، والدّخول إلى عالمه الرّحب، وفكّ مغاليق ألفاظه ورموزه، بغية الكشف عن مكنون جوهره، فإنّها تختلف في مناهجها و منطلقاتها الفكرية اختلافا واسعا قد يبلغ حدّ التّناقض أحيانا، عن تلك الأصول التّي استعيرت منها، فقد أباح هؤلاء الدّارسون لأنفسهم التصرّف في مناهج دراسة الشّعر إلى حدّ بعيد، حتّى اختلطت تلك المناهج عليهم رغم اختلافها في الأصول والمبادئ.
في بداية الأمر كانت هذه المناهج النّقدية يقتصر تعاملها مع النصّ تعاملا خارجيا أي سياقيا بعيدا كلّ البعد عن جوهر النص من الدّاخل، وبالتّالي فهذه المقاربة ما هي إلّا تفسير لجانب واحد فقط من جوانب النّصوص الإبداعية، أو عنصر من عناصرها القيّمة، وتبقى عناصر وجوانب أخرى تحتاج إلى دراسة و تفسير وتأويل.
ومن هنا كانت الحاجة ضرورية لدراسة العناصر اللّغوية والجمالية، فضلا عن القيم الشّعورية في النصّ، من خلال مناهج تتناول النصّ ذاته دون التعرّض لما حوله من سياقات أو قضايا فكرية، إلّا للضّرورة، وفي حدود ضيّقة، من أجل كشف غموض فكرة أو تجلية حدث ورد في النصّ، أو إيضاح عنصر من عناصره. وتشمل المناهج التّي تتعرّض للنصّ تعرّضا مباشرا: "المنهج التأثّري الانطباعي، المنهج الأسطوري، المنهج البنيوي، و المنهج الأسلوبي".
إنّه وممّا لا شكّ فيه أنّ المناهج النّقدية الحديثة قد أولت اهتماما بالغا بدراسة النّصوص الأدبية – قديمها وحديثها- وزوّدت النّاقد بآليات وأدوات إجرائية تساعده –إن هو أحسن استغلالها- على اكتشاف طاقات النصّ الإبداعية اللّامحدودة و اللّامتناهية، وجعلت النصّ الأدبي يتجدّد بتجدّد القراءة، هذه الأخيرة التّي تضيء أمكنة الشكّ، وتوسّع من دائرة أمكنة اليقين حسب تعبير "ميشال أوتون".
غير أنّ أوّل ما يواجه الدّارس العربي هو اختيار وتطبيق المنهج النّقدي ومدى القدرة على التحكّم في آلياته، ذلك أنّه في الكثير من الأحيان نجد من الدّارسين مَن يأتي بمنهج جاهز أفرزته ظروف ثقافية واجتماعية مغايرة للظّروف التّي أفرزت النصّ الأدبي العربي، يُسقطه عليه بحذافيره، فيمطّط النصّ متى احتاج إلى ذلك، أو يقصّ منه أجزاء ليستقيم له، فيقتل بذلك طاقاته ويشوّه جماليته بدلا من أن يستنطقه أو يعيد بعثه.
وبالتّالي فإنّ المنهجية السّليمة تفترض أن يأتي الدّارس إلى النصّ، يحاوره ويستدرجه، بل ويشاكسه في أحيان كثيرة، حتّى إذا ما عثر على إشارات تفضح أسراره، راح يكيّف منهجه مع معطيات النصّ مراعيا خصوصياته الجمالية والدّلالية.
كما أنّه ليس من حقّ أيّ كان، أن يفرض على النصّ الأدبي قراءة واحدة، زاعما أنّها جمعت كلّ ما يمكن أن يُقال في النصّ، لأنّ مثل هذا الاتّجاه في النّقد لا يعني سوى شيء واحد وهو "موت النص"، ولو صحّ مثل هذا الاتّجاه – وهو بالتّأكيد لا يصحّ – لماتت نصوص الآداب القديمة جميعها منذ أمد، بل قل لماتت نصوص العقد الماضي من هذا القرن، وبعض نصوص هذا العقد ... ولكنّ الذّي حدث ويحدث دائما، أنّ الدّراسات هي التّي تموت، وتبقى النّصوص حيّة لا تعرف الموت.
وتأسيسا على ما تقدّم فإنّ نصوص الأدب العربي القديم - شعرا ونثرا- لا تزال رغم عوادي الدّهر تفيض عافية وحيوية، وإنّ كثيرا من الدّراسات التّي تناولتها قد اندثرت ولم يبق منها شيء سوى ما قد يكون أصداء خافتة يحتفظ بها تاريخ الضّمير الأدبي، ومن هذه الدّراسات ما كُتب بالأمس البعيد، ومنها ما كُتب بالأمس القريب، أو القريب جدّا...هل تريد البدء من آخر صفحة شاهدتها؟