الحياىة الثقافية في دولة المرابطين
مقدمة
تشيرُ كلمةُ المرابطون إلى المقيمين في الحاميات الملازمة لتخوم الأعداء، والمرابطون هم اتّحاد من قبائلِ لمتونة، وجدالة، وصنهاجة، وهم من أمازيغ شمال إفريقيا، استطاعوا تكوين دولة إسلامية في شمالِ غربِ إفريقيا، وشبه الجزيرة الأيبيرية في القرنين الحادي عشر، والثاني عشر الميلاديين، وتحت قيادة يوسف بن تاشفين اتخذوا من مرّاكشَ عاصمةً لهم في عام ألف واثنين وستين، وحكموا المنطقة تحت راية الخلافة العباسية، وبعد عقدين بدأت القوّاتُ المرابطية في التّقدم نحو الأندلس، إلى أن استطاعوا الاستيلاء عليها بالكامل في عهد علي بن يوسف، وبالرّغم من سقوط دولة المرابطين بعد ذلك بزمن قليل، وعدم وجود الكثير من الآثار المعمارية التي شيّدوها، إلا أنّ أعمالهم الحربيةَ تركت لهم بصمةً هامّة في تاريخ المغرب والأندلس.[١] أصل المرابطين وتأسيس الدولة كان يحيى بن إبراهيم رأسَ قبيلة جدالة يرغبُ في تغيير أحوال أبناء قبيلته إلى الأفضل، بحثّهم على إعادة التّمسك بتعاليم الإسلام، وذلك بعد أن تفشّت الفاحشةُ بينهم، وساءت أحوالهم، وفي طريق عودته من رحلة حجّ نزل بالقيروان باحثاً عن أحد العلماء، ليصحبَه معه إلى جدالة، ليعلّمَ أبناءها شؤون دينهم، وبالفعل عاد معه عبد الله بن ياسين أحدُ مشايخ المالكيّة، والذي كان له العديدُ من طلاب العلم في المغرب الأوسط، والذي أصبح فيما بعدُ أوّلَ زعماء المرابطين، وصاحبَ الدعوة فيهم، وقد واجه عبد الله بن ياسين العديد من الصعوبات في بداية دعوته، فاتّجه إلى منطقة منعزلة في شمال دولة السّنغال الحالية، وبدأ طلاب العلم بالتوافد عليه، وبعد أربعة أعوام من بداية دعوته وصلَ عددُ طلابه إلى ألف رجل، استطاعوا نشر دعوته بين قبائل الأمازيغ، حتى انضم إليه يحيى بن عمر اللّمتوني، وكان على رأس قبيلته، فأدخلهم جميعاً في جماعة المرابطين، ومن بعده اتّخذ ولده أبو بكر بن يحيى من الدعوة إلى الله منهاجاً مع الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى استطاعوا إدخالَ قبيلة جدالة بأكملها في الجماعة، وبوفاة الشيخ عبد الله بن ياسين تولى أبو بكر بن عمر زعامةَ المرابطين، وأصبح للمرابطين دويلة في منطقة شمال السنغال، وجنوب موريتانيا.[٢] توسعات المرابطين ترك أبو بكر بن عمر لابن عمِّه يوسفَ بن تاشفين مهمّةَ الولاية من بعده، واتجه جنوباً، لإدخال القبائل المتنازعة في الإسلام، وجماعة المرابطين، وعندما عاد وجد أنّ ابن تاشفين قد استطاع التّوسع في المغرب، وموريتانيا بأكملها، كما أسّس مدينة مراكش، واتّخذها عاصمةً، كما أخضع مملكةَ تلمسان، وأسّس مدينة الجزائر، وأصبحت مملكة المرابطين في عهد يوسف بن تاشفين تمتدُّ من تونس، والجزائر شرقاً، وحتى المحيط الأطلنطي غرباً، ومن المغرب شمالاً حتى مالي، وغانا جنوباً، وفي عام ألف وستة وثمانين استنجد أمراءُ الأندلس بابن تاشفين، لمساعدتهم في صدّ هجمات ألفونسو السادس ملك قشتالة، وبالفعل حقّق العديدَ من الانتصارات على الصليبيين في الأندلس، إلا أنّه اضطر للعودة إلى المغرب بسبب بعض الاضطرابات، لكنّه عاد مرةً أخرى إلى الأندلس، بعد أن حصل على فتاوى من الفقهاء في عصره لضمّ المدن الأندلسية، وانتزاعها من الأمراء الضِّعاف للغاية في ذلك الوقت، واستعادة المدن من الصليبيين، ونجح بالفعل في توحيد الممالك الإسلامية في الأندلس تحت حكم المرابطين، مع استرداد عدّة مدن من القوات الصليبية.
إقرأ المزيد على موضوع.كوم: https://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D9%8A%D9%86
الحياة العلمية:
ازدهرت الحياة العلمية في الغرب الجزائري في عهد دولة المرابطين، وذلك لعناية الأمراء المرابطين بالعلم والعلماء، فكان للفقهاء والعلماء مكانة كبيرة في البلاط المرابطي، ومن أشهر علماء الجزائر في العهد المرابطي نذكر الحسن بن علي التاهرتي (ت. 501ه/1108م)، وكان من علماء اللغة والنحو، وقد تتلمذ على يديه القاضي عياض وذكره في فهرسته، وأيضا يوسف الورجلاني (ت. 570ه/1174م) من مدينة وارجلان (ورقلة) وهو من كبار علماء الجزائر في العهد المرابطي، وله تآليف كثيرة منها تفسير القرآن الذي يقع في سبعين جزءا، وله كتاب في التاريخ يسمى فتوح المغرب، واشتهر أبو عبد الله محمد بن سحنون الندرومي الكومي من تلمسان في ميدان الطب، والطبيب النطاسي عبد الله بن يونس الوهراني.
واهتم المرابطون ببناء المساجد، ومنها الجامع الأعظم بمدينة الجزائر الذي بني في سنة 497 ه/1104 م، ويشبهه في بنائه جامع تلمسان الذي بناه علي بن يوسف بن تاشفين بتكرارت بتلمسان في سنة 530ه/1136 م، وكان يضاهي جامع القيروان، وأصبح كأحد مراكز العلم والثقافة في بلاد المغرب خلال القرون المتعاقبة، وأيضا من المساجد المرابطية، الجامع الكبير بندرومة الذي أنشأه يوسف بن تاشفين.
تعتبر تلمسان في عهد المرابطين مركزا للدّراسات الفقهية والكلامية واشتهر فيها عدد غير قليل من العلماء البارزين، وقد اهتمّت الدّولة المرابطية بالجانب العمراني وأولته عناية فائقة يشهد عليه التّراث المعماري الديني الباقي حتى عصرنا الحاضر، ومع أنّ المصادر التاريخية تذكر أنّ الفن المعماري قبل المرابطين كان يمتاز بالطابع البربري البيزنطي، حيث جلب أمراء المرابطون المهندسين والصناع من الأندلس واعتمدوا عليهم في إقامة منشآتهم المعمارية. وبالرّغم من أنّ تلمسان عاشت فترات من الاضطراب السياسي والاجتماعي في عصر الدّولة الزيانية إلاّ أنّ المباني الدينية قد شهدت نشاطا ملحوظا إلى جانب ظهور عدد هائل من العلماء الذين تركوا تراثا علميا كبيرا كان له تأثيره على الحركة العلمية والعمرانية في تلمسان، وبالإضافة إلى ذلك كان هناك إقبالا على تشييد المؤسسات العلمية والجوامع والزوايا والمدارس التي شيّدت على فترات متعاقبة. وقد ظلّت مدينة تلمسان طوال تاريخها على مر الدّول المختلفة تحظى باهتمام الحكام والأمراء في النواحي العمرانية والمعمارية ممّا نتج عنه امتلاكها لتراث معماري حضاري يعكس مدى غنى وتفوق هذه العمائر في كافة النّواحي الفنية والمعمارية. وسيتناول البحث دراسة العمائر الدينية الباقية بتلمسان منذ عصر المرابطين من الناحية المعمارية والفنية والحضارية، وإظهار التأثيرات المختلفة والعلاقة بينها وبين نظيراتها بمدن المشرق الإسلامي مثل القاهرة ودمشق، وتوضيح مدى التواصل الحضاري بين هذه المدن في ضوء التبادل الفني والمعماري من خلال ما تبقى بها من عمائر دينية أثرية.
إقرأ المزيد على موضوع.كوم: https://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D9%8A%D9%86