Généralités
الأستاذ المؤطر للمادة: زين العابدين حمبلي
المادة المستهدفة: آليات التحليل النفسي

الجمهور المستهدف: طلبة السنة الأولى ماستر/ تخصص: نقد حديث ومعاصر
الأستاذ المؤطر للمادة: زين العابدين حمبلي
المادة المستهدفة: آليات التحليل النفسي

الجمهور المستهدف: طلبة السنة الأولى ماستر/ تخصص: نقد حديث ومعاصر
المحاضرة الأولى: ملامح التفسير النفسي عند اليونان.
بسطة تمهيدية
إنّ الحديث عن آليات التحليل النّفسي للأدب، يستدعي ولابدّ حديثا آخر عمّا قبل اكتمال هذه الآليات وتبلورها على الصّورة التي نعرفها بها اليوم، وقدّ جرت العادة عند التأصيل للمساقات النّقدية -لاسيما في جامعاتنا الجزائرية- ربطها بسابقاتها في السياقين العربي والغربي، بدءا بالعصور القديمة، ثمّ مرورا بالعصور الوسيطة، فانتهاء بالأزمنة الحديثة والمعاصرة.
إنّ ردّ مساق نقدي ما إلى أصوله العريقة، يستدعي في السياق العربي ردّه إلى العصر الجاهلي الذي ينتهي ببعثة النبي محمّد صلى الله عليه وسلم وظهور الإسلام، ممتدّا على مدار قرن ونصف، وربّما قرنين قبل البعثة النّبوية الشريفة، وفيه عرفت اللغة العربية ذروة اكتمالها ومجدها واستوائها على سوقها، تُعجب وتُرهب وتُعجز - اللهم، إذا استثنينا تلطيفا وتشذيبا وتهذيبا طالها فيما بعد، اقتضته ضرورات البعثة الشريفة والدّين الجديد، وتمدينٌ لحق العرب من بعد جفوتهم، فكان لهم وللغتهم كمالا فوق الكمال- وهي الحقبة نفسها التي عرف فيها الخطّ العربي لأمة الأميين الشفاهيين السماعيين اكتماله -اللهم إذا استثنينا بعض نقاط وبعض حركات طالته فيما بعد اقتضتها في البدء حاجات الأعاجم الوافدين حديثا على اللغة وبيئتها، ثمّ ما لبثت - الحركات والنّقاط- أن استقرت فصارت بدورها إضافة إكمال وجمال.
كما يستدعي ردّ مساق نقدي إلى أصوله العريقة في السياق الغربي، ردّه إلى أمّة الإغريق/ اليونان، فعندهم ومعهم بلغت الفلسفة خاصة والمعارف والعلوم عامّة مرتبة عليا في مسار اكتمالها ومجدها وتنظيمها -اللهم إذا استثنينا تحسينات وتكميلات وربما/ أحيانا ثورات تقتضيها تطوّرات الزمان والمكان والأحوال، تسائل السياق اليوناني دون أن تلغيه، وقد تردّ عليه بأدوات هي في المجمل من أدواته- ففي اليونان القديمة سارت جنبا إلى جنب الفلسفة وغريمتها السفسطة، ترادفهما البلاغة/ الريتوريقا، وفي صحبتهم كوكبة مجيدة من علوم الرياضيات والطبيعيات والطب والهندسة والفلك والجمال والموسيقى والفيزياء والبصريات.
ومن ثمّ فلا غرابة أن نعود بمساق نقدي اكتملت بعض أركانه أو كادت في القرن العشرين من بعد الميلاد، إلى خمسة قرون أخرى قبله وقد تزيد، فهنالك تحديدا بدأت التساؤلات وبدأ البحث، فضلا عن ذلك، فقد ترك لنا العهد اليوناني القديم إرثا وثائقيا مكّن من بعدهم الاطلاع على ثقافتهم، اطّلاعا يشبه المعايشة، حتّى بتنا نعرف أحيانا عن الإغريق وأجيالهم وأحوالهم وهم الأبعدين، ما لا نعرفه عن جارنا القريب زمانا ومكانا.
وإذا كانت الفلسفة اليونانية التي نبتغي ردّ نصيب من معارفنا الآنية إليها قد امتدّت زمانا عبر قرون وعصور عدّة، تعاقبت عليها حضارات الهيلنيين والهلنستيين، ومكانا عبر جغرافيات عدّة، تطّل على البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، وبحر إيجة، والبحر الأيوني، مشتملة على دول وأجزاء من دول عدّة نعرفها اليوم كاليونان، وقبرص، وتركيا، وألبانيا، وإيطاليا، ومصر، وعواصم عدّة كانت بمثابة المراكز الثقافية كأثينا، والإسكندرية، وإسبرطة والقسطنطينية، ومنتسبين عدّة على امتداد القرون واتّساع الجغرافيا تنوعت مشاربهم ومذاهبهم فكان منهم الطبيعيون، والفيثاغوريون، والسفسطائيون، والسقراطيون، والمثاليون، والواقعيون، والمشاؤون، والأبقوريون والرواقيون والشكوكيون، لا يستقيم الحال ولا يسمح المقام بالطواف عليهم جميعا، فحسبنا منها ومنهم أجيلا ثلاثة وحسبنا من كل جيل رئيسه -إن جاز التعبير- هم بمثابة أب وابن وحفيد، فأما الأول فـ "سقراط" وأمّا الثاني فـ "أفلاطون" وأما الثالث فـ "أرسطو".
أولا: ملامح التفسير النّفسي عند "سقراط"
يعتبر "سقراط" فيما ينقله عنه "أفلاطون" بأنّ الشعر إلهي المصدر لأنه راجع أساسا لربات الشعر، يقول "سقراط" في محاورته لـ "إيون": « إن موهبتك للتكلم بامتياز عن هوميروس ليست فنّا، لكنها، كما كنتُ قائلا لتوّي، إلهام؛ توجد إلهيات تحركك مثل تلك المحتواة في الحجر والتي يدعوها يورييايدس مغناطيسا (...) وبشكل مماثل فإن إحدى آلهات الشعر ألهمت الرجال قبل كل شيء؛ وتتدلى من هؤلاء الأشخاص الملهمين سلسلة من الأشخاص الآخرين الذين يتلقون الوحي.»[1] والموهبة الشعرية حسب "سقراط" ليست فنّا وقدرة ذاتية من الشاعر، إنّما هي إلهام من مصدر خارجي عنه، وكأنّه يأتيه قهرا من تلك القوة الخارجية التي عبّر عنها "سقراط" بربّات الشعر.
إنّنا إذ نتوقف عند هذا التوصيف السقراطي، نجده بصورة ما مشابها لما انتهى إليه تفسير الإبداع فيما بعد مع التحليل النّفسي إلى أنّ العُصابات والعقد هي التي تقود إليه، والحاصل ها هنا أنّ القوة الدّافعة إلى الإبداع إنما هي قوة قهرية خارجة عن نطاق واختيار المبدع، وقد تكون حسب "سقراط" إلهاما ممن سماهم ربّات الشعر، أو عُصابات وعقد خفية كامنة في اللاشعور كما سيأتي لاحقا حسب ما تذهب إليه بعض رؤى التحليل النّفسي الحديث.
لا يعتبر "سقراط" الإبداع فقط عملية قهرية خارجة عن نطاق المبدع، إنّما يلحقها بعد ذلك تفسير هذا الإبداع، فالمحاورة أساسا كانت مع "إيون" أحد مفسّري "هوميروس"، وهكذا يتبع المفسّر المبدع في العملية نفسها، ويتلقى الثاني وحيا وإلهاما كما كان قد تلقّاه الأول، في سلسلة متتابعة من الملهمين يتحدّر بعضهم من بعض.
يشير سقراط أيضا في تفسيره الشعر إلى كونه نوعا من المسّ، يقول: « إنّ كلّ الشعراء الملحميون كما الشعراء الغنائيون، لا يؤلفون قصائدهم الجميلة بالفنّ، إلا لأنهم ملهمون وممسوسون (...) إنَّهم مُلهَمون بكل بساطة ليتكلموا ذلك الذي تحملهم على التكلّم به إلهة الشعر (...) إنّ الشّاعر لا يغني بفنّ، بل بقوة إلهيّة (...) ولذلك يسلب الله العقل من الشعراء ويستخدمهم كممثّليه، كما يستخدم أيضا وسطاء الوحي والأنبياء الأتقياء.»[2]، فالشعراء الملهمون هم في الوقت ذاته حسب "سقراط" ممسوسون.
ومن هنا يمكن أنّ نجمل بعض الملامح التفسيرية النفسية التي قررّها "سقراط" حول الشعر بأنّ:
- مردّ الشعر ليس لمجرد الموهبة.
- الشعر لا يمكن أن يتأتي للشّاعر إلا بتدخل قوة خارجية.
- لا يتوقف الإلهام عند الشاعر فحسب بل يلحق به المفسّر/ المؤول الذي يتصدى لتفسير شعره وتأويله، فهو بدوره ملهم من قبل قوى خارجية.
- الشعراء الملهمون هم في الوقت ذاته ممسوسون.
- الشعراء مسلوبوا العقل.
- الشعراء مستخدمون من قبل الآلهة بوصفهم وسطاء الوحي مثلهم في ذلك كمثل الأنبياء والأتقياء.
ثانيا: ملامح التفسير النّفسي عند "أفلاطون"
يبدو موقف "أفلاطون" من الشعراء موقفا سلبيا كما هو معروف عنه، فالشعراء عنده محرومون من العقل لا ينبغي لهم البقاء في جمهوريته الفاضلة، ومع ذلك فإن السؤال حول طبيعة إبداعهم يبقى قائما، كيف تصدر أعظم الملاحم عن أتفه الشعراء؟
تجيب "أسماء حمداوي" عن هذا السؤال في كتابها "السيميائيات النفسية نحو مقاربة جديدة لقراءة الخطاب"، تقول: « يفسر "أفلاطون" صدور الشعر الملحمي والغنائي حتّى عن أتفه الشعراء، بأنّ هذا الشعر الجميل الصادر عن أشخاص يفتقرون إلى العقل ليس من تأليفهم ولا من صنع الإنسان أو من نظم البشر ولكنّه من صنع الآلهة التي تنطقهم به، وقد تعمَّد الإله – حسبه- لإثبات ذلك أن ينطقهم.»[3] ليكون بمقدورنا نحن البشر إدراك هذه الحقيقة، أي بأنّهم ليسوا هم مبدعو أشعارهم، بل تتدخل في ذلك قوى خارجية، فالشعراء حسب "أفلاطون" تافهون مفتقرون إلى العقل، غير أنّهم يصدر عنهم ملاحم وأشعار عظيم، ومن ثمّ فإنّ هذا الصادر عنهم ليس مرده إليهم هم بطاقاتهم ومواهبهم وقدراتهم، وإنّما مردّه إلى القوى الخارجية التي تنطقهم.
إنّ أفلاطون في محاولة تفسيره للإبداع، يصحب تفسيره مديح غير متوقع للشعراء حين ينزلهم منزلة رفيعة يشاركون فيها الأنبياء والأتقياء في تلقى الوحي والإلهام من قوى خارجية، ثم ينتهي به المطاف إلى إخراجهم من جمهوريته الفاضلة، فـ « على الرغم من هذا الرأي الأفلاطوني/ السقراطي الذي يبدو مديحا للشعراء إلا أن "أفلاطون" أخرجهم من جمهوريته الفاضلة، وأوصى بإبعادهم عنها، بعد حصر مواطنيها في ثلاث فئات هم: الفلاسفة، العمال، الجنود. إن هذا الموقف يبدو متناقضا بعض الشيء أن يُعتبر الشّعر إلهي المصدر ثمّ يطرد الشعراء من المدينة الفاضلة، وإذا أردنا تعليله من داخل تفكير "أفلاطون"، قلنا أنَّه من إملاء مثاليته العامة التي جعلته يرى كل ما في العالم ظلا لحقيقة عليا في عالم خفي وأن الشّعر تصوير لما هو موجود فيه - العالم- وما العالم إلا محاكاة للعالم المثالي وما الشعر إلا محاكاة لهذا العالم، وانطلاقا من فكرة أن تصوير الشيء دائما ما ينقصه كان الشعر تشويقا بدرجة ثالثة للعالم المثالي.»[4]. يتبع "أفلاطون" إذن –على الرغم من موقفه السلبي من الشعراء- أستاذه "سقراط" في تفسير حالة الإبداع بأنّها ذات مصدر خارجي إذ لا يعقل أن تصدر هذه الأشعار العظيمة من أشخاص تافهين، ومن ثمّ كان الشعراء هم فقط مجردّ مؤدين تحركهم قوى كبرى خارجة عن نطاقهم، وبالتالي فلا مزية لهم في إنتاج إبداعهم، ثمّ هو في النهاية متقاصر بدرجتين عن عالم المثل فلا يعدو أن يكون تشويقا بدرجة ثالثة.
وعلى هذا الأساس يمكننا إجمال ملامح التفسير النفسي للأدب عند "أفلاطون" في:
- الشعر ليس من تأليف الشعراء ولا من صنع الإنسان بل هو صنيع الآلهة.
- تعمّد الإله إنطاق أتفه الشعراء بأعظم القصائد لتتأكد لدينا نحن البشر هذه الحقيقة.
- الشعر على الرّغم من إلهية مصدره إلا أنّه يبقى تشويقا من الدرجة الثلاثة حين يصدر عن الشعراء، فلا حاجة لبقائهم إذن في الجمهورية الفاضلة، ولا مزية أصلا لهم في إنتاج شعرهم، لأنهم في النّهاية ليسوا سوى مجردّ مؤدين على خشبة المسرح.
ثالثا: ملامح التفسير النّفسي عند "أرسطو"
يذهب "أرسطو" –إزاء الشعر- مذهبا مغايرا لسابقيه فإذا كان "سقراط" لا يرى في الشاعر سوى شخصا مسكونا ومحركا من قبل قوى خارجية، وإذا كان "أفلاطون" لا يرى له أصلا مزية في شعره، ولا فائدة ترجى منه لأنه في النهاية لن يعدو أن يكون سوى تشويقا من الدّرجة الثالثة، فإن الشعر –لاسيما المأساة- في نظر "أرسطو" له على الأقل فائدة حصول التطهير، فالمأساة مثلا « تثير الّرحمة والخوف فتؤدّي إلى التّطهير من هذه الانفعالات.»[5] كما مشاهدة/ قراءة العمل الفني تقي المشاهد/ القارئ من العواقب الوخيمة فهي تطهره من انفعلاته السلبية وتثير فيه أخرى إيجابية كالرحمة، بل يذهب "أرسطو" إلى أبعد من ذلك حين يعتبر الخرافة في المأساة -على الرّغم من ضحالة عباراتها وضعف أفكارها- أبلغ أثرا في نفسية المتلقي من المواعظ والحجج المنطقية، يقول: « ولو برع المرء في تأليف أقوال تكشف عن الأخلاق وتمتاز بفخامة العبارة وجلالة الفكرة، لما بلغ المراد من المأساة، إنّما يبلغه حقا بمأساة أضعف عبارة وفكرة ولكنها ذات خرافة وتركيب أفعال أضف إلى هذا أن مصدر اللذة الحقيقي لنفس المشاهد للمأساة إنما هو في أجزاء الخرافة.»[6]، يتبع ذلك ما تتركه المأساة في نفس المتلقي من لذة.
وعليه يمكننا إجمال الملامح التفسيرية النفسية عند "أرسطو في:
- أنّ للشعر خاصة والإبداع عامة أثر على النّفسية البشرية حين يطهّرها من انفعالاتها السلبية ويُحلّ محلّها أخرى إيجابية.
- قد تكون الخرافة في المأساة –على بساطتها- أبلغ أثرا في نفسية المتلقي من المواعظ والحجج المنطقية.
- يحصل لمتلقي المأساة لذة نفسية لا يتحصل عليها بغيرها.
على سبيل الخاتمة
إنّ التفكير في النّفس من جهة أولى، والتفكير في الإبداع من جهة ثانية، ثم ربطهما معا من جهة ثالثة، تفكير عريق، تعود بعض أصوله إلى الحقبة اليونانية القديمة، حين شغلت العملية الإبداعية حيزا من تساؤلات فلاسفة اليونان فحاولوا تفسيرها، واهتدوا كل حسب مذهبه واختياراته إلى:
- تأثيرات خارج نفسية في المبدع تدفعه إلى الإبداع.
- تأثيرات نفسية في المتلقي من قبل المبدع والعمل الفني تصرفه عن الانفعالات السلبية وتدفعه إلى الإيجابية.
وعليه فإنّ:
- العملية الإبداعية –حسب بعض المذاهب- ناجمة عن أثر خارجي في نفس المبدع يُقهر عليها قهرا.
- العملية الإبداعية –حسب مذاهب أخرى- ذات أثر في المتلقي تصرفه عن انفعالاته السلبية وتُحلّ محلها أخرى إيجابية.
[1]- أفلاطون، المحاورات الكاملة، مج 3، تر: شوقي داود تمراز، الأهلية للنشر والتوزيع، لبنان 1994، ص 19، 20.
[2]- نفسه، مج 3، ص 20.
[3]- أسماء حمداوي، السيميائيات النفسية نحو مقاربة جديدة في قراءة الخطاب دراسة تطبيقية في روايات عز الدّين جلاوجي، دار بصمة علمية، ط 1، ورقلة الجزائر 2023، ص 20، 21.
[4]- نفسه، ص 21.
[5] - أرسطو طاليس، فنّ الشّعر مع التّرجمة العربيّة القديمة وشروح الفارابي وابن سينا وابن رشد، تر: عبد الرحمن بدوي، مكتبة النّهضة المصرية، مصر 1954، ص 18.
[6] - نفسه، ص 21.
يعرض هذا الملخص لملامح التفسير النفسي عند قدماء العرب من جانبين أولاهما بعض المعارف والعلوم والاهتمامات الموغلة في التاريخ العربي القديم والتي عرفها العرب وكانت ذات علاقة بالنّفس البشرية وميولاتها واهتماماتها ومحاولة فهمها، وثانيهما بعض الآراء النقدية التي أوردها قدماء النقاد العرب -زمن التدوين- وعبرت صراحة -أو على الأقل تلميحا- إلى دور النفس البشرية وأثرها وتأثرها في وبعملية الإبداع.
حيث لم يخل التاريخ العربي من اهتمام بالنّفس البشرية وتفاصيلها، وفي هذا السياق نجد ضروبا من المعارف أسّها وأساسها النّفس البشرية، إن بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، نورد بعضها فيما يلي:
أولا القيافة: وهي: « علم تتبع الأثر، في التراب والجو والماء، ومن اشتهر بها من بني مدلج وخثعم وخزاعة وقريش.» (الجاحظ، الرسائل الأدبية، دار الهلال، ط 2، بيروت 1423 هـ، ص 494)، ومن القيافة الاستدلال على الشخص ومعرفة نسبه بمجرّد النظر إليه، ويدخل ضمن اختصاص القيافة تعبير الرؤى والأحلام، بل تروى الأخبار عن أشخاص لا يقفون عند حدود الرؤى والأحلام بل يتعدّونها إلى معرفة مضمون الحلم قبل أن يُسمعهم صاحب الحلم مضمونه، على غرار ما يروى عن " سطيح الذئبي" و"شق اليشكري".
ثانيا الفراسة: وهي استدلال مبني على البصيرة، « ولا بد في باب البصر بجواهر الرجال من صدق الحس، ومن صحة الفراسة، ومن الاستدلال في البعض على الكل، كما استدلت بنت شعيب - صلوات الله عليه - حين قضت لموسى عليه السلام بالأمانة والقوة، وهما الركنان اللذان تبنى عليهما الوكالة.» (الجاحظ، الرسائل، تح: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة 1964، ج 4، ص 103).
ثالثا العيافة: وهي بدورها ضرب من ضروب الحدس يستدلّ فيه على أحوال النّاس مثلا من غير أن يكون العائف قد رأى من أحوالهم تلك شيئا.
كما أنّ النّقاد العرب القدماء ألمحوا إلى التعالق الحاصل بين النّفس البشرية والإبداع، على غرار ما نجده مثلا لدى:
1- الجاحظ في كتابه البيان والتبيين: يقول: « وقد علمنا أن من يقرض الشعر، ويتكلف الإسجاع، ويؤلف المزدوج، ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمق في المعاني، وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا رهوا، مع قلة لفظه وعدد هجائه- أحمد أمرا، وأحسن موقعا من القلوب، وأنفع للمستمعين، من كثير خرج بالكد والعلاج. ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة ويهوى النفج والإستطالة. وليس بين حال المتنافسين، وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق، وحجاز ضعيف.» (الجاحظ، البيان والتبيين، دار ومكتبة الهلال، بيروت 1423ه، ج 3، ص 263).
2- ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء: أورد بدوره ثلة من الأمثلة على هذا التعالق بين النفس البشرية والإبداع يقول: « وهذه عندى قصّة الكميت فى مدحه بنى أميّة وآل أبى طالب، فإنّه كان يتشيّع وينحرف عن بنى أميّة بالرأى والهوى، وشعره فى بنى أميّة أجود منه فى الطالبيين، ولا أرى علة ذلك إلّا قوّة أسباب الطمع وإيثار النفس لعاجل الدنيا على آجل الآخرة. وقيل لكثيّر: يا أبا صخر كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف فى الرّباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل على أرصنه، ويسرع إلىّ أحسنه. ويقال أيضا إنّه لم يستدع شارد الشعر بمثل الماء الجارى والشرف العالى والمكان الخضر الخالى (...) وقال عبد الملك بن مروان لأرطاة بن سهيّة: هل تقول الآن شعرا؟ فقال: كيف أقول وأنا ما أشرب ولا أطرب ولا أغضب، وإنما يكون الشعر بواحدة من هذه. وقيل للشّنفرى حين أسر: أنشد، فقال: الإنشاد على حين المسرّة» (ابن قتيبة، الشعر والشعراء، دار الحديث، القاهرة 1423ه، ج 1، ص 80).
3- ابن طباطبا في كتابه عيار الشعر: حيث أورد جملة من الآراء والأقوال تصبّ جميعها في هذا المنزع يقول: « وَقَالَ بعضُ الفَلاسِفَة: " إنَّ للنَّفْس كلماتٍ روحانيةً من جِنْسِ ذَاتهَا ". وجَعَل ذَلِك بُرْهَاناً عَلَى نَفْعِ الرُّقى ونجعِهَا فِيمَا تُسْتَعْمَلُ لَهُ. فَإِذا ورَدَ عَلَيْك الشِّعْرُ اللّطِيفُ المعْنَى، الحُلْوُ اللَّفظِ، التَّامُ البَيَان، المعَتدلُ الوَزْنِ مَازَجَ الرُّوحَ ولاءَمَ الفَهْمَ، وَكَانَ أنْفَذَ من نَفْثِ السِّحر، وأخْفَى دبيباً من الرُّقى، وأَشَدَّ إطْرَاباً من الغِنَاء، فَسَلَّ السَّخائمِ، وحَلَّل العُقَد، وسَخَّى الشَّحيحَ، وشَجَّعَ الجَبَانَ، وكانَ كالخَمْرِ فِي لُطْفِ دَبيبه وإلهائِهِ، وهَزِّهِ، وإثارَتهِ. وَقد قَالَ النَّبِيُّ -[صلى الله عليه وسلم]-: " إنّ من البَيَان لسِحْراً ". ولِحُسْنِ الشّعر وقُبولِ الفَهْم إياهُ عِلّةٌ أخْرَى؛ وَهِي موافَقَتُه للْحَال الَّتِي يُعَدُّ معناهُ لَهَا كالمَدْحِ فِي حَالِ المُفَاخَرة وحُضور من يُكْبَتُ بإنشادِهِ من الأعْداءِ وَمن يُسَرُّ بِهِ من الأوْلياءِ. وكالهجاءِ فِي حَال مُبَاراة المُهَاجَى والحَطَّ مِنْهُ حَيْثُ يَنْكى فِيهِ استماعه لَهُ. وكالمَراثيِ فِي حَال جَزَعِ المُصَاب وتَذَكُّرِ مَنَاقبِ المفَقْود عِنْد تأْبينهِ والتَّعْزيةِ عَنهُ، وكالاعتذارِ والتَّنصُّلِ من الذَّنب عِنْد سَلِّ سَخِيمَةِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ المُعْتَذَرِ إِلَيْهِ. وكالتَّحريضِ على القِتَال عِنْد التِقَاء الأقْرَان وطَلَبِ المُغَالبة. وكالغَزَل والنَّسِيب عِنْد شَكْوَى العَاشق واهِتيَاجِ شوقهِ وحَنينِه إِلَى مَنْ يَهْواهُ. فَإِذا وَافَقَتْ هَذِه المَعَاني هَذِه الحَالات تَضَاعَفَ حُسْنُ مَوْقِعها عِنْد مُسْتَمعها، وَلَا سِيَّما إِذا أُيِّدَتْ بِمَا يَجْلبُ القُلوبَ من الصِّدق عَن ذَات النَّفس بِكَشْفِ المَعَاني المُخْتَلِجَةِ فِيهَا، والتَّصْريحِ بِمَا كَانَ يُكْتَمُ مِنْهَا، والاعترافِ بالحَقِّ فِي جَميعها. والشِّعْرُ هُوَ مَا إنْ عَريَ من مَعْنَىً بَديعٍ لم يَعْر من حُسْنِ الدِّيبَاجَةِ، وَمَا خَالَفَ هَذَا فليسَ بِشِعْرٍ. وَمن أحْسَن المَعَاني والحِكَاياتِ فِي الشِّعر وأشَدِّها اسِتفزازاً لمن يَسْتَمِعُهَا الابتداءُ بِذكْرِ مَا يَعْلَمُ السَّامِعُ لَهُ إِلَى أيِّ مَعْنَى يُسَاق القَوْلُ فِيهِ قَبْلَ استتمامِهِ وَقبل تَوَسُّط العِبَارَةِ عَنهُ. والتَّعريضُ الخَفِيُّ الَّذِي يكون بخفائِه أبْلَغَ فِي مَعْنَاهُ من التَّصْريح الظَّاهر الَّذِي لَا سِتْرَ دونَهُ، فَموْقِعُ هَذَين عِنْد الفَهْم كَمَوقعِ البُشْرَى عِنْد صَاحِبِها، لِثَقَةِ الفَهْم بحلاوة مَا يَردُ عَلَيْهِ من مَعْنَاهُمَا» (ابن طباطبا، عيار الشعر، تح: عبد العزيز بن ناصر المانع، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 23، 24).
4- القاضي الجرجاني في كتابه الوساطة: حيث جاء في حديثه عن الشعر بوصفه علما من علوم العرب إشارة إلى الطبع والدربة والذكاء وجميعها متعالقات نفسية، يقول: « أنا أقول - أيدك الله - إن الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبَة مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرِّز؛ وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان.» (القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تح: البجاوي، مكتبة البابي الحلبي وشركاؤه، القاهرة، ص 15)
5- ابن رشيق القيرواني في كتابه العمدة: فهو يشير إلى النفس البشرية مثلا وأوقات وأحوال استعدادها للإبداع فيقول: « فليس يفتح مقفل بحار الخواطر مثل مباكرة العمل بالأسحار عند الهبوب من النوم؛ لكون النفس مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو أو المعيشة أو غير ذلك مما يعييها، وإذ هي مستريحة جديدة كأنما أنشئت نشأة أخرى؛ ولأن السحر ألطف، وأرق نسيماً هواءً، وأعدل ميزاناً بين الليل والنهار، وإنما لم يكن العشي كالسحر وهو عديله في التوسط بين طرفي الليل والنهار لدخول الظلمة فيه على الضياء بضد دخول الضياء في السحر على الظلمة، ولأن النفس فيه كالة مريضة من تعب النهار وتصرفها فيه، ومحتاجة إلى قوتها من النوم متشوقة نحوه؛ فالسحر أحسن لمن أراد أن يصنع، وأما لمن أراد الحفظ والدراسة وما أشبه ذلك فالليل، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلا ".» (ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وأضداده، تح: محمد محيي الدّين عبد الحميد، دار الجيل، ط 5، بيروت1981، ج1، ص 208)
6- عبد القاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة: حيث يقول مثلا في العلاقة القائمة ما بين اللفظ والمعنى في كتابه دلائل الإعجاز: « ولا سيَّما ما ذكرتُ من أنه لا يُتَصوَّر أنْ تَعرِفَ للفظ موضعًا من غيرِ أن تَعْرف معناه، ولا أنْ تَتوخَّى في الألفاظِ من حيثُ هي ألفاظٌ ترتيباً ونظماً، وأنَّك تَتوخَّى الترتيبَ في المعاني وتُعْمِل الفكْرَ هناك، فإِذا تَمَّ لك ذلك أتْبَعْتَها الألفاظَ وقَفَوْتَ بها آثارَها، وأَنَّك إِذا فرَغْتَ من ترتيبِ المعاني في نفسِك، لم تحتجْ إلى أن تستأنفَ فكْراً في ترتيبِ الألفاظِ، بل تَجدُها تَترتَّب لك بحُكْم أنها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها، ولاحِقةٌ بها، وأن العِلْم بمواقعِ المعاني في النَّفُس، علمٌ بمواقعِ الألفاظ الدالة عليها في النطق.» (الجرجاني، دلائل الإعجاز، تح: محمود شاكر، مطبعة المدني، ط 3، القاهرة 1992، ص 53، 54).
المدرسة الفرنسية في التحليل النفسي للأدب من خلال شارل مورون ونقده النفسي
يعرض هذا الملخص للمدرسة الفرنسية في التحليل النفسي للأدب من خلال واحد من أبرز ممثّليها ألا وهو شارل مورون، الذي أسس بمجموع مؤلفاته لما عرف فيما بعد بالنّقد النّفسي.
تكمن أهمية دراسة شارل مورون في كونه اختار مذهب التحليل النّفسي للأدب قاصدا بذلك الأدب، على خلاف روّاد التحليل النفسي -بدء بفرويد ومن تبعه- والذين وجدوا في الإنتاج الأدبي منجما ومَعينا يستدّلون به على صحة رؤاهم ونظرياتهم النفسية، فهم قصدوا بنظرياتهم ورؤاهم النفس البشرية -أمراضها، عصاباتها، ذهاناتها وطرائق علاجها- ووجدوا في الأدب ما يسعفهم بالدّليل ويؤيدهم بالحجة والبرهان.
غير أن شارل مورون نحى منحى عكسيا فقد قصد تحليل الأدب ونقده ووجد في التحليل النفسي ما يلبّي له هذا المقصد، أي أنه أراد فهم النص بالدرجة الأولى وليس إثبات عصابية المبدع ومرضيته، هذا من زاوية أولى، أما من زاوية ثانية فإن شارل مورون أفاد الدرس النّقدي الأدبي بخطوات محددة ومرتبه، فلم يترك أمر التحليل على عواهنه، يسبح فيه المحلل كيفما شاء، يُسقط رؤى التحليل النفسي على الأدب إسقاطا عشوائيا لا يُعرف له مبتدأ ولا منتهى، بل يسير المحلل على مذهب مورون/ منهجه، وفق خطوات محدّدة منظّمة مرتّبة، إضافة إلى ذلك، فمورون يعود له فضل السبق في فصل النقد الأدبي -النفسي- عن علم النّفس وتخليصه من القيود السريرية، فصلا يُعاد فيه ترتيب الأولويات، فبعد أن كان التحليل النفسي مع فرويد ومن شاكله غاية تتوسل الأدب، عُكس الأمر مع مورون، فأصبح النّقد الأدبي معه غاية تتوسل التحليل النّفسي.
ولعله من المفيد ابتداء الاطلاع على جوانب سيرية من حياة شارل مورون تصلح مدخلا لفهمه وفهم منهجه.
أولا: كيف توجه شارل مورن هذه الوجهة النقدية:
التخصص الأولي لمورون -في بداياته- كان الكمياء، وإضافة إلى الكيمياء عمل بترجمة الكتب من الفرنسية إلى الإنجليزية، غير أن تصاريف القدر -لما ابتلي به من تدهور في بصره- أجبرته على التقاعد المبكر والانعزال في الرّيف، ولعله هناك في خلوته لم يجد له سلوة سوى الأدب وكذا محاولة فهم النّفس البشرية، وقد كان التحليل النّفسي -الفرويدي خاصة وما جاوره- يعرف ذروة وأوج تطوره، ومن خلوته تلك أخرج مورون للعالم كتبا غدت فيما بعد بمجموعها منهجا (متكاملا) قائما بذاته في دراسة الأدب ونقده وتحليله، ولعلّ تلك الخلفية العلمية الأولى لمرون -تخصصه في الكيمياء- نحت به هذا المنحى، أي دراسة الأدب، دراسة مبنية على أسس علمية متسمة بالترتيب والتنظيم.
ثانيا: مؤلفات مرون التي شكّلت بمجموعها منهج النّقد النّفسي:
امتد تأليف مرون للكتب ذات الصلة بالتحليل النفسي للأدب على مدار ما يقارب ثلاثين سنة، وهي مدّة تبدو كافية للمراجعة والتنقيح والتدقيق حتى يكتمل المنهج تباعا ويكتسب فيما بعد جدواه النظرية والتطبيقية، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي قضاها غالبا في عزلته أخرج تباعا للساحة النقدية الأدبية مجموعة كتبه المعروفة التي نوردها فيما يلي:
• ملارميه الغامض، 1938.
• اللاوعي في أعمال وحياة راسين، 1957.
• الاستعارات الملحة والأسطورة الشخصية، 1962.
• النقد النفسي للفن الكوميدي، 1964.
• فيدر، 1968 (نشر بعد وفاته بسنتين).
ثالثا: مراحل تطور النّقد النفسي عند مورون:
مر النقد النّفسي الموروني -ولا غرو- بجملة من المراحل على غرار ما يمر به أي حقل أو مجال معرفي من تطورات تسلمه في النّهاية إلى النّضج والاكتمال، ولعله يمكن إجمال مراحل تطور النقد النفسي الموروني فيما يلي:
- لاحظ مورون عند دراسته لـ ملارميه سنة 1938 شبكة من الاستعارات الملحة في نصوصه.
- عند بداية دراسته لـ راسين سنة 1954 أسس لفرضية الأسطورة الشخصية، فكلّ مبدع/ كاتب على غرار راسين له أسطورة شخصية تحكم مساره التألفي.
- طبّق مورون سنة 1964نقده النفسي على الفن الكومدي وكأنه يحاول إثبات صلاحية هذا النّقد لا على المأساة فقط بل على الكوميديا أيضا.
-عاد مورون بعد ذلك إلى راسين وتحديدا إلى مسرحيته فيدر مؤكدا من خلال تجريب النقد النفسي جدواه وقدرته على فهم النص الأدبي وتفسيره، محاولا من خلال الاستعارات الملحة اكتشاف أسطورة راسين الشخصية من خلال ما توحي به تلك الاستعارات كالشعور بالذنب، والشعور بالاضطهاد والعدوانية، وما إلى ذلك، غير أن الكتاب لم ينشر إلا بعد وفاة مرون بسنتين أي سنة 1968.
رابعا: آليات/ خطوات التحليل النّفسي عند مورون:
لا تتوقف أهمية مرون عند حدود قصديته للسياق الأدبي، ولا عند حدود المدة الطويلة التي قضاها يعالج هذا السياق ويطوّره، ولا في عدد مؤلفاته المتخصصة في هذا السيّاق، بل يضاف إلى ذلك الخطوات/ الآليات التي اقترحها لتحليل الأدب ودراسته دراسة نفسية، نوردها فيما يلي:
1- التنضيد: ويستدعي قراءة جملة الأعمال الأدبية لمؤلف واحد، ومقارعة النّصوص بعضها ببعض -تقريبها بعضها من بعض وهو عكس المقارنة التي تركّز على الاختلاف والتباعد- لمحاولة الكشف عن الروابط اللاشعورية واللامدركة التي تصبّ جميعها في مساق واحد أو مساقات متقاربة ومن ثمّ تجميعها ( يمكن بغرض التدريب أو تبسيط وتوضيح عملية التنضيد الاكتفاء بعمل واحد أو حتى نصّ واحد تتكشّف فيه بعض الراوبط اللامرئية واللاشعورية ومن ثمّ تجميعها، أي أن تنضيد الروابط اللاشعورية من خلال عمل واحد أو نص واحد يعدّ -حسبي- عملية نقدية صحيحة لكن ليس على شرط مورون ولا على شرط من يذهب مذهب الصرامة والدّقة في تطبيق المنهج/ المناهج).
ومورون يرى التنضيد عملية بديهية حاضرة في ذهن النّاقد يطبّقها وفق ما يطلق عليه الانتباه العام أي أن يكون الناقد منتبها للأعمال المراد نقدها ويحبّذ حفظها أو أجزاء منها للإفادة في مقارعتها بعضها ببعض ومن ثمّ تنضيدها، ومن خلال عمليتي الوصف والمحايثة -أي وصف الروابط اللاشعورية التي تتكشّف لنا تباعا من خلال مقاربة النصوص والبحث عن الخيوط الرقيقة الرابطة بينها، ومحايثتها أي بنقد النسق من مقدمات النّسق/ نقد الفكرة من الفكرة ذاتها ففي عملية المحايثة يقترب كل جزء من النص من الأجزاء الأخرى وينتصب دليلا وشاهدا عليها- تتمّ عملية التنضيد.
تمكننا عملية التنضيد إذا من الكشف عن صور متشابهة من نصوص مختلفة لمبدع واحد والناقد في هذه المرحلة يصف هذه الصور المتشابهة وكيف تدل صورة على أخرى وكيف تتشابه صورة مع أخرى وهكذا وسوف تدل هذه الصور المتشابهة ولا شك عن ملمح أو ملامح لاشعورية للمبدع.
1-1 مثال تطبيقي عن التنضيد:
- نلاحظ مثلا عند قرائتنا لأعمال مبدع ما نبتغي تحليل أعماله وفق منهج مورون تكرر ذكر الأماكن.
- نقوم باستدعاء الأماكن المذكورة في المواضع المختلفة من ذات النّص أو من نصوص مختلفة.
- نجد مثلا أن هذه الأماكن بها سيمات مشتركة (مهجورة أو مأهولة، مدن أو أرياف، ساحلية، داخلية أو صحراء، سهول أو جبال، إلخ) تدلنا هذه الأماكن على ملمح نفسي ما نفترضه، بشرط أن يكون التأويل الذي نفترضه تأويلا مقبولا وعليه دلائل وبراهين، مثلا دلالة الأماكن المقفرة على الحزن/ الخوف/ الهجران إلخ والعكس. فالمبدع ها هنا يعبّر مثلا عن حزنه دون أن يصرّح بالحزن بل من خلال المكان المهجور المقفر إلخ.
- ينتبه النّاقد إلى هذه الملامح النفسية المختزنة في المكان ويقوم بتوصيفها مقدما أدلته عليها من خلال ما يجده في العمل أو الأعمال المختلفة للمبدع نفسه، هو إذا يوصّف ويحايث.
-هذه العملية بمجملها بدء بالانتباه ثم التجميع ثم التوصيف والمحايثة يمكن أن نطلق عليها عملية تنضيد.
- كأن يقول الناقد مثلا: لاحظنا في أعمال المؤلف المختلفة حضور المكان كما لاحظنا أن هذه الأماكن عادة ما تكون مهجورة مقفرة، وتظهر نبرة الانفعال على المبدع وهو يقوم بذكر الأماكن المقفرة ممّا يدلّ -مثلا- على أنّ الشعور بالخوف من الهجر هو شعور محتمل/ مفترض يحكم انفعالات المبدع.
-قد يتأكد لنا هذا الافتراض أو يتعزز من خلال نصوص أخرى له يشكو فيها الهجران أو النكران وما إلى ذلك وهكذا تتداعى النّصوص مع بعضها البعض وتتصادى أي يردد كل نص صدى النّص الأخر.
2- البحث عن الصور والاستعارات الملحة: من خلال عملية التنضيد غالبا سوف نلاحظ صورا واستعارات تتكرر أكثر من غيرها (من المستحسن أن لا نكتفي في هذا الصدد بالاستعارات وفق مفهوما التقليدي اللغوي المحض بل بالاستعارات وفق مفاهيمها الموسعة) فالمبدع مثلا يستعير صورة البحر ويستخدمها في أعماله المختلفة، يعني مجرد الذكر المتكرر للبحر يعدّ صورة أو استعارة ملحة، حتى وإن لم توظف كلمة "بحر" في جملة استعارية يحذف فيها أحد طرفي التشبيه، ومن ثم يحاول النّاقد أن يكشف دلالات البحر ومكتنزاتها/ مضمراتها وما يمكن أن توحي به من ملامح نفسية، ما هو اللافت في البحر المستعار مثلا؟ هل هو اتساعه؟ هل هو اضطرابه؟ هل هو صفاؤه؟ هل هو لونه؟ إلخ. وكيف يمكن أن تخدم هذه الاستعارة افتراضنا المبدئي حول المبدع؟ هل تؤكد الافتراض؟ أم تلغيه أم تنحو به منحى جديدا؟ إلخ. فالاستعارات الملحة بمجموعها تعيد تشكيل حياة المبدع ومعاناته ومآسيه مثلا، وتكشف لنا عن مخاوفه واضطراباته وتطلعاته وما لا يبوح به في حالة وعيه، وهكذا.
3 الأسطورة الشخصية: لنقل على سبيل التبسيط أن كل فرد لديه حلم/ رغبة طفولية تحركه في هذه الحياة، أي أنه يعيش الحياة في سبيل تحقيق هذه الرّغبة الطفولية الحلم، هذا بالنّسبة للفرد، أما الجماعة/ المجتمع فلديهم حلم أكبر/ رغبة طفولية أكبر/ حلم جماعي نطلق عليه تسمية الأسطورة، إذا الرغبة أسطورة (مصغرة)/ حلم طفولي يحرّك فردا واحدا، أما الأسطورة فحلم طفولي جماعي يحركّ الجماعة كلها، حيث أن الحلم نابع من ذات الفرد، أما الأسطورة فنابعة من ذوات متعددة تشكل جماعة، وكل جماعة تسعى لتحقيق أسطورتها الخاصة، كما أنّ كل فرد تتسرب إليه بقايا من الحياة النّفسية لشعبه، والمبدع بوصفه فردا يسعى من جهة لتحقيق رغبته/ حلمه الخاص وهو حتى إن لم يعبّر عنه صراحة يترك لنا بصمة هذا الحلم في نتاجه الأدبي، ومن جهة أخرى يسعى لتحقيق ما تسرب إليه من حلم يحكم جماعته كلّها، وهنا تبرز الأسطورة الشخصية بوصفها صورة كلية/ سراب دائم يضغط على المبدع ويحركه نحو الخلق والإبداع تحقيقا لهذه الأسطورة المخزونة.
تعبّر شبكات الاستعارات المتكررة المختلفة المتوافقة أو المتضاربة والمتصارعة التي تظهر لنا من خلال نصوص مختلفة للمبدع، والتي تمّ إنشؤها -حتما- بصورة لا واعية وغير قاصدة، عن أسطورة المبدع الشخصية التي تجمع بين رغباته الفردية ورغبات جماعاته المتسربة إليه، وهي توحي بأسراره وهواجسه ووساوسه والقوى المتصارعة في دواخل نفسيته، إنّ المبدع يعيد دون أن يعي أو يشعر أو يصرّح عبر شبكات الاستعارات الملحة هذه تشكيل سينارو حياته ورغباته من جديد، وهو ما يتوصل إليه النّاقد (أسطورة المبدع الشخصية) عبر تفكيك وتأويل هذه الشبكات الاستعارية تبعا للافتراضات المسبقة الممتابعة.
فعلى فرض عثورنا مثلا على شبكة ملحة من استعارات الأماكن المهجورة وشبكة أخرى من استعارات البحر وهو في صورة اضطراب وهياج، يمكننا تأويل ذلك على أنّ حياة المبدع مثلا محكومة بهواجس الهجران والاضطراب والصراع وما إلى ذلك.
من المستحسن أن تتم هذه العمليات جميعها؛ التنضيد وتجميع شبكات الاستعارات الملحة والبحث عن الأسطورة الشخصية بداية في معزل عن سيرة المبدع، وإرجاء سيرته إلى المرحلة الرابعة حتى لا تمارس علينا سيرة المؤلف توجيها أو تقويلا للنّص غير ما يقوله.
4- المقارنة بين سيرة المؤلف وأسطورته الشخصية: وفي هذا الخطوة يتم التحقق من الافتراضات المسبقة التي توصل إليها النّاقد عبر التنضيد والاستعارات الملحة والأسطورة الشخصية، ومقابلتها بسيرته الذاتية لمعرفة مدى صدقها، وكلما زاد التوافق والتطابق دلّ ذلك على نجاح العملية النقدية وجدواها، كأن نجد المؤلف الذي تلح في أعماله صور واستعارات الأماكن المهجورة قد عانى من هجر الحبيب، والمؤلف الذي تتكرر في أعماله صور أمواج البحر المتلاطمة قد عانى من اضطرابات نفسية وهكذا.
سيغموند فرويد (6 مايو 1856- 3 سبتمبر 1939): طبيب نمساوي من أصل يهودي، اختص بدراسة طب الجهاز العصبي، يعتبر مؤسس علم التحليل النفسي، اشتهر فرويد بنظريات العقل واللاواعي وآلية الدفاع عن القمع، وخَلَقَ الممارسة السريرية في التحليل النفسي لعلاج الأمراض النفسية عن طريق الحوار بين المريض والمحلل النفسي، اشتهر بتقنية إعادة تحديد الرغبة الجنسية والطاقة التحفيزية الأولية للحياة البشرية، استخدم طريقة تكوين الجمعيات وحلقات العلاج النفسي، كما استخدم تفسير الأحلام كمصادر للنظرة الثاقبة عن رغبات اللاوعي.
توصل فرويد إلى أن الكبت صراع بين رغبتين متضادتين، وأن هناك نوعان من الصراع: واحد في دائرة الشعور تحكم النفس فيه لإحدى الرغبتين وتترك الثانية وهو الطريق الطبيعي للرغبات المتضادة دون اضرار النفس. بينما النوع الآخر هو المرضي؛ حيث تلجأ النفس بمجرد حدوث الصراع إلى صد وكبت إحدى الرغبتين عن الشعور دون التفكير وإصدار حكم فيها، لتستقر في اللاشعور بكامل قوتها منتظرة مخرج لانطلاق طاقتها المحبوسة، ويكون عن طريق الأعراض المرضية التي تنتاب العصابين. واتضح لفرويد أن دور الطبيب النفساني هي كشف الرغبات المكبوتة لإعادتها إلى دائرة الشعور لكي يواجه المريض الصراع الذي فشل في حله سابقًا، ويحاول حله تحت إشراف الطبيب أي إحلال الحكم الفعلي محل الكبت اللاشعوري، وسميت تلك الطريقة التحليل النفسي. لاقت هذه النظرية رواجًا كبيرًا خاصة في سويسرا، حيث أُعجب بها أوجين بلولر المشرف على معهد الأمراض العقلية بالمستشفى العام بزيورخ وكارل يونج المساعد لأوجين.
نستعرض فيما يلي أهم المكتشفات والأفكار والإشارات التي تركها لنا فرويد في حقل تحليله النفسي ومن جملتها عقدتي؛ أوديب وإلكترا الذي حلل وفقهما عددا من الآثار الأدبية والفنية:
أولا: العقل الباطن: يتكون من الدفعات والرغبات والخبرات المكبوتة منذ الطفولة المبكرة وتؤثر حسب فرويد في كل حياة الفرد في المستقبل، تظهر من خلال الهفوات والأحلام والأعراض المرضية. ولذلك يقول فرويد إن الخمس سنوات الأولى من حياة الفرد هي أهم مرحلة في حياته، لأن خبراتها تؤثر في مستقبل الفرد والمجتمع بالتالي.
ثانيا: الهو والأنا والأنا الأعلى: رأى فرويد أن الشخصية مكونة من ثلاثة أنظمة هي الهو، والأنا، والأنا الأعلى، وأن الشخصية هي محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة الثلاثة.
1- الهو: أو النفس المشتهية؛ يقصد به طبيعتنا الأساسية التي لم يهذبها التعلم أو الحضارة وهو مكون افتراضي يحتوي على الغرائز الحيوانية لدى الإنسان، والتي تشكل رغبتنا الجامحة وهي تتطلب الإشباع فوريا دون الاعتبار لقواعد أو معايير. والمبدأ الذي يحكمه هو اللذة. ويستمد الهو طاقته من الاحتياجات البدنية مثل نقص الطعام أو الجنس الذي يتحول إلى طاقة نفسية ضاغطة، ويحتل الهو وغرائزه منطقة اللاشعور أي خارج نطاق شعور الإنسان وتحكمه الإرادي.
2- الأنا: كما وصفه فرويد هو شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالًا بين الهو والأنا الأعلى، حيث تقبل بعض التصرفات من هذا وذاك، وتربطها بقيم المجتمع وقواعده، ومن الممكن للأنا أن يقوم بإشباع بعض الغرائز التي يطلبها الهو ولكن في صورة متحضرة يتقبلها المجتمع ولا يرفضها الأنا الأعلى.
3- الأنا الأعلى: كما وصفه فرويد هي شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظًا وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ، مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الشهوانية أو الغرائزية، يمثل الأنا الأعلى الضمير، وهو يتكون مما يتعلمه الطفل من والديه ومدرسته والمجتمع من معايير أخلاقية.
إذا استطاع الأنا الموازنة بين الهو والأنا الأعلى والواقع عاش الفرد متوافقا، أما إذا تغلب الهو أو الأنا الأعلى على الشخصية أدى ذلك إلى اضطرابها.
رابعا: الليبيدو: استخدم فرويد مصطلح (ليبيدو) لإبراز قيمة الغرائز الطبيعية وجعلها المؤثر الأول في السلوك.
خامسا: عقدتي أوديب وإليكترا:
1عقدة أوديب: مفهوم أنشأه فرويد واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية، وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغار عليها من أبيه فيكرهه، وهي المقابلة لعقدة إليكترا عند الأنثى. في نظرية التحليل النفسي، مصطلح عقدة أوديب يدل على المشاعر والأفكار والأحاسيس الجنسية التي تبقى مكبوتة في العقل الباطن للطفل تجاه أمه.
تتميز مرحلة في تطور الطفل بين ثلاث وست سنوات برغبة الطفل في الاستئثار بأمه، لكنه يصطدم بواقع أنها ملك لأبيه، مما يجعل الطفل في هذه المرحلة من تطوره التي تمتد من السن الثالثة إلى التاسعة يحمل شعورًا متناقضًا تجاه أبيه: يكرهه ويحبه في آن واحد جراء المشاعر الإيجابية التي يشمل بها الأب ابنه. تجد عقدة أوديب حلها عادة في تماهي الطفل مع أبيه لأن الطفل لا يستطيع أن يقاوم الأب وقوته فإنه يمتص قوانين الأب وهنا يأتي تمثل عادات وأفكار وقوانين الأب في قالب فكري لدى الطفل. يرى فرويد أن السمات الأساسية لشخصية الطفل تتحدد في هذه الفترة بالذات التي تشكل جسر مرور للصغير من طور الطبيعة إلى الثقافة.
1-1 أسطورة أوديب: اسم أوديب باللغة اليونانية يعني (صاحب الأقدام المتورمة) وللأسطورة روابات متعددة ملخصها، أن العراف قال لملك طيبة آنذاك بأنه سيُقتل بيد ابنه، وفي ذلك الوقت كانت زوجته (جوكاست) حاملاً، فلما ولدت أوديب أمر الملك بأن تدق مسامير في أقدام الوليد ويرمى فوق الجبل ولهذا السبب جاء اسمه أوديب. وهكذا دقت المسامير ورمي فوق الجبل فوجد الرعاة ذلك الطفل على تلك الحالة فأخذوه إلى ملك (كورنثيا) الذي تولى تربيته كما يُربى الأمراء، ولما كبر أوديب أراد أن يعرف موطنه ومولده ولكن العراف لم ينصحه بذلك أي العودة إلى بلاده، وقال له أن هناك خطر ينتظرك وستقتل أباك وتتزوج أمك ولم يأبه أوديب بذلك وقرر أن يغادر كورنثيا ويذهب إلى طيبة موطنه الأصلي، وفي الطريق صادف رجلاً تشاجر معه واشتدت المشاجرة حتى قتله، ولكنه لم يعرف أنه قتل أباه. ذهب أوديب إلى طيبة وفي ذلك الوقت كان (السفينكس) ذلك الحيوان الذي له رأس امرأة وجسم أسد وجناحا طائر يقسو على أهالي طيبة ويعذبهم أشد العذاب. وإن الآلهة أرسلت (السفينكس) إلى طيبة ليسأل الناس ألغازاً ومن لم يحل تلك الألغاز يقتله. دفع هذا الوضع (كربون) خليفة الملك (لييوس) أن يعلن للناس بأن كل من يخلّص البلد من محنتها التي يسببها لها هذا المخلوق الشرير سيتولى العرش ويتزوج أرملة الملك (لييوس) الملكة الجميلة (جوكاستا)، وعندما دخل أوديب المدينة قابله (السفينكس) وألقى عليه ذلك اللغز الذي يتضمن (ما هو الحيوان الذي يمشي على أربعة صباحاً، وعلى اثنين ظهراً، وعلى ثلاثة مساءً؟) أجاب أوديب على هذا السؤال وذلك بقوله إنه الإنسان، أي عندما يكون طفلاً يحبو على أربعة وعندما يكبر يمشي على اثنين، وعندما يشيخ يستعين بالعصا أي انه يمشي على ثلاثة. هناك روايتين إحداهما تقول عندما سمع سيفينكس هذا الجواب انتحر، وأخرى تقول إن أوديب قتله. ونتيجة لذلك صار ملكاً على طيبة وتزوج الملكة دون أن يعرف بأنها أمه وأنجب منها طفلة واحدة، عندها جاء العراف وأبلغه بالحقيقة المرة، فعندما عرفت زوجته التي هي أمه الحقيقة شنقت نفسها، أما أوديب فقد فقع عينيه وغادر طيبة مع ابنتهِ التي ولدتْها أمُهُ وهامَ ليعيشَ بقيةَ حياتهِ في البؤس.
2- عقدة إليكترا: أو (عقدة أوديب الأنثوية) كما كان يسميها فرويد، وضِعت من قبله كنموذج نظري مرادف لعقدة أوديب. اقترح كارل يونغ اسم عقدة إليكترا لنظرية فرويد، مستلهمًا ذلك من الأسطورة إلكترا الإغريقيّة، التي أرادت من أخيها أن يثأر لموت أبيها أغاميمنون، وذلك بقتل أمّهما كليتمنسترا، وذلك لأنّها شاركت في قتل زوجها، والد إلكترا. في عقدة إلكترا، تقترب البنت من أبيها وينتابها شعور غيرة تجاه أمها لأنها تراها عقبةً تقف أمامها في طريق الاستحواذ على أبيها. وتحاول الفتاة إبعادها ولكنها لا تقدر ومن هنا يأتى تمثل الطفلة بأمها واكتساب عاداتها وأفكارها وسلوكياتها. يحلل فرويد -ومن اختار مذهبه في التحليل- الآثار الأدبية والفنية وفق عقدة أوديب أو عقدة أوديب المؤنثة (إليكترا) أي يتمّ البحث في الأثر الأدبي أو الفني عن ملامح العقدة وما يمكن أن يدلّ عليها، على غرار ما قام به فرويد نفسه مع عدد من الآثار الأدبية والفنية، وقد لاحظ فرويد تكرر عقدة أوديب مثلا في عدد من الأعمال عبر العصور، ففي العصور القديمة تبرز عقدة أوديب في مسرحية أوديب لسفوكليس، وفي العصور الوسيطة تبرز مسرحية هملت لشكسبير، وفي العصور الحديثة تبرز رواية الإخوة كرامازوف لدوستوفسكي، وهي نماذج مشهورة جميعها برزت فيها عقدة أوديب بصورة ما، واتّحذ فرويد من هذه النماج المشهورة على أنّها علامة حتمية لهيمنة عقدة أوديب على الأعمال الأدبية ومن ثمّ على حياة الإنسان عموما، فغرض فرويد الأساس هو الإنسان عموما نفسيته وعصاباته وذهاناته، ووجد في الأعمال الأدبية مسعفا ودليلا على ما يذهب إليه، أي على العكس من مورون الذي قصد بعده إلى الآثار الأدبية قصدا.
أولا مصطلح النرجسية:
مصطلح النّرجسية يعود في أصله إلى أسطورة نارسيس اليونانية وقد كان صيّادا اشتهر وتجاهل كلّ من حوله، وعندما رأى انعكاس صورته في البحيرة، أعجب بصورته فعشقها وعجز عن تركها غير مدرك أنّها مجرد صورة وبقي محدقا فيها إلى أن مات، وفي المكان الذي مات فيه نبتت زهور النّرجس ثمّ أطلقت النّرجسية فيما بعد على تعشّق الذات.
ثانيا مصطلح النرجسية في سياق التحليل النّفسي:
يعود الفضل في الإشارة إلى النرّجسية واختيار هذا المصطلح لها إلى عالم النّفس والطبيب البريطاني هافلوك أليس (2 فبراير 1859 - 8 يوليو 1939) معاصر فرويد، وقد تبنّى المصطلح فرويد وأشار إليه في عدد من كتبه، على غرار كتابه ما فوق مبدأ اللذة، ولذلك يسود الاعتقاد بأنّ فرويد هو واضع المصطلح.
قبل أن يُطلق على المصطلح هذه التسمية النرجسية عُرف بداية بحبّ الذات، وعشق الذّات، والأنانية، إلى أن صكّ هافلوك أليس هذا المصطلح واصف به حالة اضطراب في الشخصية يجعلها تتميز بالغرور، والتعالي، والتكبر، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين.
وفي الحالة النرجسية يتحدّ الموضوع الليبيدي بالذّات فيصبحان شيئا واحدا على خلاف الحالة العادية التي يكونان فيها منفصلان.
ثالثا: أعراض وعلامات النرجسية:
للنرجسية عدد من الأعراض والعلامات نذكر منها:
- التركيز على الذات في العلاقات الشخصية.
- عدم القدرة على الحفاظ على علاقات طبيعية.
- صعوبة في ابداء التعاطف.
- مشاكل في التمييز بين الذات والآخرين.
- فرط الحساسية للإهانات و الشتائم.
- استخدام الآخرين.
- المفاخرة والمبالغة في ذكر الإنجازات.
- ادّعاء الخبرة في أشياء كثيرة.
- الحرمان من الندم والامتنان.
رابعا النرجسية والأدب:
على اعتبار الأدب حقلا للتحليل والنّقد النّفسي وهو في الوقت ذاته منجما يُمدّهما بالدّليل والحجة (سواء بسواء أكانت الغاية الأدب أم التحليل النّفسي)، فإنّ النّقاد والمحللّون النفسيون وجدوا فسحة في تحليل الأدب وفق عقدة النّرجسية، حيث قد تجسدتّ النرجسية مثلا في مديح الشعراء أنفسهم وفخرهم بها أو بآبائهم وأجدادهم وأسلافهم وقبائلهم وعشائرهم وما إلى ذلك.
وفي الأدب العربي وجدنا هذا الأمر مجسدا مثلا في فخريات المتنبي قديما ونزار قباني حديثا، ما حدا ببعض النقاد تناولهما وأدبهما من منطلق عقدة النّرجسية، وتفسير وتأويل أدبهما -المتنبي وقباني- من هذا المنطلق.
مرجعين هذه النرجسية في حياة وأدب المتنبي إلى خلفيات؛ الطفولة الجادّة، وضاعة النّسب، الفقر، اليتم، تجاهل الآخرين، الشعور بالاضطهاد، وقسوة التربية والجدية الزائدة فيها من قبل جدّته، ممّا دفعه فيما بعد إلى مفاخرة الآخرين والتعالي عليهم، كنوع من التعويض، وهو حتّى في مديحه لأمراء زمانه لا يفتأ بين الفينة والأخرى التذكير بنفسه وعلوّها على الجميع، على غرار قوله مثلا في حضرة الأمير:
سيعلم الجمع ممّن ضم مجلسنا بأنّني خير من تسعى به قدم
أمّا نزار قباني فهو بدوره لا يكاد يفوّت فرصة إلا ويشير في قصائده إلى أناه من خلال: لون عينيه، شعره الأشقر، أناقته، رائحته، سجائره، وتفاصيله، وما إلى ذلك.
ويرجع النّقاد هذه النرجسية إلى إفراط تدليله من قبل أمّه ممّا خلق في نفسه الشعور بالأمان والزهو وحب الذات والاحساس بالخصوصية دون الآخرين.
من هذين المثالين يمكننا معرفة كيف يحللّ النص الأدبي وفق عقدة النّرجسية، أي يبحث في النّص عن علامات الفخر والاعتزاز بالذّات ومديحها أو مديح الأباء والأسلاف... إلخ، وكلما زاد الإفراط في ذلك دلّ على علامات نرجسية، ويتعزز الموضوع طبعا من خلال السير الذاتية وتأويل المراحل العمرية المختلفة بما ينعكس في أدب الأديب، وما يقوم به المؤول/ النّاقد من إسقاطات.
|
التفسير النفسي عند العرب المعاصرين |
أولا: في خلاصة استمداد المنهج النفسي آلياته من نظرية التحليل النفسي:
يقول يوسف وغليسي حول استمداد المنهج النّفساني آلياته من نظرية التحليل النّفسي: « وخلاصة هذا التصور أن في أعماق كل كائن بشري رغبات مكبوتة، تبحث دوما عن الإشباع في مجتمع لا يتيح له ذلك، ولما كان صعبا إخماد هذه الحرائق المشتعلة في لاشعوره، فإنه مضطر إلى تصعيدها؛ أي إشباعها بكيفيات مختلفة (أحلام النوم، أحلام اليقظة، هذيان العصابيين، الأعمال الفنية)، كأن الفن -إذن- تصعيد وتعويض لما لا يستطيع الفنان تحقيقه في واقعه الاجتماعي، واستجابة تلقائية لتلك المثيرات النائمة في الأعماق النفسية السحيقة، والتي قد تكون رغبات جنسية (بحسب فرويد)ـ أو شعورا بالنقص يقتضي التعويض (بحسب أدلر)، أو مجموعة من التجارب والأفكار الموروثة المخزونة في اللاشعور الجمعي (بحسب يونغ).» (يوسف وغليسي، مناهج النقد الأدبي الحديث، ص 22)
ثانيا: في جملة المبادئ والثوابت التي يتحرك وفقها النّقد النفسي:
يذكر وغليسي جملة المبادئ والثوابت التي ظل النقد النفسي يتحرك وفقها، ومنها:
«- ربط النص بلاشعور صاحبه. - افتراض وجود بنية نفسية تحتية متجذرة في لاوعي المبدع تنعكس بصورة رمزية على سطح النص، لا معنى لهذا السطح دون استحضار تلك البنية الباطنية. - النظر إلى الشخصيات (الورقية) في النصوص على أنهم شخوص حقيقيون بدوافعهم ورغباتهم. - النظر إلى المبدع صاحب النص على أنه شخص عصابي (Névrosé) وأن نصه الإبداعي هو عرض عصابي يتسامى بالرّغبة المكبوتة في شكل رمزي مقبول اجتماعيا» (نفسه، ص 22، 23) ثالثا الاستقبال العربي للتحليل النفسي: 1- في المواقف العربية المختلفة من النّقد النفسي: يحصر يوسف وغليس المواقف المنهجية العربية من هذا التوجه في ثلاثة مواقف هي: أ- موقف الأنصار: ومن جملتهم؛ العقاد، جورج طرابيشي، خريستو نجم، ب- موقف الخصوم: ومن جملتهم؛ محمد مندور، محي الدّين صبحي، وعبد المالك مرتاض الذي يصف القراءة النفسية بالمريضة المتسلطة. ج- المواقف الوسطية: ومن جملتها؛ موقف سيد قطب، وموقف عز الديّن إسماعيل المتأخر -إذ كان يعدّ بداية من الأنصار- وموقف محمود الربيعي، وعادل الفريحات. (ينظر، نفسه ص 25، 32)
ويذكر منها وغليس أربع مجالات كالآتي:
- دراسة العملية في ذاتها (سيكلوجية الإبداع): ويبرز في هذا الاتجاه مصطفى سويف وطلبته كـ شاكر عبد الحميد، وسامية الملة.
- دراسة شخصة المبدع (سيكولوجية المبدع أو الاتجاه البيوغرافي): ويبرز في هذا الاتجاه؛ العقاد، والمازني والنوّيهي.
- دراسة العلاقة النفسية بين العمل الإبداعي والمتلقي (سيكلوجية التلقي أو الجمهور): ولم يحدد في هذا الاتجاه من انتهجه من النّقاد العرب.
- دراسة العمل الإبداعي من زاوية سيكلوجية (التحليل النفسي للأدب): ويبرز في هذا الاتجاه؛ أمين الخولي، محمد حلف الله أحمد، عز الدين إسماعيل، يوسف سامي اليوسف، جورج طرابيشي، خريستو نجم. (ينظر، نفسه ص 23، 24)