المحاضرتان الثالثة والرابعة

 

 

 

المحــــاضرة الثّالثــــــة:

"الخطاب الشّعري القديم وتطبيقات المنهج النّفسي"

 

    أغرقت المناهج النّقدية الاجتماعية في نسب الأدب إلى الأسباب الاجتماعية، لدرجة صار فيها الأدب صورة فوتوغرافية عن هذا الواقع، وهذا الأخير هو المصدر الوحيد للإلهام، وهذه هي الفجوة التّي سرعان ما انتبه إليها النقّاد، وأدركوا بأنّ هناك جانبا آخر موجود لا محالة ولا يمكن أن ينفصل عنه الأدب، ألا وهو "الجانب النّفسي".

    إنّ البدايات الفعلية "للمنهج النّفسي" كانت مع زعماء التّحليل النّفسي في العالم الغربي، وأشهرهم: (فرويد، أدلر، يونغ)، فارتبط الأدب ارتباطا وثيقا بعلم النّفس، وخلاصة هذا التصوّر: أنّ في أعماق كلّ كائن بشري رغبات مكبوتة تبحث دوما عن الإشباع في مجتمع قد لا يتيح لها ذلك، ولمّا كان صعبا إخماد هذه الحرائق المشتعلة في لا شعوره، فإنّه مضطرّ إلى تصعيدها، أي إشباعها بكيفيات مختلفة (أحلام النّوم، أحلام اليقظة، هذيان العصابيين، الأعمال الفنية)؛ كأنّ الفنّ –إذن- تصعيد وتعويض لما لم يستطع الفنّان تحقيقه في واقعه الاجتماعي، واستجابة تلقائية لتلك المثيرات النّائمة في الأعماق النّفسية السّحيقة، والتّي قد تكون رغبات جنسية (حسب فرويد)، أو شعورا بالنّقص يقتضي التّعويض (حسب أدلر)، أو مجموعة من التّجارب والأفكار الموروثة المخزّنة في اللّاشعور الجمعي (حسب يونغ).

    وعلى تعدّد الاتّجاهات النّفسانية التّي نهلت منها الدّراسات الأدبية، فإنّ النّقد النّفسي ظلّ يتحرّك ضمن جملة من المبادئ والثّوابت، منها:

  - ربط النصّ بلاشعور صاحبه.

  - افتراض وجود بنية نفسية تحتية متجذّرة في لاوعي المبدع، تنعكس بصورة رمزية على سطح النصّ، ولا معنى لهذا السّطح دون استحضار تلك البنية الباطنية.

  - النّظر إلى الشّخصيات (الورقية) في النّصوص على أنّها شخصيات حقيقية بدوافعها ورغباتها.

  - النّظر إلى المبدع (صاحب النصّ) على أنّه شخص عُصابي، وأنّ نصّه الإبداعي هو عرض عُصابي، يتسامى بالرّغبة المكبوتة في شكل رمزي مقبول اجتماعيا.

    يُعدّ "المنهج النّفسي" من أكثر المناهج النّقدية إثارة للجدل، وتُجمع عامة البحوث والدّراسات على أنّ النّاقد الفرنسي "شارل مورون" (1899-1966) هو الذّي يُعزى إليه مصطلح " النّقد النّفساني" ؛حيث حقّق للنّقد الأدبي انتصارا منهجيا كبيرا، إذ فصل النّقد الأدبي عن علم النّفس، وجعل من الأوّل –أي النّقد الأدبي- أكبر من أن يبقى مجرّد شارح وموضّح للثّاني، أي لا يجعل من التّحليل النّفسي غاية في ذاته، بل يستعين به كوسيلة منهجية في دراسة النّصوص الأدبية.

    وقد انقسم النقّاد حول تأييدهم لهذا النّقد إلى ثلاثة أقسام:

 1- موقف الأنصار:

 - العقّاد: على رأس المناصرين لهذا المنهج، إذ لم يكتف بالممارسة النّقدية النّفسية، بل راح يؤازر ذلك بكتابات نظرية، أعرب عنها في مقاله "النّقد السّيكولوجي" (1961)، حيث يرى بأنّ النّقد النّفسي أفضل من جميع أنواع النّقد الأخرى، لأنّه بمجرّد معرفتنا لنفسية الشّاعر، نتمكّن من معرفة النص، وكذلك معرفة أثره في نفوس النّاس.

- جورج طرابيشي: الذّي يُعدّ النّموذج الأبرز للنّاقد الأدبي العربي الملتزم بمنهج التّحليل النّفسي، حيث تميّز بكثرة مؤلّفاته وترجماته لـ: "فرويد وهيجل وسارتر وجارودي". بلغت ترجماته ما يزيد عن مئتي كتاب، ومارس النّقد النّفسي في كثير من كتبه (أنثى ضدّ الأنوثة، الرّجولة وأيديولوجيا الرّجولة في الأدب العربي، عقدة أوديب في الرّواية العربية،.....).

 2- موقف الخصوم:

  - محمّد مندور: دعا إلى فصل الأدب عن العلوم المختلفة بما فيها "علم النّفس" ، لأنّ هذا الأمر يؤدّي بنا إلى "قتل الأدب"، والاهتمام فقط بنظريات عامّة لا طائل منها.

  - محي الدّين صبحي: والذّي يرى بأنّ الخلط بين المبدع والشّخصية الشّعرية، أي بين (أنا الشّاعر) و (أنا الشّخص التّاريخ) خطأ فادح.

  - عبد الملك مرتاض: يصف القراءة النّفسية بــ:"المريضة المتسلّطة"، كما يرى بأنّ هذا المنهج يفترض مسبقا مرضية الأديب وبالتّالي مرضية الأدب، وكأنّ هذا المنهج لا يبحث إلّا عن الأمراض، فحتّى لو لم توجد، أوجدها توهّما منه، وهذا فقط ليبلغ غايته.

 3- مواقف وسطية:

  - سيّد قطب: يرى بأنّه من الجميل أن ننتفع من الدّراسات النّفسية، ولكن يجب أن تبقى للأدب صبغته الفنّية.

  - عز الدّين إسماعيل: يناصره باعتدال كما لا يخفي عيوبه.

     إنّ دراسة "شخصية الأديب" ملمح بارز من ملامح النّقد النّفسي العربي الحديث، والذّي توجّه بالدّراسة إلى أهمّ أعلام الخطاب الشّعري القديم وكذا الكثير من الأعمال الأدبية الحديثة على تنوّعها واختلافها: من: قصّة ورواية، ومسرح وأعمال سينيمائية وغيرها.... ولكن ما يهمّنا نحن في هذه المحاضرة، هو كيف تناول النّقد النّفساني النّتاج الشّعري العربي القديم؟

    تُعدّ شخصية "أبي نوّاس" من أكثر الشّخصيات التّي تمّت دراستها من النّاحية النّفسية من قبل النقّاد النّفسانيين العرب، فهاهو "عبّاس محمود العقّاد" في العقد الثّالث من القرن العشرين، قد أصدر كتابا عن "أبي نوّاس" تحت عنوان (أبو نوّاس –الحسن بن هانئ- دراسة في التّحليل النّفساني)، مع عناوين مثيرة للاهتمام وردت في فهرس الكتاب، وهي: (أبو نوّاس عند العامة – أبو نواس الإباحي – أسرار الغدد – شخصية منحرفة – الشّعر والشّيطان – عقدة الإدمان – طبيعته الفنية – غزل المؤنّث والمذكّر –الجاحدون واللّادينيون).

    يرى "العقّاد" أنّ "أبا نوّاس" قد عُرف عند العامة (أي الأميين وأشباه الأميين) على أنّه شخصية نموذجية، أي شخصية تقوم على الحيلة والجواب السّريع والقدرة أيضا على الخلاص السّريع من المآزق والمواقف المحرجة. لكنّ حقيقة "أبي نواس" أنّه كان "إباحيا" غاليا في الإباحية، والمقصود بالإباحية أنّه كان يستحل المحرّمات، ويخالف الدّين والعُرف والطّبيعة، وإباحيته كانت متهتّكة، بمعنى أنّه لا يكلّف نفسه إخفاء أمره بل يتلذّذ بإظهار مجونه، وكأنّه يقول: "أنا الغريق فما خوفي من البلل".

    يرى "العقّاد" بأنّ "أبا نوّاس" يجاهر بمعصيته متعمّدا، واستخفافا برأي النّاس؛ لأنّه يريد أن يُلقي في أنفسهم أنّهم أهون لديه من أن يتستّر منهم، وأن ينزل عن لذّة من ملذّاته لإرضائهم، وهذا كلّه يُفسّر بظاهرة نفسية هي "النّرجسية" والتّي اعتبرها مفتاحا لتفسير شخصية أبي نوّاس، والنّرجسية هي (شذوذ دقيق يؤدّي إلى ضروب شتّى في غرائز الجنس وبواعث الأخلاق).

    لقد كان "أبو نوّاس" في نظر "العقّاد" نرجسيا يعشق ذاته ويُؤثرها إلى حدّ حال بينه وبين إقامة علاقة سويّة مع الغير، فالعالم بأسره بالنّسبة له لا قيمة له إلّا بقدر ما يحقّق له من مطالب ورغبات. وللنّرجسية عند "أبي نوّاس" تمظهرات عديدة تتمثّل فيما سمّاه: (الاشتهاء الذّاتي، التّوثين الذّاتي، لازمة التّلبيس والتّشخيص، لازمة العرض، لازمة الارتداد).

    لذلك فإنّ الباعث على شرب الخمر عنده – من منظور العقّاد- لم يكن هو التلذّذ في تلبية حاجيات الذّات الفردية، وإروائها، وإنّما الباعث هو صدم الآخرين، وذلك من خلال المجاهرة وإثبات مخالفة الحسّ العام بطريقة عيانية حسية، وبالتّالي فنحن أمام حالة نرجسية فريدة من نوعها، فـ: "أبو نوّاس" حين يعشق فعلا سلوكيا، لا يكون ذلك بفعل التلذّذ الذّي يثيره لدى الفاعل، بل يعشق السّلوك لأنّه حرام؛ فالحرام تحديدا هو الفعل المطلوب، مادام سيُسعف في لفت الأنظار وتأكيد الذّات.

    كما اعتبر "العقّاد" الشّذوذ الجنسي (إيثار الذُّكران على الإناث)، مظهرا من مظاهر النّرجسية، ذلك أنّ النّرجسي يعشق ذاته إلى الحدّ الذّي يعشق فيه ما يشبه هذه الذّات.

    وبعد تقديم هذه التّحليلات النّفسية، راح "العقّاد" يبحث عن مظاهرها وشواهدها في شعر "أبي نوّاس"، وهذا من عيوب المنهج النّفسي، حيث يجزم النّاقد منذ البداية بمرض الأديب، ويبني دراسته كلَّها على هذا الأساس، محاولا انتقاء ما يتلائم من شعره مع هذه الفرضيات، وبالتّالي يتحوّل النصّ الأدبي من وثيقة فنية إلى وثيقة مرضية لابدّ لها أن تثبت كلّ العُقد النّفسية التّي أصابت المريض.

    النّاقد المصري "محمّد النّويهي" هو الآخر تناول شخصية "أبي نوّاس" بالتّحليل وذلك في كتابه (نفسية أبي نوّاس)، حيث سعى إلى استنباط الخصائص النّفسية ومظاهر السّلوك المتجلّية في أشعاره، وذلك من خلال تذكّر المواقف التّي حدثت له في كلّ مراحله العمرية، وانتهى إلى تفسير تعقيده بالاضطراب الجسماني المتّصل بطبيعة تكوينه نتيجة لإرهاف في حسّه وتوتّر في أعصابه، وكذا لرابطة الأمومة النّاشئة من تزوّج أمّه عقب وفاة والده، ممّا قاده إلى ضروب من الشّذوذ، أبرزها تعلّقُه بالخمرة وإحساسه نحوها إحساس الولد نحو أمّه.     كما كان لشخصية "بشّار بن برد" نصيب من دراسة "النّويهي"، منطلقا من فكرة أنّ فنّ الهجاء من أكثر الفنون الشّعرية التّي هي بحاجة إلى تحليل نفسي، ذلك أنّ الهجاء المقذع لابدّ له من دوافع نفسية كامنة في لاشعور صاحبه.

    يرى "النّويهي" أنّه عندما نلقي نظرة على أشعار "بشّار" ، نلاحظ أنّ حبّ الذّات طاغ على عالمه النّفسي، ولعلّ تضخّم الذّات أتى نتيجة للأثر السّلبي الذّي تركته عاهة العمى في نفسه، وما يلي ذلك من إشفاق عليه وضعف تقدير له من طرف الآخرين، واختلال القيم والمعاملات اتجاهه، ولا وسيلة له للهرب من وطأة هذه الحياة من حوله، إلّا بتضخيم ذاته كي يشعر بالاتّزان الاجتماعي.

 

 

 

 

المحـــــاضرة الرّابــعــــة:

"الخطاب الشّعري القديم وتطبيقات المنهج البنيوي":

 

    مفهوم المنهج البنيوي:

    البنيوية، البنائية، الألسنية، مسمَّيات عدّة لمنهج واحد، وهذه المصطلحات تردّدت كثيرا في كتب النّقد الأدبي وغيرها من الكتب في الآونة الأخيرة، وككلّ جديد أحدثت البنيوية نقاشا وحوارا واسعا بين أنصار هذا المنهج وبين خصومه ومعارضيه، ولم يقتصر النّقاش الحاد على كيفية تناول الأعمال الأدبية، بل امتدّ إلى تحديد مفاهيم جديدة تماما للأدب والنّقد وعلاقتهما بالمجتمع والأيديولوجية والأوضاع التّاريخية والإنسان واللّغة.

    ينطلق البنيويون من مقدّمات محدّدة، يمكن أن نلخّصها في رفض المناهج النّقدية السّابقة (التّاريخي والاجتماعي والنّفسي)، وذلك لعجزها عن تحديد أدبية الأدب، وبالتّالي فهي – أي المناهج السّابقة - تتعامل مع الأطر المحيطة بالنص ولاتصف الأثر الأدبي بالذّات، فالعمل الأدبي له وجوده الخاص، وبالتّالي فإنّ مهمّة النّاقد هي التّركيز على الجوهر الدّاخلي للنص أو بنيته العميقة، وهي التّي تجعل من العمل الأدبي عملا أدبيا، كما أنّهم يتعاملون مع النصّ الأدبي كما يتعاملون مع الجملة، فالجملة كما هو متّفق عليه ألسنيا، قابلة للوصف على عدّة مستويات (صوتية، تركيبية، دلالية).

    البنيوية تتعامل مع النّصوص الأدبية على أنّها بنية لغوية مغلقة، بعيدة كلّ البعد عن كلّ السّياقات الخارجية: تاريخية، اجتماعية، نفسية، ولابدّ لكلّ بنية أن تتّسم بثلاث خصائص:" الكلية، التحوّلات، التّنظيم الذّاتي."

 الكلية: والمقصود بها أنّ البنية لا تتالّف من عناصر خارجية تراكمية مستقلّة عن الكل، بل هي تتكوّن من عناصر داخلية، وليس الفهم في البنية هو العنصر أو الكل، وإنّما المهمّ هو العلاقات القائمة بين العناصر، أي عمليات التّأليف والتّكوين، على اعتبار أنّ الكل ليس إلّا النّاتج المترتّب عن تلك العلاقات أو التّأليفات.

 التحوّلات: إنّ المجاميع الكلية تنطوي على ديناميكية ذاتية، تتألّف من سلسلة من التغيّرات الباطنية التّي تحدث داخل النّسق.

 الضّبط الذّاتي: لأنّ في وسع البنيات تنظيم نفسها بنفسها، ممّا يحفظ لها وحدتها ويكفل لها المحافظة على بقائها.

    وعموما فـ "البنيوية" منهج نقدي ينظر إلى النصّ على أنّه بنية كلامية تقع ضمن بنية لغوية أشمل، يعالجها معالجة شمولية، تحوّل النص إلى جملة طويلة، ثمّ تجزّئها إلى وحدات دالة كبرى فصغرى، وتتقصّى مدلولاتها في تضمن الدّوال لها، وذلك في إطار رؤية نسقية تنظر إلى النصّ مستقلّا عن شتّى سياقاته بما فيها المؤلّف، وهنا تدخل نظرية "موت المؤلّف" لــ: رولان بارت، وتكتفي بتفسيره تفسيرا داخليا وصفيا، مع الاستعانة بما تيسّر من إجراءات منهجية علمية.

  أعلام المنهج البنيوي:

    لقد أدّى ظهور البنيوية إلى تبنّي العديد من العلماء لها، نذكر على سبيل المثال:

  1- فرديناند دي سوسير:

    يُعدّ الرّائد الأوّل للبنيوية على الرّغم من أنّه لم يستخدم مصطلح بنية في محاضراته أو بحوثه، وذلك لأنّ آرائه في علم اللّغة الدّاخلي، و تمييزه بين اللّغة كنظام واللّغة كحدث فعلي يمارسه شخص معيّن، هي أساس نشأة الدّراسة البنيوية، فهو يعتبر أنّ المفردة ليس لها أيّ معنى إلّا من خلال علاقاتها مع التّراكيب الأخرى.

2- كلود ليفي شتراوس:

    يُعدّ زعيم البنيوية الفرنسية، ومؤسّس البنيوية الأنثروبولوجية، حيث عمّم مفهومه عن البنية على جميع فروع المعرفة البشرية، وتوسّع في نظرته للبنيوية لتشمل الكون بأسره، لأنّه يرى أنّ "البنيوية" مجرّد منهج يمكن تطبيقه على أيّ نوع من الدّراسات، كما يرى بأنّ دراسة "سوسير" للّغة بوصفها نسقا مستقلّا بذاته، نسقا يقوم على التّسليم بعلاقة فاعلة تصل مكوّنات العلامة اللّغوية، أي تصل بين "نسق اللّغة" و"الكلام الفردي" من ناحية، وبين الصّورة الصّوتية "الدال" والمفهوم "المدلول" من ناحية أخرى.

  3- رومان جاكبسون:

    قام "جاكبسون" بتطوير فكرة "دي سوسير" وركّز على الجانب الصّوتي في دراسته، وقد عبّر عن ذلك بقوله إنّ هدف علم الأدب ليس هو الأدب في عمومه، وإنّما أدبيته، أي تلك العناصر المحدّدة التّي تجعل منه عملا أدبيا؛ فالمنطلق الذّي بدأ منه في نظرته إلى البنيوية، هو أنّه لا شيء خارج النص، فهو يقصي السّياقات الخارجية والعوامل التّاريخية وذاتية المؤلّف، فجوهره الأساس التّركيز على أدبية الأدب وليس على وظيفة الأدب.

  4- رولان بارت:

    ولعلّه من أهمّ الشّخصيات التّي منحت "المنهج البنيوي" خصوصية معيّنة من حيث الأفكار التّي جاء بها، فعلى الرّغم من تجاوزه البنيوية وما بعد البنيوية، إلّا أنّنا نجده قد نظّر للبنيوية بوصفها نشاطا وتبنّاها كمنهج، وأضحت آراؤه معلما من معالم الدّرس البنيوي، وقد توزّعت على المحاور التّالية: المتلقّي، النص، المبدع.

 وإضافة إلى هؤلاء الأعلام، نجد السّاحة النّقدية قد اشتهرت بنقّاد بنيويين بذلوا جهدهم في تطوير هذا المنهج، واختلفت آراؤهم حول الصّرح البنيوي، ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: (تزفيطان تودوروف، جان بياجيه، جاك لاكان، جاك دريدا،...).

    تطبيقات المنهج البنيوي على الشّعر العربي القديم:

     لقد حظي النص في ظلّ المنهج البنيوي باهتمام كبير من قبل النقّاد والباحثين العرب، ومن هذه الدّراسات: "نظرية البنائية في النّقد الأدبي" لصلاح فضل، "مشكلة البنية" لزكرياء إبراهيم، "قضية البنيوية" لعبد السلام المسدي، "جدلية الخفاء والتجلّي" و "الرّؤى المقنّعة" لكمال أبو ديب، "مدخل إلى نظرية القصّة: تحليلا وتطبيقا" لسمير المرزوقي وجميل شاكر، "البنية القصصية في رسالة الغفران" لحسين الواد، "البنية القصصية ومدلولها الاجتماعي في حديث عيسى بن هشام" لمحمّد رشيد ثابت، "الخطيئة والتّكفير"  لعبد اللّه الغذّامي، وغيرها من المؤلّفات التّي لا يمكن حصرها في هذا المقام.

  عندما يذكر اسم النّاقد "كمال أبو ديب" يتبادر إلى الذّهن مؤلّفان هامان هما: (جدلية الخفاء والتجلّي) و (الرّؤى المقنّعة)، والذّي تناول من خلالهما بعض الدّراسات البنيوية لنصوص الشّعر القديمة والحديثة، والتّي أثارت جدلا واسعا على السّاحة النّقدية آنذاك.

    سعى "أبو ديب" إلى جعل البنيوية منهجا فعّالا يمكن من خلاله معرفة جدلية الخفاء والتجلّي، والتّي تقابل ثنائية (الضّمنية، المباشرة)، كما أنّهما تدلّان على "البنية العميقة والبنية السّطحية، ففي كتابه (الرّؤى المقنّعة) قام بتحليل الشّعر الجاهلي استنادا إلى جملة من المعطيات ذكرها في مقدّمة الكتاب:

  - التّحليل البنيوي للأسطورة، كما طوّره "ليفي شتراوس" في الأنثروبولوجيا البنيوية.

- التّحليل التّشكيلي للحكاية كما طوّره "فلاديمير بروب".

- معطيات التّحليل اللّغوي والدّراسات اللّسانية و السّيميائية والبنيوية الفرنسية.

- معطيات أساسية في الفكر الماركسي في معرفة العلاقة بين بنية العمل الأدبي والبنية الاقتصادية والاجتماعية والسّياسية والفكرية.

- تحليل عملية التّأليف الشّفهي في الشّعر والسّرد.

    يهدف كمال "أبو ديب" في عمله هذا إلى بلورة منهج جديد يأخذ من هذه المعطيات في عملية تحليل مختلف النّصوص، فنجده يميّز في حديثه عن بنية القصيدة الجاهلية بين "بنية القصائد وحيدة الأبعاد"، والتّي تطغى عليها الذّاتية مثل: (شعر الهجاء والحب وبعض قصائد الخمر و المرثيات)، وبين القصائد متعدّدة الأبعاد. وهذا يعني أنّه يتحكّم في تحديد بنية أيّة قصيدة (أحادية أو متعدّدة) من خلال الغرض الشّعري الذّي تقوم عليه.

    حلّل "كمال أبو ديب" في هذا الكتاب مجموعة من القصائد لشعراء جاهليين، من أمثال: (امرئ القيس، زهير بن أبي سلمى، طرفة بن العبد، عنترة بن شدّاد...) إلّا أنّ لكلّ قصيدة بنية مستقلة خاصة بها وتختلف عن غيرها. فمثلا في تحليله لمعلّقة "لبيد بن ربيعة"، بدأ باكتناه وحدة الأطلال ثمّ خصّص جزءا للعناصر المهمّة بنيويا وعلاقتها ببعضها البعض، ويستند في تحليله لهذه المعلّقة إلى التّحليل البنيوي للأسطورة لليفي شتراوس، ويرى أنّ القصيدة تقوم على ثنائيات لفظية ضدية، واضعا قائمة لهذه الثّنائيات مثل: (محلّها ومقامها، حلالها وحرامها، ظبائها ونعامها، سومها وسهامها، إرضاعها وفطامها،...)ويرى النّاقد أنّ هذه الثّنائيات تمثّل رؤيا الشّاعر للوجود.

    قسّم "أبو ديب" كتابه (الرّؤى المقنّعة) إلى أحد عشر فصلا، أخضع فيه هذه الفصول النّظرية وجوانبه الإجرائية إلى مجموعة من المناهج دون التقيّد بمنهج واحد، سعيا منه للتشبّع والانفتاح على المناهج الغربية الحداثية، والأخذ من كلّ منهج ما يمكن أن يساعده في تحليله وتطبيقه، يقول: ( ولا يعني ما يُقال أنّ هذا البحث تطبيق لمناهج جاهزة أو نقل لها من المجالات التّي استخدمت فيها أوّلا إلى مجال جديد، بل إنّه لا يعني أنّ هذا البحث يتبنّى الأطروحات النّظرية لهذه المناهج جميعا، كلّ ما يعنيه هو أنّ البحث يتمّ في إطار من الوعي النّظري الدّقيق لهذه المناهج، بما تثيره من إشكالات، وما تحقّقه من إنجازات). وهذا يؤكّد أنّ النّاقد جمع أكثر من منهج واحد في دراسته وتحليله، كالمنهج البنيوي التّكويني، الذّي سعى من خلاله إلى البحث والكشف عن العلاقات السّائدة ضمن البنى الاجتماعية والسّياسية والتّاريخية والثّقافية التّي ساهمت في تشكيل القصيدة الجاهلية.

    ومثلما ركّز "أبو ديب" في (الرّؤى المقنّعة) على الثّنائيات الضدية، كان الأمر نفسه في "جدلية الخفاء والتجلّي" وهو من أبرز الكتب النّقدية التّطبيقية في وطننا العربي، حيث قسّمه صاحبه إلى ستّة فصول:

  - الصّورة الشّعرية                                     - فضاء القصيدة

- الإيقاع الشّعري                                        - الأنساق البنيوية

- نحو منهج بنيوي في تحليل الشّعر                  - دراسة حول الآلهة الخفية.

    لجأ النّاقد إلى تقديم دراسات معمّقة في شعر أبي نوّاس وأبي تمّام، وهو الرّكن الأساسي في هذا الكتاب إذ عمد إلى مجموعة من النّصوص المختارة على أساس منهجي سليم ليكتشف من خلالها أنساقا بنيوية بالغة التّماسك، والقدرة على الإفضاء بدلالات جديدة، كما لم يكن اختياره للنّصوص الشّعرية عشوائيا، بل كان ذا منحى منهجي واضح، وذلك من أجل إعطاء إيضاح لبنية القصيدة والكشف عن أنساقها المتماسكة فيما بينها.

    كما حاول "كمال أبو ديب" في كتابه هذا، طرح عدّة تفسيرات بنيوية لاتّجاهات التغيّر في البنية الإيقاعية، وذلك من خلال تقديمه لعدّة أمثلة من الشّعر الجاهلي، وذلك من خلال تشكيل نموذج رياضي للإيقاع الشّعري، قادر على التكهّن باتّجاهات التغيّر في الإيقاع ووصفها وصفا دقيقا، ثمّ من خلال اكتناه العلاقات المعقّدة التّي تنشأ ضمن البنية الإيقاعية حين يتوفّر فيها. كما يحدث في البنية الإيقاعية في الشّعر العربي، نمطان من التّشكيلات الإيقاعية أو أكثر، أحدهما يعتمد على "تبادل وحدتين إيقاعيتين"، والآخر على "تكرار وحدة واحدة".

   ومن خلال ما سبق، وجب الاعتراف أنّه ليس ثمّة قواعد أو آليات بنيوية محدّدة ومضبوطة ينتجها النّاقد البنيوي في مقاربة النص الأدبي، الأمر الذّي جعل النصية تمارس سحرها اللّامحدود أمام المادة النّقدية.

قراءة في كتاب: قراءة جديدة لشعرنا القديم، لمصطفى ناصف

 

قراءة في كتاب: قراءة جديدة لشعرنا القديم، ل: مصطفى ناصف

يعد الدكتور مصطفى ناصف من أهم نقاد العرب الذين اشتغلوا على التراث العربي القديم والحديث من زوايا منهجية مختلفة تتراوح بين الدراسة البلاغية والأسلوبية والتفكيكية والتأويلية والأسطورية. ولقد كان الشعر العربي القديم هدفا لكثير من دراساته ولاسيما كتابه القيم” قراءة ثانية لشعرنا القديم”، وهو عبارة عن فصول نقدية متنوعة، انكب فيها على الشعر الجاهلي بالفحص والتحليل والتقويم من خلال رؤية جديدة وهي الرؤية الأنتروبولوجية أو المنهج الأسطوري. فماهي القضايا النقدية التي يطرحها هذا الكتاب؟ وماهي خصائصه المنهجية والفنية؟ وماهي الملاحظات التقويمية التي يمكن أن نخرج بها بعد قراءتنا لهذا المتن النقدي؟

1- بيوغرافية المؤلف:

ولد مصطفى ناصف بمحافظة الغربية في جمهورية مصر العربية سنة 1922م، وحصل على دكتوراه الدولة في البلاغة من جامعة عين شمس عام 1952 م. وقد اهتم بالنقد النظري والتطبيقي منذ أمد طويل. واهتم كثيرا بالتراث العربي القديم ومناهجه البلاغية والنقدية مقارنا إياها بمستجدات الفكر الغربي المعاصر. وكان هدفه من مقارباته النقدية التأصيل والتأسيس لنقد عربي جديد وقراءة واعية للتراث الأدبي دون الانسياق وراء مفاهيم التجريب وما تراكم في الغرب من نظريات نصية وممارسات تطبيقية إجرائية .

وللدكتور مصطفى ناصف كتب عديدة منها: نظرية المعنى في النقد العربي، ودراسة الأدب العربي، والصورة الأدبية، ونظرية التأويل، والنقد العربي نحو نظرية ثانية،واللغة بين البلاغة والأسلوبية،وخصام مع النقاد، وطه حسين والتراث، وصوت الشاعر القديم، والوجه الغائب، واللغة والبلاغة والميلاد الجديد، واللغة والتفسير والتواصل.

2- طبيعة الكتاب:

يندرج كتاب” قراءة ثانية لشعرنا القديم” للدكتور مصطفى ناصف، ضمن الدراسات النقدية الأدبية النصية التطبيقية، التي تحاول قراءة الشعر الجاهلي، من خلال التصور الأسطوري الأنتروبولوجي، مستندا إلى اللاشعور الجمعي لدى كارل يونغ، على غرار الدراسات الأدبية والنقدية الأخرى التي درست الشعر الجاهلي، على ضوء المناهج الحديثة والمعاصرة (المنهج الاجتماعي، والأسطوري، والبنيوي، والتوثيقي، والفني ، والجمالي، و التاريخي،و النفسي، والفلسفي ، والتأويلي، والتفكيكي، والسيميائي،….) على غرار كتاب” في الشعر الجاهلي” لطه حسين “، و ” قراءة جديدة لشعرنا القديم” لصلاح عبد الصبور، وكتاب”المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها” للدكتور عبد الله الطيب، و”المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ” للدكتور محمد نجيب البهبيتي، و”العصر الجاهلي” للدكتور شوقي ضيف،و”الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث” للدكتور نصرت عبد الرحمن، و” مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” للدكتور ناصر الدين الأسد،و” نحو منهج بنيوي لتحليل للشعر الجاهلي (الرؤية الشبقية)” و” الرؤى المقنعة نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي ” للدكتور كمال أبوديب، و”المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي” لعبد الفتاح محمد أحمد، و”عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي” للدكتور سعيد الأيوبي، و”المدخل إلى الأدب الجاهلي” للدكتور إحسان سركيس، و”الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي” ليوسف خليف، و”مقالات في الشعر الجاهلي” ليوسف اليوسف، و” الخطاب الإبداعي الجاهلي والصورة الفنية” لعبد الإله الصائغ، و” الرحلة في القصيدة الجاهلية” لوهب رومية، و” الشعر الجاهلي” لمحمد النويهي، و” مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي” للدكتور حسين عطوان، و” في النقد الجمالي ، رؤية في الشعر الجاهلي” للدكتور أحمد محمود خليل، و” الفضاء المتخيل في الشعر الجاهلي” لرشيد نظيف، و” الأصول الفنية للشعر” للدكتور سعد إسماعيل شلبي، و” خصوبة القصيدة الجاهلية ومعانيها المتجددة” لمحمد صادق حسن عبد الله، و"دراسات في الشعر الجاهلي” ليوسف خليف، و” الشعر الجاهلي” للدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، و” الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه” للدكتور يحيى الجبوري، و” الشعر الجاهلي قضاياه الفنية والموضوعية” للدكتور إبراهيم عبد الرحمن محمد.

ويستند كتاب مصطفى ناصف” قراءة ثانية لشعرنا القديم” إلى المنهج الأنتروبولوجي الأسطوري الذي يبحث عن الثوابت العقلية اللاشعورية للمجتمعات وخاصة غير المتحضرة ورصد الثوابت المشتركة من المشاعر والشعائر والطقوس والعادات والعقائد التي تتكرر ثقافيا واجتماعيا عند المبدعين والفنانين والتي تعبر عن الرغبات اللاواعية لكل فرد داخل المجتمع الإنساني. ويضم الكتاب مائة وسبع و ثمانين صفحة من الحجم الكبير ومقدمة وثمانية فصول. ومن المرجح أن تكون هذه الفصول مقالات نشرت في مواقع صحفية، ومنابر ثقافية متفرقة، ثم جمعت في شكل كتاب، تولت دار الأندلس ببيروت اللبنانية طبعه ونشره، ونحن في دراستنا التقويمية نعتمد الطبعة الثانية لسنة 1981م

3- القضايا النقدية في الكتاب:

ينطلق الدكتور مصطفى ناصف في مقدمة كتابه ” قراءة ثانية لشعرنا القديم” من فرضية أساسية وهي أن الأدب العربي قبل الإسلام لم يقرأ قراءة حسنة كما أثبت ذلك عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين مرارا وتكرارا ، وذلك لعدة موانع تحول دون قراءته قراءة واعية ممتازة . وتتمثل هذه الموانع في الحواجز العقلية والنفسية. وكتابنا هذا يهدف إلى إعادة النظر في الشعر العربي القديم الذي اتهم بأنه ناتج عن” عقل مادي قاس رتيب، لايتجاوز المحسوس ولا يعلو على العلاقات الفردية، ولا يستطيع أن يحيط بالأشياء من حيث هي. كل همه محصور في أن يتعلق بجزء من الأجزاء، ينكب عليه دون ملل. ثقافته محدودة، وتطلعه الفلسفي سطحي يسير”.

وينطلق مصطفى ناصف من فلسفة الشك، على غرار طه حسين في كتابه ” في الشعر الجاهلي” قصد الوصول إلى اليقين وذلك بالتشكيك في كل المسلمات والثوابت التي التصقت بالشعر العربي القديم قبل الإسلام. وهذا المنطلق المنهجي، نجد مرتكزاته النظرية لدى الفيلسوف العربي المسلم، "الغزالي" والفيلسوف الفرنسي، "ديكارت". كما إن القراءة تختلف من عصر إلى آخر، ومن شخص إلى آخر ومن مكان إلى آخر. لذلك فقراءة مصطفى ناصف، ستكون قراءة جديدة، همها الاستكشاف والاستنباط والاستقراء، والانطلاق من مجموعة من الفرضيات، قصد البرهنة عليها، وعدم التسليم بالمعطيات الثابتة والأحكام الجاهزة عن الشعر الجاهلي.

أ‌- الفـــصـــل الأول: الإحســـــــاس بالتــــــراث:

يرى الدكتور مصطفى ناصف أن الأدب العربي القديم – يقصد به الأدب الجاهلي- يتميز بصفائه ونقائه لكونه بقي بعيدا عن المؤثرات الفارسية واليونانية والهندية. ووصلنا هذا الأدب ناضجا ومكتملا وثابتا بأصوله الفنية، التي صارت فيما بعد قواعد للكتابة الشعرية والإبداعية، بعدما أن نزل القران الكريم بلغة هذا الأدب الرائع، في شعريته وكتابته النثرية. وقد عمل القرآن على تهذيب لغة الشعر الجاهلي وتنقيتها وصقل بيانها وتطعيمها بألفاظ دينية وروحية. وقد حارب النقاد القدماء الشعراء المحدثين، الذين يريدون أن يتمردوا على بنية القصيدة الجاهلية، التي صارت معيارا للاحتذاء والتقليد، بعمودها الأصيل الذي يثبت مجموعة من القواعد الدلالية والفنية، التي لا ينبغي الخروج عنها، كما أسهب في شرحها المرزوقي في مقدمة "ديوان الحماسة لأبي تمام". ويشكل هذا العمود الشعري الأساس الحقيقي لكل شعرية عربية، على غرار القرآن الكريم، والسنة النبوية، اللذين يمثلان مصدرين أساسيين للتشريع والعمل.

ولقد واكب النقد الكلاسيكي تطور الشعر العربي، من خلال مدارسة الشعر القديم والحديث بواسطة ربط الماضي بالحاضر، ومقارنة القيم القديمة والجديدة، والبحث عن مواطن التقليد والتجديد.

وعد الشعر الجاهلي مصدرا ومنبعا للشعر العربي قاطبة، ودرعا واقيا صامدا في وجه التيارات الثقافية والحضارية، القادمة إلى ساحة الفكر العربي وإبداعه، ضمن حركية المثاقفة وجدلية الاحتكاك الثقافي والحوار الحضاري بين الشعوب.

وقد ناقش مصطفى ناصف ماذهبت إليه مدرسة الديوان إبان عصر النهضة مع عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري وعبد القادر المازني التي كانت تنطلق في فلسفتها من التوجه الرومانتيكي الغربي معتمدة على الحرية وتقديس الذات الفردية والتغني بالبطولة الفردية و الحرية القومية. وكانت لا تعد بشعر لايعكس ذات صاحبه وجوانيته الداخلية ومشاعره الباطنية . أي إن الشعر عند مدرسة الديوان هو شعر الشخصية والوجدان والشعور الداخلي والإحساس بالجمال النابع من الروح. وبما أن شعر شوقي كان شعرا غيريا ولا يعكس روحه الشخصية وحياته الفردية، فقد هاجمه العقاد هجوما عنيفا ونفى عنه إمارته الشعرية من خلال نقد ه لقصيدة “الربيع” التي اعتبرها العقاد قصيدة سطحية لاروح فيها ولا معنى. وهذا الصراع في الحقيقة ما هو إلا صراع مذهبي وفني ، صراع بين مدرستين أدبيتين : المدرسة الكلاسيكية التي كانت تهتم كثيرا بالغير والآخر، والمدرسة الرومانسية التي كانت تؤمن بالفرد والقلب والعاطفة والطبيعة والحرية الإنسانية.

وعليه، فإن مدرسة الديوان تقصي الماضي الشعري و الإبداع التراثي، لأن الأدب القديم صار عاجزا وقاصرا عن العطاء والتجديد بالمقارنة مع الحاضر الذي يتطلع إلى الإبداع والحداثة الشعرية اعتمادا على مقاييس الشخصية والذات والروح الفردية. وعندما عاد زعماء الديوان إلى التراث الشعري القديم لنقده وغربلته، فإن همهم الوحيد هو البحث عن القمم الفردية التي تغنت بشعر الشخصية والحرية الذاتية و خاصية التحول كما فعل أبو نواس الذي ثار على بنية القصيدة الجاهلية التقليدية وابن الرومي الذي عبر كثيرا عن ذاته الشخصية المتأزمة. وأبعد هؤلاء النقاد كل شعر يلتزم بالقبيلة والتغني بالروح الجماعية واعتبروه شعرا رديئا غير مطبوع فيه صنعة وتكلف. ويعني هذا أن كل شعر غير ذاتي يقصى ويعد مصنوعا لاقيمة له ولا جدوى منه، مادام لايعكس شخصية الشاعر وفرديته الوجودية وكينونته الداخلية. وهذا المقياس يخالف ما كان يعتمد عليه النقاد القدامى الذين كانوا يحتكمون إلى المقاييس الفنية والجمالية وليس إلى مقاييس الذات والجماعة، لذالك عد أبو نواس شاعرا عاديا ضمن المنظور الفني على الرغم من محاولته للخروج عن عمود الشعر العربي الذي بقي وفيا وأسيرا لمعاييره وأصوله الفنية الثابتة. ويعني هذا أن النقاد القدامى اهتموا بالشعر بدلا من الشاعر كما تؤمن بذلك مدرسة الديوان التي تسعى جاهدة للبحث عن ما هو شخصي وفردي في التراث الشعري القديم. بيد أن هذه المدرسة لم تجد ماكانت تبحث عنه من تجارب شعرية فردية بالمفهوم الرومانسي الغربي؛ لذلك تجاوزت الماضي نحو الحاضر وأدارت الظهر له. ويقول مصطفى ناصف في هذا الصدد:” إن الأستاذ العقاد لم يستطع- وسط همومه الثقافية المتزايدة- أن يشعر بأن الأدب العربي فيه كثير من أهوائه التي تتركز في عبادة الإنسان وعبادة حياته، فعبادة الإنسان عبارة موجزة تنفع في الإيماء إلى تفصيلات كثيرة إذا حللت. والأستاذ العقاد مشغول بهذه النزعة، وكل أقواله في دنيا الأدب والنقد إنما أراد بها أن يحيي فكرة الإنسان الباحث عن التجربة، المتلذذ بالوعي، الشاعر بالانتصار، الذي ينسخ كل ماعداه، الذي يأخذ من كل شيء آخر ما سلبه بلاحق. الإنسان الذي يسترد مملكته من أيدي الغيب. ومن ثم كان على التراث – في نظره- أن يستجيب لما أراد. وقد تلقف قليل من الباحثين، هذا التيار وبحثوا عن أصدائه، في مجالات أخرى غير الشعر العربي، ووقر في أنفس الناس رأي العقاد، حين يجعل القيمة صنوا لهذا النوع من التفكير، مما عداه في عالم الشعر العربي، وكل شعر آخر، كثير، فيلقى هذا الشعر في النار، وقد كتبت عليه عبارة الشعر المصنوع”.

ب‌- الفصـــــل الثـــاني: حـــلــــــم المستقبـــــــل:

يقر مصطفى ناصف بأن دراسة الأدب الجاهلي عمل ممتع، وأن هذا الأدب كان له تأثير كبير على باقي الآداب العربية الأخرى. ويعني هذا أن الأدب العربي مر بعصور عدة: جاهلي، وإسلامي، وأموي، وعباسي، إلى عصرنا الحديث والمعاصر. ويعد الأدب الجاهلي المصدر والمنبع الوحيد للأدب العربي. وقد تفاعل الأدب العربي مع ظروفه وعصوره، وكانت له كثير من صفات العراقة والثبات والأصالة. وإن أوائل الأدب العربي شكلت أواخره. والمقصود بهذا أن الأدب الجاهلي بلغنا ناضجا ومكتملا في كل مقوماته المضمونية والفنية والجمالية، بداية ناضجة شكلت منطلقا للشعر العربي ومنبعا بؤريا تنصهر فيه كل الآداب تناصا وتضمينا واقتباسا. ومن ثم، فالأدب العربي مدين في جوهره للأدب الجاهلي. ولفهم هذا الشعر لابد من ربطه بثقافة الشاعر وعقله الباطني وعصره الاجتماعي. وينبغي أن يدرس لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية وثقافية وحضارية. وقد رفض الدكتور مصطفى ناصف كثيرا من الأحكام، التي ارتبطت بالشعر الجاهلي، كالبداوة والفقر، والجدب، والحسية والمادية، والأمية والتناحر، والصراع والتخلف والفكر التجزيئي، وتعدد أغراض الشعر الجاهلي، وافتقاره للوحدة الموضوعية والترابط العضوي… بل اعتبره شعرا رائعا، لا يمكن التقليل من قيمته، وأنه خير وثيقة عن فلسفة التاريخ والإنسان، في صراعه الأنطولوجي، مع الزمن والقدر والمصير والحياة والموت. كما إنه شعر مترابط ومتسق ويحمل أبعادا تجريدية رمزية، إذا تعاملنا مع قضايا الشعر الجاهلي كأنماط أسطورية وأنتروبولوجية، ولا ننسى كذلك براعة شعراء الجاهلية في تصوير الأشياء، براعة خارقة.

و يعبر هذا الشعر بكل صدق عن الازدهار الاقتصادي والاجتماعي والأدبي والسياسي الذي يتمثل في وحدة السلطة المركزية التي تتجسد في عاصمة الجزيرة العربية ألا وهي مكة. كما استبعد الباحث أن يكون مصطلح الأمية بمفهوم الجهل والتخلف الثقافي وانعدام الكتابة. فالكلمة تدل على سرعة الغضب والثورة والتمرد. وبالتالي، فهو مصطلح إسلامي أتى ليدل على المفاهيم السابقة التي تعاكس مضامين الرسالة السماوية التي تدعو إلى التمسك بأمهات الأخلاق والفضائل النبيلة.

إن مصطفى ناصف، يفند جملة وتفصيلا، ماذهب إليه الباحثون المعاصرون، الذين ربطوا الشعر الجاهلي بالصحراء والبداوة والاستطراد، والانتقال من فكرة إلى أخرى، دون رابطة واضحة، ناهيك عن سذاجة هذا الشعر وواقعيته، وبساطته وسطحية أفكاره، وعدم تعمق الأشياء. إنها “صورة هزيلة شاحبة، فالشعر الجاهلي شعر حسي غليظ يعنى بوصف المحسوسات التي يراها الشعراء أمامهم في الصحراء المفتوحة. وليس فيه- لذلك- أثر من آثار الفكر والعقل. أما إذا وجدنا شيئا نسميه الحكمة فهو لايعدو أن يكون تعبيرا عن خبرة الأيام المباشرة التي لا تحتاج إلى ثقافة. وسوف تكون كل دراسة تجري على هذا المنوال – يقول مصطفى ناصف- ضربا من التكرار غير المفيد، وسوف تكون غير مستقيمة أيضا، لأن حياة العصر القديم أعمق مما يجري على أقلامنا حتى الآن؛ وقد شهد هذا العصر صراعا روحيا قويا لم يقدر تقديرا ملائما. وإن نشأة الإسلام العظيم في نهاية هذا العصر لا يمكن أن نهون من دلالتها ومغزاها. إنها تعني – بكل اختصار- أننا أمام عصر يضطرم فيه القلق ويبلغ ذروته. إننا أمام مجتمع تشغله أسئلة أساسية شاقة عن مبدإ الإنسان ومنتهاه ومصيره وشقائه وعلاقته بالكون. ولكننا ننسى- كثيرا- أن ظهور الإسلام في ذاته علامة على وجود مستوى من القلق في نواحي الحياة عامة، ونظل عاكفين على فكرة الجاهلية الحمقاء. وكيف يمكن أن نفهم مكانة القرآن الكريم بطريقة منطقية مقنعة إذا دأبنا على أن نجعل الشعر الجاهلي- دون تمييز- سطحيا قريبا واقعيا خاليا من أثر القلق والصراع والنضج الأدبي”.

هكذا يصل الباحث إلى أن الشعر الجاهلي يطرح أسئلة ميتافيزيقية وأنطولوجية تتعدى دلالات الشعر السطحية إلى ماهو أعمق ومجرد فيه من خلال تفكيك رموزه المشفرة، وعلاماته المسننة سيميائيا وأسطوريا. وبعد ذلك ينطلق الدارس من فرضية أساسية يشكك فيها وهي ” النظرية المتداولة، التي تزعم أن الشعر الجاهلي ،كان ساذجا بدويا، لا غور له، ثم انتقل- حينما اختلط العرب بغيرهم من الأعاجم- إلى طور أرقى. لنقل:" إن الشعر الجاهلي، ينافس أي شعر آخر، إذا أحسنا قراءته، ولو أحسنا قراءته لبدا أمامنا وافر الحظ من العمق والثراء”.

ينطلق مصطفى ناصف، بعد فرشه النظري والنقدي والتاريخي، إلى دراسة الأطلال نصيا وتطبيقيا من خلال استحضار معلقتي "زهير بن أبي سلمى" و"لبيد بن ربيعة" معتمدا على نظرية كارل يونغ، في تأويل القصيدتين، وتفسيرهما، ليصل بعد ذلك إلى أن الأطلال ظاهرة جماعية وليست فردية ، أي تعبر عن الأنماط العليا الثابتة الراسخة في العقل الباطن واللاشعور الجماعي. والمقصود من ذلك أن ظاهرة الأطلال تجربة فنية قائمة على التكرار واستعادة الماضي الموروث في شكل طقوس وشعائر جماعية، أو إنها صلاة جماعية لدى جميع الشعراء تعبر عن تقليد طقوسي راسخ لدى شعوب الجزيرة يصيغها الشاعر بطريقة رمزية وشعرية كمعادل موضوعي للواقع المادي. ومن ثم، فالأطلال التزام جماعي وظاهرة فنية طقوسية وعادة مشتركة بين جميع الشعراء. وبذلك يعبر الطلل عن صلة الماضي بالحاضر، والمكان المقترن بالطلل يمثل بؤرة انصهار الزمان. كما تشخص الأطلال علاقة الإنسان بالمكان والزمان وجوديا وقدريا على الرغم من أن هذه الأماكن ليست فردية ولا تجارب شخصية بل لها بعد جماعي طقوسي. وهكذا يقر مصطفى ناصف بأسطورية الطلل ضمن رؤيته المنهجية الأنتروبولوجية التي تتجاوز التحليل النفسي الفردي إلى سيكولوجية اللاشعور الجماعي الذي يحيل على فطرية الإنسان وثوابته المتعالية المخزنة في لاشعوره ، والمترسبة في عقله الباطن، و ليس هذا “الفن- إذاً- ضربا من الشعور الفردي الذي يعول في شرحه على بعض الظروف الخاصة بشاعر من الشعراء. وإنما نحن بإزاء ضرب من الطقوس أو الشعائر التي يؤديها المجتمع أو تصدر عن عقل جماعي، إن صح التعبير، لا عن عقل فردي أو حالة ذاتية. والحق أن الشعر الجاهلي- كله- يوشك أن يكون على هذا النحو، بمعنى أن مراميه فوق ذوات الشعراء. وهناك إذاً قدر من المشاعر والأفكار التي يسهم في بنائها كل شاعر كبير. والذي يلفت النظر هو أن فن الأطلال كغيره من فنون الشعر العربي في العصر الجاهلي ينبع من إلزام اجتماعي؛ فالشاعر من حيث هو فنان يوشك أن يكون ملتزما، ويأتيه هذا الالتزام من ارتباط غامض بحاجات المجتمع العليا، وكل نابغة في العصر القديم يشعر أن المجتمع يوجه أفكاره إلى حيث يريد. ولذلك يجب ألا يغيب عن الذهن أن الأطلال- والشعر الجاهلي كله- يثير التأمل في معنى الانتماء وسلطان اللاشعور الجمعي؛ فالشاعر الجاهلي لا يتصور الفن عملا فرديا بل يتصوره نوعا من النبوغ في تمثل أحلام المجتمع ومخاوفه وآماله”.

وترتبط بالأطلال فكرة الظعائن التي تشكل لحمة تناسلية وراثية مع البنية السابقة” والذي يبدو أن الظعائن بالنسبة للطلل مثل الذرية بالنسبة للأم. ومن أجل ذلك يصبح الطلل كالأم الولود التي لا يجف خصبها. وهذا الخصب ذو صور متعددة متحركة وساكنة، كالحروف والنقوش والظباء والنساء. ويبدو الطلل كأنه منبت ثقافة؛ منبت الوعي وإدراك الماضي في مضيه واستمراره معا، منبت الحاجة إلى تثبيت مركز الإنسان وسط الوجود عن طريق الكتابة. منبت إدراك قوة الخلق التي يمكن أن يتمتع بها الطلل: الطلل هو النبع الثر الذي ولد الظعائن. والظعائن نساء لا يراهن المرء، شخوصهن مخبأة خلف الأنماط والأستار. ولكن الشاعر يبحث عنهن وقد سرين في أنحاء الجزيرة ينشرن ما يشبه الود والسلام. ومن ثم تكاد تلك الظعائن تنافس فكرة الأطلال ذاتها. وغالبا ما تسير الظعائن محفوفة بما يشبه الجلال. ولكنها محفوفة أيضا بما يشبه الغموض”.

إذاًً، ترتبط الأطلال في الشعر الجاهلي بالظعائن والوشم والكتابة والبحر وركوب السفن والطير والنخيل واللعب. وتخيل الظعائن في سفن ضرب من الرؤى الجماعية التي تعبر عن مخاوف الجماعة وآمالها حين تفكر في الانتقال من مرحلة إلى مرحلة عمرية وحضارية أخرى في الحياة، فالسفن سيكولوجيا تعبر عن الرغبات اللاواعية الموجودة لدى الإنسان والتي يتقاسمها مع الجماعة البشرية. أما ” الهوادج المغطاة بالثياب الجديدة المنقوشة فهي حجب تحول دون التطلع إلى الظعائن ليصبحن أقرب إلى الأسرار، فالثياب من حيث هي زينة تشغل بجمالها أو كرمها أو رقتها كما يقول الشراح أحيانا ولكننا ما تلبث أن نفطن إلى حقيقتها فهي حجب مانعة من ملابسة السر والاقتراب منه.”

وترتبط الظعائن بالطير فحين ” تخف الطير بالظعائن وتضربها لأنها تحسبها لحما كما يقول الشراح، يرى الدكتور ناصف أن للصورة أغوارا بعيدة، ومناوشة الطير لا تخلو من بعض المخاوف والوساوس، فالثياب غريبة لأنها مصنوعة من الدم وفكرة الظعائن لا تتصور بمعزل عن القتال وإرادة التغيير التي تناوش عقلية الشاعر”

ج- الفصــــــل الثــــالــــــــث: البــــطــــــــــل

يمتاز الشعر الجاهلي على عكس نظر كثير من الدارسين بترابط مواضيعه وأغراضه وأجزائه إذا أحسنا قراءة هذا الشعر. وبالتالي، ينفي مصطفى ناصف فكرة تعدد الأغراض وتفكك القصيدة التقليدية ويعترف بالوحدة الموضوعية والعضوية التي يتسم بها هذا الشعر.

وينتقل الدارس من فكرة الطلل إلى الفرس ليبين بأن معظم الشعراء الجاهليين وصفوا الفرس ولاسيما طفيل الغنوي الذي يلقب باسم طفيل الخيل لأنه أجاد في وصف الفرس ،وسلامة بن جندل السعدي في بائيته وهو من فرسان العرب المذكورين فقد أحسن أيضا في وصف الفرس وربطه بصورة الماء كثيرا. ولكن يبقى فريس امرئ القيس أكثر الأفراس شهرة في الأدب العربي وخاصة في معلقته اللامية التي يقول فيها:

وقد أغتدي والطير في وكناتهــــــا        بمنجرد قيد الأوابد هيكل 

مكر مفر مقبل مدبـــــــــــــر معــا       كجلمود صخر حطه السيل من عل

لقد علم امرؤ القيس الناس كيف يصفون الفرس ويتحدثون عنه. وقد أصبح وصفه مرجعا لجميع الشعراء العرب. وارتبط الفرس عند هذا الشاعر بالسيل والسرعة والجمال الخارق والمطر المغيث،وبذلك صار هذا الفرس خالدا في ذاكرة الشعراء اقتباسا وتناصا وتقليدا.

و لايمكن فصل هذه المواضيع( الفرس والسيل والمطر) في الشعر الجاهلي، مهما تعددت أغراضه . ويتخذ الفرس بدلالاته الرمزية في اللاشعور الجمعي طابعا أسطوريا وطقوسيا؛ لأن الفرس يرتبط في الذاكرة الجماعية والشعرية بالخير والقوة والعطاء. ويتحول قبح الفرس حينما تسيل منه الدماء، إلى جمال عندما يزين الفرس بالحناء تصويرا وتشبيها، مما يضفي على الفرس بعدا جماليا. وهذا القبح الجميل موجود بكثرة في الشعر العباسي عند مسلم بن الوليد وبشار بن برد.

ويتجلى البعد الأسطوري على مستوى الفرس /الرمز في كونه يتخذ طابعا إنسانيا إحيائيا عير مجموعة من السمات كالقوة والشجاعة والكرم والعطاء والإلهام والحيوية والنشاط. ويملك الفرس هنا قدرات جنية وصوفية وباطنية كما يتبين واضحا في لامية الشاعر الجاهلي المزرد بن ضرار الذبياني، الذي أسبغ على فرسه فضائل خيالية، جعلت من الفرس كائنا مقدسا ،و بمثابة قائد ومعلم عظيم، يمهد للناس الطريق. و"الفرس- ذلك الإنسان الكامل- صورة لما يتشبث به الشاعر أملا في المستقبل ورغبة في قدر أتم من المناعة والحصانة. إن صورة الفرس هي صورة الرجل النبيل الذي ملأته العزة والثقة…والحقيقة أن الدور الإنساني للفرس دور واضح، ويبدو للقارئ أن الفرس يستطيع بمميزاته البدنية والسلوكية أن يكشف الأمور، ويرتاد المجاهل، ويأخذ وظيفة الرائد الذي يتقدم غيره من الناس؛ فالفرس لكرمه وإصراره على أن يبذل ذات نفسه أصبح خليقا بأن يأخذ صفة السلطة ويمسك زمام الأمور. ولا يمل القارئ من الإعجاب بصورة( حيوان) يجاهد في سبيل إسعاد البشر. ومن ثم كان صوت الفرس صوتا كريما مسموعا لأنه يضيء الطريق أمام الناس. بل إن ما يسمى الذعر أو الجنون قريب من النذر وإحساس من يضيء الطريق بمخاطر الظلام.”.

د- الفصــــــل الرابــــــع: النـــــــــــاقــــة الأم:

كثير من الشعراء وصفوا الناقة وربطوها بالأطلال والرحلة والصيد، ولكن مصطفى ناصف ينظر إليها بمنظار أنتروبولوجي إذ يعتبرها ظاهرة جماعية رمزية موروثة في العقل الباطن للإنسان العربي في امتداد طفولته البدائية والفطرية والحضارية. ومن هنا فالشاعر الجاهلي يفكر في ذات المجتمع أكثر مما يفكر في ذاته الفردية. وهناك الكثير من الشعراء الفحول والمجودين الذين أحسنوا وصف الناقة. ومن النماذج التي نذكرها في هذا المجال قصيدة ثعلبة بن صعير بن خزاعي المازني التي يقول فيها:

وإذا خليلك لم يدم لك وصلـــه      فاقطع لبانته بحرف ضامــــــر

وتعبر الناقة عن مظهر النمو العقلي والروحي في الشعر الجاهلي.والناقة ماهي إلا تعبير عن فكرة الثبات والقهر والصمود بسبب قوة الناقة وصبرها وتحديها لعوادي الزمن والطبيعة. وقد بذل الشعراء مجهودا كبير في استقصاء قدسية الناقة الأم عبر رصد المشبهات والصور الشعرية لتجسيد أمومتها وطابعها القدسي عند العرب. وإذا كان الفرس أشبه بالأبوة عند العرب فالناقة أشبه الأشياء بالأمومة القوية. لذلك اقترنت بالنخلة في أذهان العرب. إنها أمومة صابرة قادرة راغبة يطبعها استمرار الحياة. كما تدل الناقة الأم على السيادة والجمال والذرية والخصوبة وهي أشبه بحاضر مستمر لا يتغير ولا يزول. ومن ثم تتمتع الناقة بالقوة الخيالية فوق البشرية. وتحضر الناقة بمثابة مفتاح للبركة والخير والرحمة ، بينما يوظفها زهير بن أبي سلمى كمفتاح للعذاب والعقاب من خلال استحضار صورة ناقة صالح. إذاً، عندما تقترن الناقة بالحمار الوحشي تصبح رمزا للصراع والحروب ، وهي أيضا رمز للهموم المقلقة عند المثقب العبدي، ورمز للعمل والحركة الدائبة عند ابن الطبيب في لاميته المشهورة. كما تعبر الناقة عن فكرة المحاولة والعمل المتلاحق.

وينكر مصطفى ناصف” فرضية الاستطراد في قصة الناقة، وصلتها بثور الوحش أو الحمار الوحشي أو الظليم، فهو يرى أن الصورة التي تتداعى في ذهن الشاعر إنما هي جزء من طقوس جليلة مقدسة

وفي نهاية حديثه عن الناقة من خلال سينية امرئ القيس يرى الدكتور ناصف أنه ليس هناك شك إذا نظرنا في أساطير العرب في العصر الجاهلي، في أن الناقة لم تكن مجرد حيوان، فالعالم أو المتحضر قد ينظر بعقله ولكن الشعراء خاصة يحتضنون الأشياء بخيالهم وحواسهم، يعني أن الناقة كانت حيوانا مقدسا في بعض الأحيان”.

إن الناقة في الشعر الجاهلي لتعبير حقيقي عن الصراع المأساوي والتوتر الدرامي الذي يعيشه الإنسان في فترة ما قبل الإسلام بعد أن فقد الإنسان الكلية المطلقة و الوحدة الملحمية ليعيش التمزق الذاتي والموضوعي ويعرف وجوده انشطارا بين الإنسان والواقع بكل أبعاده المادية والميتافيزيقية والروحية.

هـ – الفصــــل الخامـــس: الأرض الظامـــــئــــة

بدأت صورة المطر في الشعر العربي مع امرئ القيس ، إلا أنها ستعمق وتحور مع الشعراء الآخرين. ويأخذ هذا التحوير صفة النمو. وقد كان مطر امرئ القيس من أكثر الأشياء جاذبية في الشعر العربي. وقد ارتبط المطر بفكرة الراهب المقدس وبفكرة الكرم والنبل والثغر العذب عند عنترة بن شداد وبالناقة عند سبيع بن الخطيم التيمي في فائيته:

بانت صدوف فقلبه مخطــــوف     ونأت بجانبها عليك صـــــــدوف

وقد أكد مصطفى ناصف وحدة هذه القصيدة وترابطها البنيوي اتساقا وانسجاما، كما أكد ترابط صورة الناقة بصورة المطر “فبينهما علاقة وتبادل غريب. ولذلك يمكن أن يقال أولا إن الشعر الجاهلي إيقاع واحد. حقا إن فيه نغمات داخلية متنوعة، ولكن هذه النغمات تصنع إيقاعا واحدا. هذا واضح من حيث المبدأ، أما من حيث التطبيق فنحن نجد… الناقة تضطرب في سيرها وتقدم كل نفسها بحثا عن المطر، فالفكرتان متوائمتان متزاوجتان ( فكرة المطر وفكرة الناقة). ومن الممكن أن يتأمل القارئ رحلة الناقة- على الدوام- حتى يسقط المطر، وما أشبه شئون الناقة بفكرة الطقوس أو الفرائض التي تعين على الصلة بذلك المطر”.

و يجسد لنا هذا الفصل ظمأ الأرض إلى المطر وخصوبته المعطاء من خلال جدلية الماء والناقة المقدسة.

و- الفصـــــــل الســـادس: نحــــــــــــو مبــــدأ عظيـــــم

في هذا الفصل ينطلق الناقد من قصيدة الشاعر الحادرة في عينيته التي مطلعها:

بكرت سمية بكــــرة فتمتـــع          وغدت غــدو مفارق لم يربــــع

إن هذه القصيدة معدودة من مختار الشعر. بدأها الشاعر الحادرة بالغزل والنسيب، ثم انتقل بعد ذلك إلى الفخر بالوفاء والنجدة ومعاناة الحروب، وحفظ الذمار، ويذكر الخمر ومجلسها، وتجشمه الأسفار، و ينهيها بوصف الناقة. وهذه القصيدة مازالت تثير إشكاليات وصعوبات في القراءة. وحينما” نقرأ القصيدة أكثر من مرة نواجه – يقول مصطفى ناصف- موقفا صعبا. وإنني أصدقك الحديث حين أقول إن شروح القدماء وما يشبهها غير كافية. وقد تكون لدى الحادرة تجارب خاصة. وقد يكون هناك ما نسميه باسم الصدق. ولكن هذه التجارب في صورتها الساذجة التي نقدمها عن القصائد خليقة بالشك. والناس يعنون بالشعر من أجل أشياء أولى وآثر من الشواغل الفردية والتجارب التي يولع بها المحروم والجائع”.

و يبدو من خلال القصيدة أن الظاهرة الشعرية ليست فردية بل ظاهرة جماعية. إذ تحضر سمية في النص رمزا من رموز الذاكرة الجماعية. فالمرأة ( سمية) ترتبط بصورة الجلال والجمال والغزال والسحاب الممطر المخصب. ومن ثم، تتحول سمية إلى رمز من رموز المديح لتعلقها على الخصوص بفكرة الغزال. ويعني هذا أن قصيدة الحادرة تحمل معاني أنتروبولوجية وأسطورية رمزية عميقة ومعاني سطحية ظاهرة للناس. أي إن للقصيدة الجاهلية مستويين: مستوى ظاهري يقدم لعامة الناس ومستوى باطني ينبغي تأويله رمزيا وأسطوريا من أجل ستخلاص الثوابت المتعالية المشتركة بين جميع الناس في أشكال شعائر وفروض طقوسية.

إن سمية رمز طقوسي جماعي يحيل على انجذاب الحياة وسريان فكرة الجمال. وترخيم سمية خير دليل على قدسية سمية وعظمتها الخارقة التي تتمظهر في الازدواج الجنسي: سمية الأنثى وسمية الذكر، وهذه المفارقة مقبولة في التأويل الأنتروبولوجي.

ويدل الفخر في القصيدة على السلوك الجماعي على مستوى المعاملات والشعائر المفروضة، كما يدل مقطع شرب الفتيان للخمرة على تمثلهم بشرب الآلهة ورغبتهم في إحياء فكرة البطل وتمثيلها، وحين” يتداخل شرب الخمر ودم الغزال في البيتين” من عاتق كدم الغزال مشعشع” فهناك محاولة بدائية لشرب الدم، دم الغزال، دم سمية، وبعبارة أخرى محاولة لتقمص روحها ولأخذ شيء من قوتها السحرية أو لنقل إن الخمر كانت دائما محاولة الإنسان أن يرتد إلى وعيه الباطن، أي وعي الشاعر الباطن بوجود سمية، ذلك المبدأ الذي يبحث عنه ليكون بمرأى من الحياة.

ثم تأتي رحلة الحادرة لتشبه في رأي الدكتور ناصف شعيرة من شعائر البحث عن مبدأ في الصحراء بحث المعرض للتيه والضلال، ولكنه لا يقف وإنما يظل دائما تواقا إلى فكرة الحج باحثا عن حقيقة عن سمية، وفي ختام هذه الملاحظات يذكر الناقد بأن الفن العظيم يتميز بميزة خاصة فهو ينقل إلى كثيرين معنى سطحيا واضحا ويحفظ للقليلين بمجموعة أكمل من الأعماق وقد كانت هذه الثنائية وستظل سمة الفن العميق” .

ز- الفصـــــــــل السابـــع: مشكلــــــــة المصــــــير:

ينطلق الدارس في هذا الفصل من معلقة طرفة بن العبد الدالية

لخولــــة أطلال ببرقة ثهمــد       تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

إن الطلل في هذه القصيدة عبارة عن حلم مستقبلي مصيري . والوشم محاولة الذهن أن يثبت مادة الحياة، ودحض لفكرة الزمن. وتحسد القصيدة صراع الطلل والوشم، وصراع الطلل والناقة، وصراع الخمر والطلل، وصراع الفخر والطلل. وتعكس الصور الشعرية المتضمنة في القصيدة غريزة البقاء والمعاناة من الخوف. وبذلك تتعارض في النص فكرة الكفر وفكرة الإيمان. وتصور القصيدة أيضا العجز عن المصالحة بين الغرائز المتضاربة. وتشبه ثورة طرفة على الناقة بثورة الإنسان على الصنم والطابو؛لأن الناقة مقدسة كالصنم في اللاشعور الجماعي.

وتجسد الأبيات الشعرية التي تصور الناقة ذلك الصراع المرير والأنطولوجي” بين رغبة المجتمع في الإبقاء على الناقة ورغبة في عقرها. أما المجتمع فحريص على استقرار ما يتمتع به من فهم ولا يستطيع أن يواجه القيم التي يعيش عليها. وأما طرفة فيقف موقف التحدي من الشعور الديني السائد بين الناس، ولكن هذا التحدي يحمل طابع المأساة، طابع العجز والقدرة، طابع الإنسان المحدود والعقل غير المحدود. ومن أغرب الأشياء أن المجتمع- ممثلا في هذا الشيخ- يخشى مغبة عقر الناقة. ولابد أن تذكر ما ارتبط به هذا الحدث في بعض القصص.

وليس من اليسير إذاًً أن يحمل هذا القول على الكرم والاستخفاف الشديد فحسب، فعقر الناقة يراد به استنزال اللعنة، ودعاء الموت، وتحدي الآلهة، والثورة على مافوق الطبيعة بطريقة تجمع بين الشعور العبقري والجنون الراغب في الانتحار”. ومن ثم فالقصيدة تعبير عن فكرة المصير الإنساني، وتعكس تفكير” طرفة الشاب الذي يريد أن يتكشف فكرة المصير التي تطرق وجدان الشعوب- كما يقول شبنجلر- في بداية السلم الحضاري. هذه هي الشخصية القوية التي تحس وجودها على نحو قوي، ومن ثم تفكر في الموت. فالمصير لا يمثل إشكالا بالنسبة لضعيف الشخصية، أو لا يصل إلى جعل هذه الأفكار قضية بالنسبة له”.
ن- الفصــــل الثــــامــــن: الحاجــــــة إلى الخـــــوف:

في الفصل الأخير، ينطلق الدارس من قصيدة النابغة الذبياني التي يستفتحها الشاعر بقوله:

يادار ميــة بالعلياء فالســـند    أقوت، وطال عليها سالف الأبــــد

تعبر معلقة النابغة الذبياني عن الإحساس بالتفرد والوحشة والاغتراب الذاتي والمكاني. وهذا يوصلنا إلى أن الشاعر الجاهلي كان يعبر عن الإحساس بالشر والخوف. ويبدو” المجتمع عقبة في سبيل الوحشة الضرورية التي تؤدي إلى تنبيه الذات لكل ما لها من قدرات. وقد وجد الشاعر كل صوت سواه وحشة وعدما، وشعر من أجل ذلك بأنه في أعلى درجات الوعي والإحساس بمشقة الوجود.

فالمجتمع إذاً خرب إلا أن يكون صوت الشاعر، يسائله ويحييه. وإذا سكت الشاعر بدا المجتمع كله فاقد المعنى. الشاعر يعطي الربع قدرة على النطق من ثنايا السياق. حقا إن ا لشاعر كالذي يلتمس أحيانا صوتا سواه”.

إن الشعر يفصح عن مخاوف الجماعة العربية وقلقها وتخوفها من مصيرها المحتوم. ومن هنا ذهب أرسطو قديما، إلى أن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ.

وعليه ، فإن النابغة” يقول ضمنا: إن حياة المجتمع العربي معرضة للشر، وهي الآن أشبه ما تكون بالأواري الذابلة، والنؤي الذي لا يمنع السيل، والسجفين اللذين فقدا مالهما، من شأن هذه الوظائف المعطلة. إن أعجبك هذا التعبير- ومن ثم فإن السيل الغامض خليق بأن يأتي على الحياة. لقد تتبعنا فيما مضى أحلام النبوءات الغامضة، أو غير الغامضة ، ولكن من المهم قبل أن نختم هذه الصحف أن نشير إلى الجانب الثاني من الصورة، فالآمال والرؤى الطيبة لا تعيش وحدها، وهناك دائما جدل وصراع بين بواعث التقدم وبواعث التقهقر. ولا يمكن أن تبحث شئون الثقافة بمعزل عن حركة الأضداد”.

وتتخذ الحيوانات في الشعر الجاهلي أبعادا إنسانية وصراعية، تحيل على الحرب والتطهير. فقصة الثور والكلاب ” أعانت المجتمع من حيث لا يدري على أن يشبع بعض حاجاته العاطفية من الحرب بطريقة خيالية وهمية. ولا شك أيضا في أن قصة الثور والكلاب كانت هي الدرس الأول الذي علم المجتمع الجاهلي كيف يشك في فلسفة الحرب المتداولة” .كما تشير قصيدة النابغة الذبياني إلى “نزوع واضح إلى عالم بعيد عن المنطق والمعقولية والإنسان. والإنسان لا يتمتع في مثل هذا النزوع بكمال إنسانيته على نحو ما يتبادر إلينا الآن. ولكن الشاعر هو الذي استطاع أن يهب المجتمع الجاهلي مثل هذا التحذير الغامض. حذار من صورة النعمان. حذار من العدوان على فكرة الإنسان. حذار من اللبس بين فكرة الفضيلة وطبائع الشيطان. حذار من عالم لا يعرف الخوف أو لايرى للخوف مكانا في نظام الحياة.”.

وهكذا يتبين لنا أن الدكتور مصطفى ناصف، تعامل مع الشعر الجاهلي من زاوية أنتروبولوجية أسطورية، إذ نظر إلى مجموعة من مكونات الشعر الجاهلي كرموز ومتعاليات جماعية مشتركة، مترسبة في ذاكرة الإنسان العربي، تؤرخ لمجتمعه وحضارته ، وتعبر عن ماضيه وحاضره ومستقبله، بكل أتراحه وأفراحه. ومن ثم، يقدم لنا الدارس الشعر الجاهلي لا كموصوفات حسية، ودوال سطحية ساذجة، بل كرموز مجردة عميقة بعيدة عن الظاهر، تتوغل في العقل الباطن واللاشعور الجمعي، عن طريق استقراء ماهو روحي وديني وطقوسي وشعائري.

المرجع:  موقع ستارتايمز، الأنترنت.