Topic outline
- General
- المقاربة الوظيفية في دراسات الاتصال
المقاربة الوظيفية في دراسات الاتصال
تعد النظرية الوظيفية أحد المداخل الأساسية لدراسة وسائل الإعلام والآثار المترتبة عن استعمالها، وخاصة فيما يتعلق بالوظائف التي تؤديها هذه الأخيرة بالنسبة للفرد والمجتمع. وقد مرت عبر مجموعة من المراحل، عرفت خلالها العديد من التطورات بفضل مجوعة من الباحثين الذين قاموا بإثرائها، خاصة في الشق المتعلق بدراسات الاتصال.
1-مفهوم الوظيفية
لقد عرفت النظرية الوظيفية تسميات عدة مثل النظريات البنائية الوظيفية The Structure Function Theory ، نظريات التحليل الوظيفي The Functional Analysis، النظريات المحافظة The Conservative Theories وغيرها من التسميات الأخرى. وهي تتوفر على مجموعة من المفاهيم والمصطلحات؛ منها مصطلح "بناء" الذي يشير إلى الطريقة التي تنظم بها الأنشطة المتكررة في المجتمع.
والواقع أن السلوك الأسري والنشاط الاقتصادي والسياسي والعقيدة وغيرها من أشكال الأنشطة المجتمعية، تعد على درجة عالية من التنظيم من وجهة النظر السلوكية.
أما مصطلح "النظام" فهو يشير إلى أي بناء متكامل يتألف من وحدات وعناصر متعددة، بينما يقصد بمفهوم "التفاعلات" كافة الأنشطة والأفعال التي تتجسد في هيئة أدوار وجماعات وبنى واضحة المعالم. ومعنى هذا أن مفهوم النظام إنما يدل على أن الأجزاء المكونة له تؤدي أدوارا وأنشطة مختلفة، وأن هذه الأنشطة تتوخى تحقيق غايات محددة، فضلا عن أن مفهوم النظام نفسه يدل على وجود علاقة تبادلية بينه وبين البيئة التي يوجد فيها.
أما مفهوم "الوظيفة" فيستخدم في إطار نظرية النظم، وطبقا لتحليلات "البنائية الوظيفية" للدلالة على النشاط أو الدور الذي يلعبه النظام داخل البناء الكلي الذي يشمله. وتتحدد وظائف النظام بطبيعة الحال في ضوء الأهداف والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، كما يتوقف نجاح هذه الوظيفة أو تلك في تحقيق الأهداف التي ينشدها النظام على حجم ونوع وكفاءة القدرات التي يتحلى بها هو نفسه، والبنى والميكانيزمات التي يعتمد عليها.
كما يشير مصطلح "وظيفة" إلى مساهمة شكل معين من الأنشطة المتكررة في الحفاظ على استقرار وتوازن المجتمع.
وقد كان لمفهوم الوظيفة أربع استعمالات رئيسة قبل أن يستخدمه علماء الاجتماع. فقد عنى أولا وما زال يعني "ما ينبغي على الفرد أن ينجزه، لكي يحتل دوره في المجتمع أو في مجموعة اجتماعية"؛ وهذا وفقا لصيغة قاموس "le Robert" والذي يطبّق فيه المفهوم علميا وفي آن واحد على الدور نفسه وعلى مجمل المهام والنشاطات والمسؤوليات التي ترتبط به.
ويتعلق التعريف السابق بالمعنى الأعم المعروف في اللغة المتداولة لكلمة "وظيفة" وهو مطابق تقريبا لكلمة "Function " التي تعني باللاتينية "إنجاز" في اللغة الشائعة، و"خدمة عامة" في اللغة القانونية. أما التعاريف الأخرى فهي ترتبط بمعان خاصة ذات صفة تقنية أدق ولكنها أضيق.
إن مفهومي "التنظيم" و"الوظيفة" لا ينفصلان في الواقع، وإن لم يكونا وجهين لحقيقة واحدة بالضبط. فبما أن المنظمة نفسها يمكن أن تمارس عدة وظائف، والوظيفة الواحدة يمكن أن تقوم بها عدة تنظيمات، فإنهما غير قابلين للعزل الواحد عن الآخر أبدا إلا بواسطة عملية ذهنية. فكل منظمة تقوم بوظيفة أو أكثر تشكل سبب وجودها، وكل وظيفة تحتاج لمنظمة أو أكثر لتأمينها، مع العلم أنه غالبا ما تكون الوظائف هي أهداف المنظمات.
ويتحدد مضمون "النظرية البنائية الوظيفية" في مفهوم كل من مصطلح "البنية" "Structure" الذي يشير إلى الأسلوب الذي ينظم المجتمع بواسطته أنشطته المتكررة، ومصطلح "الوظيفة" "Function" الذي يشير إلى مساهمة أشكال معينة من النشاط المتكرر في المحافظة على الاستقرار والتوازن في المجتمع، وكلاهما يدعم الفكرة القائلة بأن تنظيم المجتمع يوفر لنا مصدرا للاستقرار.
وتتلخص وجهات نظر البنائية الوظيفية في الفروض التالية:
1- أفضل طريقة لرؤية المجتمع هي في كونه نظاما لأجزاء مرتبط بعضها بالآخر، فهو تنظيم لأنشطة مترابطة متكررة ونمطية.
2- يتجه مثل هذا المجتمع بطبيعته نحو حالة من التوازن الحركي، وعند حدوث أي اختلال تظهر قوى تتجه نحو إعادته للاستقرار.
3- تساهم الأنشطة المتكررة في المجتمع كافة في تحقيق حالة التوازن، أي أن الصيغ العاملة بشكل نمطي تلعب دورا في المحافظة على استقرار النظام.
4- إن بعض العمليات المتكررة والنمطية تتسم بالحتمية، وهي مستمرة في وجودها، أي أن هناك شروطا أولية وظيفية تلبي الحاجات الأساسية للنظام الذي لا يستطيع الاستمرار دونها.
وتستمد هذه النظرية أصولها الفكرية العامة من آراء مجموعة كبيرة من علماء الاجتماع التقليديين والمعاصرين الذين ظهروا على وجه الخصوص في المجتمعات الغربية الرأسمالية، والتي تركز بصورة عامة على أهمية تحليل البناءات والنظم الاجتماعية ومعرفة دورها الوظيفي وتوجيهها من أجل الحفاظ على النظام العام واستمرارية تطوره وتحديثه في نفس الوقت. وهذا ما تمثل في أفكار ونظم رواد علم الاجتماع الغربيين من أمثال "أوجست كونت"، " إميل دوركايم" و"هربرت سبنسر"، وأيضا آراء العديد من علماء الاجتماع الأمريكي المعاصرين مثل "تالكوت بارسونز" و"روبرت ميرتون"، وغيرهم من رواد الجيل الثاني من علماء الاجتماع الرأسماليين الذين امتدت آراؤهم حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي.
ولقد ظهرت "النظرية البنائية الوظيفية" في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكانت بمثابة رد فعل للمعوقات والانتقادات والمشكلات التي وجهت لكل من النظرية البنيوية والنظرية الوظيفية، وجاءت لتكمل الأعمال التي بدأها كل منهما. لذا فالفكر البنائي الوظيفي يعترف ببناء الكيانات أو الوحدات الاجتماعية، ويعترف في الوقت ذاته بالوظائف التي تؤديها الأجزاء الأخرى التي يتكون منها المجتمع. ذلك أن للمجتمع بناء ووظيفة، وأن هناك تكاملا بين الجانب البنيوي للمجتمع والجانب الوظيفي؛ إذ أن البناء يكمل الوظيفة والوظيفة تكمل البناء.
وهكذا فإن هذه النظرية تسعى إلى تحقيق التوازن والاتساق داخل المجتمع، فهي تجمع بين جانبين: جانب يحدد العناصر والأجزاء التي يتكون منها البناء أو النظام، وجانب يحدد مساهمة كل جزء أو عنصر داخل هذا النظام، أي يبين الوظيفة التي يؤديها داخل الكل.
2-تطور النظرية الوظيفية
إن فكرة البناء في مجتمع ما كمصدر لاستقراره لا تعد جديدة كفلسفة اجتماعية، فـ"أفلاطون" في جمهوريته يطرح القياس بين المجتمع والكائن العضوي، فكلاهما يعني نظاما من أجزاء مرتبطة في توازن ديناميكي. وفي المجتمع المثالي الذي وصفه "أفلاطون" تقوم كل فئة من المشاركين في هيكل اجتماعي بإنجاز الأنشطة التي تساهم في تحقيق التناسق الاجتماعي العام، وقد أثرت هذه الفكرة في الفكر الغربي وأصبحت هي الإطار المركزي لتحليل علماء الاجتماع الأوائل.
لكن ينتمي المنظور الوظيفي في الأصل إلى علم الأحياء الذي فهم الوظيفة على أنها عملية أو نشاط يسهم في بقاء الكائن الحي. ودخل مفهوم الوظيفة دائرة العلم الاجتماعي على أيدي بعض الأنثروبولوجيين الاجتماعيين خاصة "راد كليف براون" و"مالينوفسكي"، فقد عكف هؤلاء على دراسة المجتمعات القبلية وشدّدوا على دور الطقوس والسحر والدين في تكامل ودمج هذه المجتمعات، كما رأوا أن البشر يرتبطون بشبكة من العلاقات الاجتماعية، وأن أي نشاط له وظيفة أي دور في الحياة الاجتماعية، بمعنى أنه يسهم مع الأنشطة الأخرى في استمرار الجسد الاجتماعي.
ولقد أجرى "هربرت سبنسر" مماثلة بين الكائن الحيواني والمجتمع، وقارن الكائن الحي بالمجتمع من حيث الأجزاء والوظائف والتكامل بين الأجزاء والوظائف للكائنين الحيواني والاجتماعي. ولم يكتف "سبنسر" بدراسة أجزاء الكائن الحيواني ومقارنتها بأجزاء المجتمع، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أشار أن لكل جزء من أجزاء المجتمع وظائفه التي تساعد على ديمومة وبقاء الكائن الاجتماعي مثله في ذلك مثل الوظائف التي يقدمها الجهاز العضوي لديمومة وبقاء الكائن الحيواني.
كما تناول أيضا في دراسته البيواجتماعية التكامل بين أجزاء المجتمع والتكامل بين وظائفها، وأكد على أنه رغم تفاضل أجزاء المجتمع فإنها تكون متكاملة، أي كل جزء يكمل الجزء الآخر.
ويمكن القول أن أفكار "سبنسر" وجدت استمراريتها في أفكار الوظيفية المعاصرة من خلال:
1- حاول "سبنسر" أن يستعير من البيولوجيا تفرقتها بين "البنية" و"الوظيفة"، وهما المصطلحان اللذان حظيا بانتشار كبير في علم الاجتماع المعاصر.
2- في محاولة "سبنسر" تطبيق قوانين البيولوجيا وقوانين التطور التي وضعها هذا العلم للمجتمع، اقترح صيغة فريدة وهي التكامل عبر التمايز أو التغاير.
ولكن تجنبا للنزعة الجبرية اعترف بإمكانية التحلل في مواجهة التطور، وهو ما يمثل في رأيه التحلل عبر التشابه.
3- كان "سبنسر" بالرغم من نزعته التطورية المرفوضة في الوظيفية المعاصرة يرى أن المجتمع كل عضوي، وأن الرابطة بين الأجزاء المشكلة للكل تتشكل من إسهامات تلك الأجزاء. كما أنه هو الذي وضع الصيغة القائلة بأن التطور هو بحث دائم عن توازن المجتمع.
أما التأثير الأكبر فيعود إلى "دوركايم"، حيث أن الوظيفية كنظرية ترتبط بشكل دقيق بأعماله التي طرحت التفسير الوظيفي والسببي، ولكنه لم يستطع على الإطلاق أن يقدم حلا لما هو ملائم منها لعلم الاجتماع، أو أن يدرس أوجه الارتباط بينهما. حقيقة أنه في كتاباته المبكرة أشار إلى أن التفسير الوظيفي وحده ليس كافيا، إذ أن القول بأن للظاهرة الاجتماعية وظيفة معينة لا يبرر وجودها الذي يجب تفسيره في ضوء الأسباب الكافية، ولكنه في كتاباته الأخيرة كان يفسر الظواهر الاجتماعية –ببساطة- بواسطة وظائفها دون تبرير ذلك.
أما البريطاني "راد كليف براون" فقد قام بتشبيه الحياة الاجتماعية بالحياة العضوية متجنبا آراء "دوركايم"، معتمدا بدلا منها الظروف الضرورية لوجود وبقاء الكائن الاجتماعي. وأجرى دراسات عميقة حول التمييز بين المرفولوجية الاجتماعية التي تحلل شبكة العلاقات الاجتماعية الكامنة في البناء الاجتماعي، والفيزيولوجيا الاجتماعية التي تدرس جميع الظواهر الاجتماعية الكامنة في قطاعات المجتمع دراسة كلية مترابطة. وفي الفترة ذاتها انصب الاهتمام على الفكرة المجردة للأنظمة الاجتماعية بنظرة شمولية عامة، معتبرة إياها أنظمة متصلة ومكملة الواحدة منها للأخرى، وهو الطريق الذي سلكه "تالكوت بارسونز" في جميع بحوثه وتحليلاته الاجتماعية.
وكان عالم الاجتماع الأمريكي "بارسونز" هو الذي وضع إطارا وظيفيا لدراسة المجتمع البشري، ونقطة البدء هي أن أي جزء من المجتمع يمكن فهمه في سياق الكل فحسب، هذا الكل هو بمثابة نسق أو نظام. لقد نظر إلى المجتمع بوصفه نسقا من المتغيرات المتداخلة والمتساندة وظيفيا، يتوقف استقراره واستمراره على إشباع حاجاته من خلال المؤسسات القائمة فيه. وحدد "بارسونز" الاحتياجات الوظيفية للمجتمع في التكيف وتحقيق الهدف، والحفاظ على النمط والتكامل.
ويزعم "بارسونز" أن استقرار النظام الاجتماعي –وهذا هو مثله الأعلى- رهن بوجود منظومة من القيم المشتركة أو أرضية من الاتفاق القيمي بين أجزائه، بيد أن قضية بقاء واستمرار النظام الاجتماعي لم تصرفه عن مسألة التغير. فالنظام الاجتماعي لم ولن يعرف الجمود، إذ أنه دائما في شد وجذب وعرضة للتوتر والصراع، على أن رؤيته للتغيير لا تنفصل عن اهتمامه الأصيل باستقرار النسق. ومن ثم نراه يتحدث عن "التغير المنظم"، أي التغير الذي يطرأ في إطار الاستقرار.
أما "روبرت ميرتون" فقد اقترح مسارات جديدة في محاولة درء تهمة "تكريس الوضع القائم" عن النظرية الوظيفية، ويتلخص إسهامه في أمرين:
1- التمييز بين الوظائف الظاهرة Manifest (أي الآثار المباشرة التي يتوقع الأفراد حدوثها) والوظائف الكامنة Latent (أي النتائج العرضية).
2- التفرقة بين الوظائف (أي النتائج التي تحقق توازن وتكيف النسق) وبين المعوقات الوظيفية Dysfunctions (أي النتائج التي تقلل من تكيف وتوازن النسق)؛ وهذه بدورها قد تكون ظاهرة أو كامنة.
والملاحظ أن تطور "النظرية البنائية الوظيفية" خضع لإسهامات روادها من علماء الاجتماع وغيرهم، الذين حاولوا توضيح مفهوم البناء، وتحديد عناصره من خلال الوظائف التي يؤديها كل عنصر، والتي تتكامل فيما بينها لتساعد على استقرار البناء وتطوره.
3- النظرية الوظيفية في دراسات الاتصال
يعتبر المدخل الوظيفي أحد المداخل الأساسية لدراسة الاتصال الجماهيري، فالمفاهيم التقليدية للاتصال قادت بحوث ودراسات الإعلام في المجتمعات الغربية خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي معظم أنحاء العالم إلى توجهين أساسيين:
1- توجه بحثي معني أساسا بالتأثيرات الناتجة عن تعرض الجمهور لوسائل الإعلام الجماهيرية، من خلال محاولة اكتشاف ما تفعله هذه الوسائل بالجمهور.
2- توجه بحثي معني أساسا بوظائف وسائل الإعلام الجماهيرية من خلال البحث عما تفعله هذه الوسائل من أجل الجمهور، أو بعبارة أخرى الكيفية التي يستخدم بها الجمهور وسائل الإعلام.
وقد تولد الاتجاه الأول نتيجة للاعتقادات التي سادت في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى بشأن قدرة وسائل الإعلام على تشكيل الرأي العام وتحويل الجماهير إلى وجهة نظر القائم بالاتصال أي الإقناع. وهي اعتقادات بالغت إلى حد بعيد في قدرة هذه الوسائل وفاعليتها التأثيرية، مما أدى إلى ظهور اتجاه بحثي آخر يعنى بالعلاقة الوظيفية بين وسائل الإعلام وجمهورها، وكان محور هذا الاتجاه هو الإجابة على سؤال أساسي: كيف ولماذا يستخدم الناس وسائل الإعلام؟
فأصحاب النظرية الوظيفية يرون أن لوسائل الاتصال أهدافا وظيفية محددة تقوم عليها المؤسسات والتنظيمات والوسائل المختلفة التي تحمل أيضا رسائل اتصالية تنقل إلى جمهور أو مستقبلين معينين أو محددين، لديهم أيضا تطلعات كبيرة للدور الوظيفي الذي يجب أن تقوم به مؤسسات الاتصال والإعلام من أجل إشباع وتحقيق أهدافهم، أو فئة المستفيدين من المادة الإعلامية والاتصالية التي تحقق لهم مجموعة من الوظائف مثل التعليم، الترفيه ونقل المعلومات والأخبار والأحداث، تطوير الاتجاهات والآراء والأفكار، والتحديث وغير ذلك من وظائف متعددة تعرف عموما بوظائف الاتصال الجماهيري والإعلامي في العصر الحديث.
وتهتم الوظيفية بدراسة الإعلام باعتباره إدارة ذاتية هامة، تصحح نفسها في إطار سياسة وقواعد مؤسساتية معينة، وتظهر خصوصيتها في موضوعيتها وتطبيقاتها العامة. أما عن الجانب السياسي في صياغتها فهو يناسب مفاهيم التعددية وحرية الاختيار، ويناسب أيضا الآليات الأساسية للحياة الاجتماعية في الاتجاه المحافظ. ويقصد بالإعلام –من وجهة نظر الوظيفية- الحفاظ على القيم السائدة، فضلا عن استخدامه كمصدر للتغيير الاجتماعي. وتعد المؤسسة الإعلامية وفق وجهة النظر هذه إحدى المؤسسات التي تهتم بتفسير الاتجاهات وأنشطة المؤسسات في ضوء حاجات المجتمع.
ومن الواضح تماما أن وسائل الإعلام غدت في الوقت الحالي جزء مركزيا من هياكل مؤسساتنا، وهذا يعني أنها في الوقت الذي تمثل فيه صناعات قائمة بذاتها، تغلغلت بعمق داخل كل مؤسسات المجتمع الأخرى. وعلى سبيل المثال فإن وسائل الإعلام من خلال تركيزها على الخدمات والمنتجات الصناعية تعتبر جزء أساسيا من المؤسسة الاقتصادية، ومن خلال قيامها بدور متزايد في عملية الانتخابات أصبحت جزء من المؤسسة السياسية، كما يرى الكثيرون أنها أصبحت جزء مهما من المؤسسات الدينية والتعليمية، أي أن المؤسسات الإعلامية تهتم بالتوازن والاستقرار أكثر من اهتمامها بالتحول والتغير.
من خلال هذا، وبتطبيق الفروض التي تقوم عليها النظرية الوظيفية في دراسة الاتصال الجماهيري، يبدو أن عمل الاتصال ووسائله في المجتمع هو عمل نمطي ومكرر، والعلاقة القائمة بين الاتصال والأنشطة الاجتماعية الأخرى لا تؤثر فقط على العمل اليومي، وإنما تؤثر على الطريقة التي يستخدم بها الفرد الوسائل المذكورة في حياته اليومية، فهي تساهم في خلق التوازن الاجتماعي للمجتمع. ومن ثم يمكن إدراج الاتصال ووسائله ضمن المكونات الحتمية للبناء الاجتماعي، تلك التي لا يستطيع المجتمع المعاصر الاستقرار دونها.
وهكذا فإن التحليل الوظيفي يركز على طبيعة البناء المجتمعي، وكيف تعمل الوحدات داخل النظام العام. ويمكن النظر إلى النظام العام على نطاق واسع Macro Level باعتبار المجتمع هو النظام الشامل، أو على مستوى ضيق Micro Level، بحيث تكون الوسيلة الإعلامية ومحتواها وجمهورها هي النظام العام. وفي كلتا الحالتين يربط التحليل الوظيفي بين التفاعلات التي تحدث فيما بين وحدات النظام، وأثر هذه التفاعلات على النظام ككل. أي أن الوظيفة الأساسية للإعلام تكمن في ربط أجزاء المجتمع والتفاعل المجرد بين المرسلين والمستقبلين، ويستخدم التكامل بين أجزاء النسق بطريقة يعتمد فيها كل طرف على الآخر بهدف إحداث التكامل الداخلي بين أعضاء المجتمع والقدرة على خلق استجابة لدى الأفراد، فضلا عن مسؤوليته في عملية الضبط وتوجيه سلوك الأفراد.
ولقد طرحت هذه النظرية مجموعة من النماذج التي تعرف في دراسات الاتصال والإعلام بالنماذج الوظيفية Function Models أو نماذج التحليل الوظيفي، والتي تركز على تحليل عدد من الوظائف والأهداف العامة التي تقوم بها وسائل الاتصال الجماهيري. كما تركز هذه النماذج على التعرف بوضوح عن مدى تحقيق الأهداف أو الوظائف بصورة إيجابية أو سلبية.
كما ذهب فريق من الباحثين إلى أن إسهام النظرية الوظيفية من خلال الدراسات الأمريكية أمر لا يساوره شك. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الفضل يرجع إلى رواد هذه النظرية في تطوير بحوث الإعلام ونظرياته، ومن أمثلة هذه الدراسات كتاب "ملفين ديفلير" و"ساندرا بول روكيش" المعنون بـ "نظريات وسائل الإعلام". إذ أشار الباحثان إلى أهمية نظرية المجتمع الجماهيري في الدراسات الإعلامية، وتحدثا عن نظريات التأثير الاختياري ممثلة في نظريات الفروق الفردية ونظرية العلاقات الاجتماعية، كما اهتما أيضا بنظريات التأثير غير المباشر باعتبار أن وسائل الإعلام تمثل عاملا مساعدا في التطور الاجتماعي للفرد.
وقد أشار "رايت" إلى بعض النقاط النظرية والمنهجية المتصلة بتطور النظريات الوظيفية في دراسة الاتصال الجماهيري، وأوضح أن التحليل الوظيفي يهتم بدراسة المهام والأدوار التي تؤديها وسائل الاتصال الجماهيري باعتبارها من الظواهر التي تؤثر بلا شك في النظام الاجتماعي. أما "ملفين ديفلير" فيرى أن التحليل الوظيفي يركز على ظاهرة معينة تحدث في نطاق نظام اجتماعي معين، ثم يكشف النتائج التي تساهم بها الظاهرة في استقرار ودوام النظام.
ومع هذا يواجه المدخل الوظيفي في دراسة وسائل الإعلام العديد من الصعوبات، أولها التداخل في معنى كلمة "وظيفة Function". فكما يقول "دينيس ماكويل" إن هذا المصطلح يمكن أن يستخدم بمعنى هدف Purpose أو بمعنى نتيجة Consequence أو بمعنى مطلب أساسي Requirement أو التوقع Expectation. وإذا طبقنا هذا على الاتصال الجماهيري، فنجد مثلا أن الوظيفة الإخبارية يمكن أن تشير إلى ثلاثة أمور منفصلة: فإذا أحاطت الناس علما بالأحداث فهذا "هدف أو غرض"، وإذا قلنا أنه ينبغي عليها أن تخبر الناس بالأحداث من حولهم فالوظيفة هنا بمعنى "مطلب أساسي أو التوقع". أما إذا قلنا أن الناس يتعلمون من وسائل الإعلام فالوظيفة هنا بمعنى "النتيجة".
كما واجهت النظرية الوظيفية بعض الصعوبات تتمثل في أن الإعلام ليس وحده الذي يؤثر في السلوك، ولكن توجد أيضا جماعات أو تنظيمات أخرى؛ ولذلك يصعب تمييز وظيفة الإعلام عن وظائف الأجهزة الأخرى المتمثلة في الحكومات والأحزاب والشركات. إضافة إلى صعوبات أخرى تتعلق بأن هناك فرصة ضعيفة لإثبات التأثير طويل المدى للوسيلة، وربما يكون تأثيرها مفيدا أو ضارا، وهذا ما لا نستطيع إثباته بواسطة نتائج البحوث الإمبريقية.
لقد جاءت أهمية هذه النظرية في دراسة وسائل الاتصال الجماهيري نظرا لاعتمادها على التحليلات النظرية من ناحية، وإجراء الدراسات الميدانية من ناحية أخرى، وذلك بهدف التعرف على الخصائص والسمات العامة لوسائل الاتصال الجماهيري، ولا سيما بعد أن تزايدت أهمية هذه الوسائل وأصبحت تشكل جزء من نمط الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في كافة المجتمعات الحديثة وخاصة المجتمعات الغربية الرأسمالية الديمقراطية. وفي نفس الوقت اهتم الكثير من روادها بتحليل الدور الوظيفي لوسائل الاتصال الجماهيري وتشكيل الوعي الفردي والجمعي، ونمو السلوك والشخصية، والاتجاهات الطبقية والسلالية والعنصرية، ومفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة، وغيرها من عناصر تشكيل الرأي العام في المجتمعات الغربية والنامية.
- مقاربة الاستخدامات والإشباعات
مقاربة الاستخدامات والإشباعات
يعود الاهتمام بالبحث عن الإشباع الذي توفره وسائل الإعلام لجمهورها إلى بداية البحث التجريبي في ميدان علم الاتصال. ومثل هذه الدراسات ظهرت في الأربعينيات في أعمال لازرسفيلد وستاتون وبيرلسون، وفي الخمسينيات في أعمال ريليز وفريدسون وماك كوبي، وفي الستينيات في أعمال شرام ولايل وباركر.
وقد كان كاتز وبلومر أول من طرح هذه الرؤية الجديدة لدراسة الاتصال الجماهيري في كتابهما الشهير "استخدامات وسائل الاتصال الجماهيري" عام 1974. وهي رؤية تفترض أن يكون التساؤل الأساسي هو ما الذي يفعله الناس بوسائل الإعلام؟ وليس ما الذي تفعله وسائل الإعلام بالناس؟ وعلى الرغم من أن العديد من الأفكار التي طرحها "كاتز" و"بلومر" لم تكن جديدة تماما أنذاك، إلا أن هذه الرؤية ومنذ صدور هذا الكتاب اجتذبت عددا هائلا من الباحثين الذين اتخذوا من هذه المقولة نقطة بداية لمئات من البحوث والدراسات بحيث أصبح هذا المدخل أحد المداخل الرئيسية في دراسة الاتصال الجماهيري.
وتتسم النظرية بطبيعة نفسية اجتماعية، وتتخذ من الجمهور محورا لها، كما تبحث في التأثيرات الاجتماعية غير المباشرة، وتفترض أن الجمهور نشيط وإيجابي في تعامله مع وسائل الاتصال بهدف إشباع الاحتياجات النفسية والاجتماعية له. وقد بنيت الدراسات الحديثة للاستخدامات والاشباعات على نفس التصور الذي قامت عليه البحوث منذ ثلاثين عاما تقريبا، إلا أنها اتسعت لتشمل وسائل الاتصال الجديدة مثل القنوات الفضائية والكمبيوتر والانترنت.
يسعى نموذج الاستعمال والإشباع إلى الإجابة عن السؤال لماذا يستعمل المتلقي وسائل الاتصال. ومن خلال السؤال الأخير يمكننا أن ندرك بأن محور هذا النموذج يعتبر المتلقي هو نقطة البدء وليس الرسالة الإعلامية أو الوسيلة الاتصالية. ويأخذ هذا النموذج في اعتباره أن جمهور الوسيلة الاتصالية هم نقطة البدء ويحاول أن يخبرنا عن سلوكهم الاتصالي فيما يتعلق بتجربة الفرد المباشرة مع وسائل الاتصال.
وقد تطورت نظرية الاستخدامات والاشباعات في التسعينيات لتغطي ثلاثة مجالات أساسية هي:
1- دور البحث عن الإشباعات في التعرض لوسائل الاتصال.
2- العلاقة بين الاشباعات والأطر التفسيرية التي يدرك من خلالها الجمهور مضمون وسائل الاتصال.
3- العلاقة بين وسائل الاتصال الجماهيري والإشباعات.
وقد قدم "كاتز" و"بلومر" وصفا لمدخل الاستخدام والإشباع بأنه مدخل معني بمايلي:
1- الأصول الاجتماعية والسيكولوجية.
2- الاحتياجات التي يتولد عنها.
3- توقعات من وسائل الإعلام أو أي مصادر أخرى.
4- أنماط مختلفة في التعرض لوسائل الإعلام.
5- اشباعات للاحتياجات.
6- نتائج أخرى في الغالب غير مقصودة.
وقد ساهمت هذه الافتراضات التي قدمها "كاتز وبلومر" والتي قام "روزنبرج" بشرحها وتفصيلها في رسم وتحديد الأبعاد العامة لبحوث الإشباع والاستخدام. وكذلك ساهمت دراسات عديدة بعد ذلك في إعادة صياغة هذه الافتراضات الكلاسيكية وصولا إلى أهم أسس مدخل الإشباع والاستخدام والتي توجه البحوث في هذا المجال. ومن بين هذه الأسس:
1- أن الجمهور نشط.
2- الاستخدام المكثف لوسائل الإعلام يمكن اعتباره هدفا موجها ومتنافسا مع مصادر أخرى لإشباع الاحتياجات.
3- يربط الجمهور بين الاحتياجات وبين اختيار وسائل الإعلام.
4- إن التعرض لوسائل الإعلام يمكن أن يؤدي إلى تحقيق مجال واسع من الإشباع رغم أن محتوى وسائل الإعلام وحده لا يمكن استخدامه للتنبؤ بأنماط الإشباع بدقة.
5- الإشباعات التي يحصل عليها الجمهور يمكن أن تكون مستمدة من محتوى وسائل الإعلام، أو التعرض لهذا المحتوى أو التعرض في حد ذاته أو الموقف الاجتماعي الذي تم خلاله التعرض.
ويرى هذا النموذج أن الأفراد يوظفون مضامين الرسائل الإعلامية بدلا من أن يتصرفوا سلبيا اتجاهها. ومن ثم فإن المدخل لا يفترض وجود علاقة مباشرة بين الرسائل الإعلامية والتأثيرات على الجمهور، ويفترض بدلا من ذلك أن الجمهور يستخدم الرسائل لأمور كثيرة، وتلك الاستخدامات تلعب كعوامل وسيطة في عملية التأثير. علاوة على ذلك فإن هذا المدخل يوفر لنا مجالا رحبا لاختبار السلوك الاتصالي الفردي مضافا إلى مجالات البحث المستمرة عن الطرق التي يخلق بها البشر حاجاتهم ويشبعونها. وقد لخص "إليهو كاتز" ورفاقه هذا المدخل بالعناصر التالية:
1- أن المتلقي هو محور التركيز في العملية الاتصالية، وهو يستخدم وسائل الاتصال كاستجابة منه لتحقيق حاجات يسعى إليها. فالمتلقي عنصر فعال وهذا يعني أنه جزء هام من استخدام وسائل الإعلام إذ يفترض بأنه المستهدف، وهكذا فإن استخدام المتلقي لوسائل الإعلام يمكن تفسيره كاستجابة منه للحاجة التي يستشعرها، ويتوقع المتلقي أن ينال من خلال سلوكه في استعمال وسائل الإعلام بعضا من أشكال إرضاء الحاجة لديه.
2- المبادرة في ربط إشباع الحاجات باختيار الوسيلة المناسبة، إنما يخضع المتلقي ذاته في عملية الاتصال الجماهيري. فهذا النموذج يرى بأن الناس مدينون لوسائل الإعلام لسد حاجاتهم أكثر من كونها عامل تأثير عليهم، فالمتلقي يستخدم وسائل الاتصال لتحقيق اشباعات لديه تختلف تبعا لظروفه الاجتماعية والنفسية.
3- تتنافس وسائل الاتصال مع وسائل ومصادر أخرى لإشباع حاجات الجمهور، ولذا يجب أن تأخذ وسائل الإعلام في حسبانها وجود بدائل تقليدية تنافسها في تحقيق اشباعات الحاجات المختلفة لدى الجمهور، وبالتأكيد تختلف الدرجة التي يتم بها تحقيق هذا الإرضاء عن طريق وسائل الإعلام بشكل مناسب.
4- من ناحية منهجية فإن كثيرا من البيانات حول أهداف استعمال وسائل الاتصال الجماهيري يمكن استنتاجها من معلومات نستمدها من الأفراد أنفسهم، ذلك أن الناس لديهم الوعي الذاتي والمقدرة على تسجيل اهتماماتهم ودوافعهم لملاحظتها حينما يسألون عنها بصيغة سهلة مفهومة.
5- إن إصدار أحكام القيمة حول الأهمية الثقافية للاتصال الجماهيري يجب أن تؤجل بينما تكون توجهات الجمهور هي موضوع الاستكشاف والدراسة من خلال أنفسهم.
عندما ظهرت نظرية الاستخدامات والإشباعات لأول مرة تحول السؤال البحثي في الاتصال الجماهيري من 'ماذا تفعل وسائل الاتصال بالجمهور" إلى "ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام". أي أنها غيرت من اتجاه البحث بناء على افتراض مفاده أن الجمهور لا يتكون من مجموعة من الأفراد السلبيين، ولكنه نشيط وباحث عن المعلومات. أما اليوم فالذي سيوجه البحث في التأثيرات الاجتماعية، وفي الاتصال الجماهيري بصفة عامة لم يعد "ماذا يفعل الجمهور باستخدامه لوسائل الاتصال في علاقته بإشباع حاجاته فقط"، ولكن سيصبح "لماذا وكيف يستخدم الجمهور وسائل الاتصال الجماهيري الجديدة للوفاء بحاجاته وحاجات الآخرين". والفكرة خلف هذا التساؤل البحثي مستقاة من طبيعة الوسائل الجديدة التي لا تمكن الفرد النشيط من الاستخدام لمجرد تلبية حاجاته، ولكن لتلبية حاجات الآخرين في الوقت نفسه، فكل فرد قد يكون لديه الحرية والإمكانية لأن يصبح دار نشر متنقلة ووسيلة اتصال متحررة ومصدرا للحدث الهام وأداة لإشباع احتياجات الآخرين، طالما أنه يمتلك مهارات التعامل الفعال.
- المقاربة النقدية
المقاربة النقدية
لقد اعتقدت السوسيولوجيا الوظيفية أن وسائل الإعلام، الأدوات الجديدة للديمقراطية الحديثة، تلعب دورا هاما في ضبط المجتمع وتنظيمه؛ لهذا السبب فهي تستطيع أن تحافظ عن النظرية التي يمكن بواسطتها إعادة إنتاج قيم النظام الاجتماعي المهيمنة، وبتعبير آخر تثبيت الوضع الراهن. وفي المقابل بدأت مدارس الفكر النقدي تضع موضع الشك والمساءلة الآثار المترتبة على تطوير هذه الوسائل الجديدة للإنتاج الثقافي، وترفض أن تأخذ كمسلمة أن الديمقراطية سوف تستفيد بالضرورة من هذه المستحدثات التقنية. وفي ذلك الوقت الذي وصفت فيه وسائل الإعلام وقبلت من جانب التحليل الوظيفي كآليات للضبط والتكيف، فإنها وضعت موضع الشك من جانب السوسيولوجيا النقدية للعنف الرمزي، التي اعتبرتها أدوات للسيطرة والهيمنة.
إن "معهد البحث الاجتماعي" التابع لجامعة "فرنكفورت" والذي أسس من قبل بعض المفكرين الألمان، ومن بينهم الفيلسوف "ماكس هوركايمر"، يعتبر أول مؤسسة ألمانية بحثية تعلن صراحة توجهها البحثي الماركسي؛ فقد شكل الاقتصاد الرأسمالي وتاريخ الحركة العمالية موضوع الدراسات الأولية للمعهد. ثم حرص هذا الأخير على تعديل المنهج الماركسي في قراءة التاريخ، وذلك بإدماج عدّة منهجية مستوحاة من فلسفة الثقافة والأخلاق وعلم النفس السوسيولوجي، وعلم النفس التحليلي، والهدف من ذلك هو الجمع بين ماركس وفرويد. وعندما وصل "هتلر" إلى السلطة أقال "هوركايمر" ومعه مجموع الأعضاء المؤسسين من أصول يهودية، ومع ذلك فإن المعهد الذي كان يموله رجال أعمال من طائفة يهودية ظل موجودا، إذ تم نقل أمواله إلى هولندا وافتتح فروع له في كل من جنيف ولندن وباريس، لكن الفرع الوحيد الذي عرف نشاطا متواصلا كان الفرع الأمريكي الذي اتخذ من إحدى مباني جامعة كولمبيا مقرا له.
إن الهوية المركزية للنظرية النقدية لمدرسة فرنكفورت تتمظهر كبناء تحليلي للظواهر التي تتحرى عنها من جهة، وفي الوقت نفسه كمقدرة على إرجاع هذه الظواهر للقوى الاجتماعية المسؤولة عن تحديدها من جهة أخرى.
بالنسبة للباحث العلمي الاجتماعي النقدي، فإن الهدف الرئيسي للبحث هو كشف، شرح وفهم بنيات القوة والعلاقات داخل المجتمع، وينظر لوسائل الإعلام كمصادر قوية للسيطرة الاجتماعية، تسيطر عليها النخب الاجتماعية والثقافية والسياسية. هذه المؤسسات يمكنها استخدام وسائل الإعلام لإصدار قيم ومعتقدات وآراء محددة، للحفاظ على مراكزها مقابل مجموعات أقل قوة داخل المجتمع. ومن خلال فضح هذه العمليات والآليات التي يعملون من خلالها، يأمل الباحثون في تقوية الأقل قوة من خلال تمكينهم من تنظيم هذه العمليات وبالتالي تحدي من هم أكثر منهم قوة. أما وسائل الإعلام فهي تقدم صورة نمطية في تمثيل الواقع الخارجي، الذي يحتاج إلى ترتيب للتعرف على ما هو عليه. ومع ذلك، فإن هذا الواقع هو كيان يتغير باستمرار ويتطور، مما يتطلب مراقبة مستمرة. وتؤكد العلوم الاجتماعية النقدية بأن الواقع الاجتماعي له طبقات متعددة، وعلى الفور خلف الواقع السطحي الملاحظ، تقع بنيات عميقة أو آليات (ميكانزمات) غير قابلة للرصد، وفقط ببذل مجهود يمكن أن تكشف البنيات العميقة.
فلقد أوجد "أدورنو وهوركايمر" في الأربعينات مفهوم "صناعة الثقافة" وقاما بتحليل الإنتاج الصناعي للبضاعة الثقافية كحركة عالمية تنتج الثقافة كسلعة، حيث تظهر المنتجات الثقافية (الأفلام والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والمجلات...) ذات العقلانية التقنية والبرامج التنظيمية والخطط الإدارية التي يظهرها الإنتاج الضخم للسيارات ومشاريع التجديد المدينية، وكتبا "تم تخطيط شيء ما لكل شخص، وهكذا لا يستطيع أي شخص أن يهرب من ذلك الذي خطط له". كما تم توحيد مقاييس جميع قطاعات الإنتاج، ويصح هذا أيضا على كل قطاع في علاقاته بالقطاعات الأخرى، جعلت المدينة الراهنة كل الأشياء متشابهة. وحول هذا النظام يقدم العاملون فيه تفسيرات وتبريرات بمفتاح تقاني؛ فالسوق الجماهيرية تفرض تنظيما وتوحيدا قياسيا، أي أن أذواق الجماهير وحاجاتهم تفرض مقولبات ونوعية رديئة وهابطة. ولكن يحدث أنه بالضبط في هذا الدوران من التلاعب ومن الحاجة التي تنشأ عنها، أن يتظافر النظام أكثر فأكثر. غير أن لا أحد يقول شيئا حول البيئة التي تكتسب فيها التقانية كل هذه السلطة على المجتمع نفسه.
إضافة إلى هذا، يتضح مدى اغتراب الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث في "توحيد" الحاجات البشرية، وتقنين أنماط السلوك أو "التسوية" بينها عن طريق عملية الإنتاج السلعي الضخم وصناعة التسويق والاستهلاك على أوسع نطاق. ويصوّر للإنسان الفرد حسب "أدورنو وهوركايمر" من خلال شركات الإنتاج ووكالاته التي لا حصر لها، ومن خلال ثقافتها الإعلامية أن أنماط السلوك الموحّدة أو المقننة هي وحدها الأنماط الطبيعية المحترمة المعقولة. فكلما بدا جمهور وسائل الإعلام أكثر لا تمايزا وأكثر تبعثرا، كلما اتجهت وسائل الإعلام نحو اقتناص تكيّفه. إن أول ملاحظة "لأدورنو" هي أن وسائل الإعلام الجماهيرية ليست ببساطة المجموع الكلي للأعمال التي يصفونها أو للرسائل الناجمة عن هذه الأعمال، بل تكمن أيضا في معان متنوعة يتراكم بعضها فوق البعض الآخر وجميعها تتعاون للوصول إلى النتيجة.
وتعكس هذه البنية التراكمية الكثيفة من الرسائل إستراتيجية التلاعب الذي تنجزه الصناعة الثقافية؛ فما تنشره وتبثه هذه الصناعة منظم من قبلها بهدف استلاب المتلقين في مستويات سيكولوجية متعددة في آن معا. ويمكن أن تكون الرسالة الخفية أكثر أهمية من تلك الظاهرة، وبما أن هذه الرسالة المستترة تمر في غفلة من الوعي، فإنه لن يتم تفاديها من قبل المقاومات السيكولوجية أثناء عمليات الاستهلاك، ومن المحتمل أن تخترق أدمغة المتلقين.
إن التلاعب بالجمهور الذي تتبعه وتحققه الصناعة الثقافية كشكل من أشكال السيطرة على المجتمع يمر عبر الوسيلة الإعلامية من خلال تأثيرات تتحقق في مستويات مستترة للرسائل. فهذه الأخيرة تتظاهر بقول شيء ولكنها في الحقيقة تقول شيئا آخر، وتتظاهر بأنها خفيفة ومسلية ولكنها بوضع نفسها أبعد من معرفة الجمهور، فإنها تؤكد على تبعيته. والمتلقي من خلال المواد التي يتابعها يجد نفسه، باستمرار وبدون أن يدري، خاضعا لشرطية امتصاص الأوامر والوصفات والأحكام الغيابية بالإبعاد.
لقد أصبحت دراسة وسائل الاتصال الجماهيري تشغل موقعا مركزيا في النظرية النقدية في المجتمع الرأسمالي، حيث تطغى وسائل الاتصال الجماهيرية على دائرة اهتمام النظام ومؤسساته السياسية والاقتصادية والثقافية. وفي المجتمع البديل الذي تطرحه النظرية النقدية تقوم وسائل الإعلام بعدة أدوار:
1- يمكن توظيفها كوسائل لتحريض الجماهير على الثورة ضد النظام الرأسمالي، وكذلك يمكن استخدامها كآلية لتحرير وعي واهتمامات الجماهير من خلال الإسهام في تغيير النمط الحياتي الذي ينظم خبرات الجماهير ويقودهم لمساندة وتشجيع الباحثين النقديين الذين تبنوا هذا الاتجاه لدراسة وسائل الاتصال الجماهيرية بصورة صحيحة.
2- النظرية النقدية تعتبر وسائل الاتصال الجماهيرية أدوات للتعبير الحضاري والتواصل الثقافي، الذي يساعد على تحرير وعي الجماهير، وبالتالي يفتح أمامها آفاقا أوسع لتحقيق إنسانيتها.
إن تاريخ النظرية النقدية في الحقل البحثي لوسائل الاتصال الجماهيرية قد بدأ تحديدا بمدرسة فرنكفورت، ويرجع ذلك إلى جملة اعتبارات نذكر منها:
1- إن مدرسة فرنكفورت في نقدها للمجتمع وتبنيها لمصطلح التغيير الاجتماعي تمثل إسهاما هاما في تاريخ البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بصفة عامة، وعلى الأخص في مجال الثقافة والبحوث الإعلامية والاتصالية.
2- أسهمت مدرسة فرنكفورت في تعرية السلطة في المجتمعات الرأسمالية والكشف عن دورها في طمس الفروق الاجتماعية، وتزييف وعي الجماهير بآليات القهر الاجتماعي والثقافي؛ فقد أثبتت أن البحث العلمي الاجتماعي لا يمكن أن يكون خالصا من التأثيرات الإيديولوجية وخصوصا في مجال البحث الاتصالي.
فالفضل يعود لفلاسفة مدرسة فرنكفورت في نقد المفهوم الزائف عن العلم، الذي يتصور أصحابه أنه متحرر من القيم ومستقل تمام الاستقلال عن الاهتمامات والمصالح الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإيديولوجية. كما ساهم النقد لمفهوم العلم من ناحية أخرى على إدراك أهمية "الإيديولوجيا التكنوقراطية" التي تكمن وراء كثير من القرارات السياسية والمواقف الأخلاقية التي تتخذها القوى ذات المصلحة في المجتمعات الصناعية الحديثة، متحججة بأنها قرارات "موضوعية" تحتمها المعرفة العلمية والخبرة التقنية.
- المقاربة التفاعلية (التفاعلية الرمزية)
المقاربة التفاعلية (التفاعلية الرمزية)
تهتم مقاربة التفاعلية الرمزية بطبيعة اللغة والرموز في شرح عملية الاتصال في إطارها الاجتماعي، حيث تتحدد الاستجابات من خلال نظام الرموز والمعاني الذي يبنيه الفرد للأشياء والأشخاص والمواقف، وبالتالي كلما اتسع إطار المعاني المشتركة كلما تشابهت الاستجابات في عمليات التفاعل الاجتماعي المختلفة. ويعمل ذلك أيضا على زيادة قدرة الفرد على توقع استجابات الآخرين نحو الأشياء أو الأشخاص أو المواقف المختلفة في إطار الثقافة الواحدة، نتيجة لإدراك الفرد للمعاني المشتركة في هذه الثقافة وبالتالي نجد أن الأفراد يرسمون صورا للواقع من خلال نظام خاص للرموز والمعاني يكتسبه الفرد في العمليات الاتصالية المتعددة خلال حياته.
وهناك خيطان منفصلان إلى حد ما حول فكرة تبادل التفاعل الاجتماعي والمعاني المشتركة كأساس للتفسير الفردي للعالم الموضوعي. وقد تبنى الخيط الأول عالم النفس الاجتماعي تشالز هورتون كولي الذي رأى أن الناس يستطيعون الانتساب إلى بعضهم البعض ليس على أساس صفاتهم الموضوعية كما هي موجودة في الواقع، ولكن من خلال "الانطباعات" التي يخلقها كل منهم لدى الآخرين من خلال عملية التفاعل فيما بينهم. وأطلق كولي على هذه الانطباعات اسم "الأفكار الشخصية". فنحن نكون فكرة شخصية عن كل فرد نعرفه وكذلك عن أية جماعة من الناس، وبالتالي تصبح الفكرة الشخصية عبارة عن بناء للمعنى، أي مجموعة من الصفات التي نتخيلها ونسقطها على كل من أصدقائنا ومعارفنا كتفسير لشخصياتهم الواقعية، وكقاعدة للتنبؤ بسلوكهم والتنبؤ بسلوك الآخرين الذين يبدون مشابهين لهم.
أما الخيط الثاني فقد تبناه العالم جورج هربرت ميد الذي رأى أن المقدرة على الاتصال بالآخرين تعتبر مفتاحا لأفكار الفرد، وعلى الرغم من أن الإنسان يستطيع أن يبني مفاهيم عن نفسه بالطريقة التي اقترحها كولي فإنه يستطيع أن يتعلم أيضا كيف يتوقع تصرفات الآخرين، وما سوف يعتبرونه سلوكا مقبولا اجتماعيا.
ويعتبر هربرت بلومر أول من استخدم تسمية التفاعلات الرمزية، وحسبه فهي تعتمد على ثلاثة مبادئ:
1- إن الأفراد في سلوكهم اتجاه الأشياء، يرتبطون بالمعنى الذي تحمله هذه الأشياء إليهم.
2- إن معنى هذه الأشياء يتأتى أو ينبثق عن التفاعل الاجتماعي مع الآخرين.
3- إن هذه المعاني يتم تناولها وكذا تعديلها في سياق صيرورة تأويلية يوظفها الفرد في التعامل مع الأشياء التي يلاقيها.
وهذه الأفكار التي قدمها كل من كولي وجورج ميد ركزت على الاتصال الإنساني والتفاعل الشخصي، حيث لم تكن قد بدأت الرؤى والأفكار الخاصة بنظريات الإعلام في الظهور. ولذلك فإنها لم تتعرض للعلاقة بوسائل الإعلام وإن كانت قد وضعت جذور الأفكار الخاصة برؤية الأفراد للغير من خلال الاتصال ووسائله. وتأثير ذلك على التفاعل الاجتماعي والاتصال الإنساني الذي يتم من خلال المعاني التي يبنيها كل فرد عن الآخرين والبيئة المحيطة به من خلال عمليات التفاعل الاجتماعي.
وقد تناولت أدبيات الإعلام بعد ذلك هذه الأفكار من مداخل مختلفة، وظهرت في كتابات معظم أدبيات نظريات الإعلام إن لم تكن كلها.
والواقع أن الإعلام يغرس قناعات حول العالم الواقعي ويؤثر في السلوكيات من خلال تحديد وتضخيم وتبديل وتكريس معان حول العالم موجودة في اللغة، وتؤثر هذه التغيرات في المعاني على الأجوبة التي يعطيها المرء للأشياء والمشكلات المعنونة بصورة معينة.
إن سلوك قطاعات الجمهور الإعلامي المختلفة يمكن أن يتأثر دون أن تكون هناك نية مسبقة، وهذا يعني أن أولئك الذين يجمعون ويكتبون ويوزعون الأخبار لا يفعلون ذلك وفي أذهانهم مخطط لخلق تمثلات عقلية أو لتنظيم أجندة المتلقي الشخصية. إلا أن ثمة عناصر تدعم اعتبار إستراتيجية بناء المعنى وسيلة للتأثير عمدا على السلوك، ويفترض أن تكون المعلومات التي تعممها وسائل الإعلام وسيلة قادرة كغيرها على إحداث تبديل في المعاني التي ينسب الناس إليها أشياء ومنتجات وأسباب وموضوعات معينة.
ومن الواضح أن وسائل الاتصال الجماهيرية تمارس دورا مهما في المجتمعات الحديثة، فهي تقدم تفسيرات للواقع بالكلمة والصورة والحركة واللون وتضفي على من يتلقون الرسالة الإعلامية صبغة ذاتية. ويبني الأفراد معاني مشتركة للواقع المادي والاجتماعي من خلال ما يقرأونه أو يسمعونه أو يشاهدونه، ومن ثم فإن سلوكهم الشخصي والاجتماعي يمكن أن يتحدد جزئيا من خلال التفسيرات التي تقدمها وسائل الإعلام للأحداث الاجتماعية والقضايا التي لا توجد مصادر معلومات بديلة عنها. ويعد هذا أحد أعقد النماذج المستخدمة في بحوث الاتصال، وهو ضروري لفهم التأثيرات غير المباشرة وبعيدة المدى لوسائل الإعلام سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أم المجتمعات.
ومن الجهود الملحوظة من باحثي الاتصال في تطبيق فكرة التفاعلية الرمزية، تلك التي قام بها خوليس ودينيس ألكسندر الذين أقاموا تحليلهم على أساس تعريف الاتصال بأنه "السلوك الرمزي الناتج عن المشاركة في المعاني والقيم بمستويات مختلفة بين الناس." وقد قدموا ثلاثة فروض أساسية عن الاتصال والتفاعل الرمزي:
1- تفسيرات الناس وإدراكهم للبيئة تعتمد على الاتصال، وبمعنى آخر فإن ما نعرفه عن عالمنا يرتبط أساسا بخبراتنا الاتصالية في هذا العالم.
2- يتأثر الاتصال ويؤثر في تحديد الذات والدور والمركز، وهذه المفاهيم هي التي تنشئ التوقعات عن البيئة وما حولها. وهذا يعني أن تباين استخدامنا للاتصال في مواقف مختلفة ذو علاقة بإدراكنا لأنفسنا والآخرين في هذه المواقف، وهذا يشير إلى التعليم الثقافي والتوقع لسلوك الآخرين.
3- يشمل الاتصال عمليات تفاعل معقدة، فهو يشمل الفعل والاعتماد المتبادل والـتأثير المتبادل، المعاني، العلاقات، بالإضافة إلى العوامل المرتبطة بالمواقف.
إن وسائل الإعلام أصبحت هي الوسيلة الأساسية في تقديم هذه المعاني والتفسيرات إلى الناس، خصوصا أن الناس يبنون أفكارهم عن الحقيقة بينما لم يشاهدوها فعلا، ولكنهم يعتمدون على وسائل الإعلام في رسم معالم هذه الأفكار عن الحقائق. وبالتالي فإن الناس يبنون المعاني أو الصور عن الحقائق الاجتماعية أو المادية التي لم يحسوها من خلال التعرض إلى وسائل الإعلام، وهكذا فإن سلوكهم الذاتي واتجاهاتهم تحددها هذه المعاني والتصورات التي ساهمت وسائل الإعلام في تقويمها ورسمها، حيث تعتبر المصدر الأساسي – ويكاد يكون الوحيد – للمعرفة والمعلومات الخاصة بالحقائق والأشياء والأشخاص التي تضمها البيئة المحيطة بهذه القطاعات.
- المقاربة السيميولوجية في دراسة الاتصال الجماهيري
المقاربة السيميولوجية في دراسة الاتصال الجماهيري
تعد المقاربة السيميولوجية، المرتبطة بـ السيميولوجيا، من أبرز المقاربات التي أسهمت في نقل دراسة الاتصال الجماهيري من التركيز على محتوى الرسالة وتأثيرها المباشر إلى تحليل كيفية إنتاج المعنى داخل الرسائل الإعلامية. فهي تنظر إلى وسائل الإعلام ليس بوصفها قنوات لنقل المعلومات فحسب، بل باعتبارها أنظمة رمزية تقوم بترميز الواقع وإعادة بنائه وفق شفرات ثقافية محددة.
1. الأسس البنيوية للمقاربة السيميولوجية
ترتكز هذه المقاربة على التصور البنيوي للعلامة كما صاغه فرديناند دي سوسير، الذي اعتبر اللغة نظاما من العلامات، وحدد العلامة بوصفها علاقة ثنائية بين “الدال” (الصيغة المادية) و”المدلول” (التصور الذهني)، مؤكدًا أن هذه العلاقة اعتباطية وتحكمها الأعراف الاجتماعية . وقد مكّن هذا الطرح من فهم الرسائل الإعلامية كأنساق دلالية تُنتج المعنى عبر علاقات داخلية بين عناصرها، وليس عبر إحالتها المباشرة إلى الواقع.
وفي سياق مواز، قدم تشارلز ساندرز بيرس نموذجًا ثلاثيًا للعلامة، يضم “الممثِّل” و”الموضوع” و”المؤول”، مع تصنيفه الشهير للعلامات إلى أيقونات ومؤشرات ورموز . وقد أتاح هذا التصور توسيع مجال التحليل السيميولوجي ليشمل الصور الفوتوغرافية، والإعلانات، والوسائط السمعية البصرية، التي تشكّل جوهر الاتصال الجماهيري المعاصر.
2. مستويات الدلالة وإنتاج المعنى
شهدت المقاربة السيميولوجية تطورًا نوعيًا مع أعمال رولان بارت، الذي ميز بين مستويين أساسيين للمعنى: الدلالة التعيينية (المباشرة) والدلالة الإيحائية (الثقافية)، مبرزا كيف تتحول الرسائل الإعلامية إلى “أساطير” تعيد إنتاج القيم والإيديولوجيات داخل المجتمع (. فالإعلانات، على سبيل المثال، لا تكتفي بعرض المنتج، بل تربطه بدلالات مثل النجاح، الجمال أو السلطة، مما يجعلها أداة لإعادة إنتاج المعاني الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يصبح تحليل الرسالة الإعلامية عملية تفكيك لطبقات المعنى، حيث يتم الانتقال من المستوى الظاهري إلى المستوى الضمني الذي يعكس البنى الثقافية العميقة. ويؤكد دانيال تشاندلر أن الهدف الأساسي للتحليل السيميولوجي هو الكشف عن الشفرات (Codes) التي تنظّم إنتاج المعنى داخل النصوص الإعلامية.
3. السيميولوجيا والاتصال الجماهيري
تُطبّق المقاربة السيميولوجية في مجال الاتصال الجماهيري على مختلف أشكال الخطاب الإعلامي، مثل:
- الإعلانات
- البرامج التلفزيونية
- الصور الصحفية
- المحتوى الرقمي (مثل الميمات)
وفي هذا الإطار، يرى جون فيسك أن وسائل الإعلام لا تعكس الواقع بشكل محايد، بل تقوم ببنائه من خلال أنظمة دلالية تستند إلى شفرات ثقافية مشتركة بين المنتج والمتلقي . وبالتالي، فإن فهم الرسالة الإعلامية يتطلب معرفة بالسياق الثقافي الذي يمنح العلامات معناها.
كما ترتبط هذه المقاربة بنموذج الترميز/فك الترميز الذي طوره ستيوارت هول، حيث يتم إنتاج الرسائل الإعلامية وفق شفرات معينة (Encoding)، ثم يتم تأويلها من قبل الجمهور بطرق قد تختلف حسب خلفياتهم الاجتماعية والثقافية . وهذا ما يبرز الطابع التفاعلي لعملية الاتصال، حيث لا يكون المتلقي سلبيًا، بل مشاركًا في إنتاج المعنى.
4. البعد الإيديولوجي والثقافي
تظهر المقاربة السيميولوجية أن الرسائل الإعلامية تحمل أبعادا إيديولوجية، حتى وإن بدت محايدة. فاختيار الصور، والزوايا، والألفاظ، والألوان، كلها عناصر تساهم في بناء تمثلات معينة للواقع. وفي هذا السياق، يعد تحليل الخطاب الإعلامي أداة للكشف عن:
- القيم المهيمنة
- الصور النمطية
- علاقات القوة داخل المجتمع
وقد أشار بارت إلى أن “الأسطورة” في الإعلام تعمل على تطبيع (Naturalization) المعاني الثقافية، بحيث تبدو طبيعية وبديهية، رغم كونها بناءات اجتماعية.
- المقاربة السوسيولوجية في دراسة الاتصال الجماهيري
المقاربة السوسيولوجية في دراسة الاتصال الجماهيري
تندرج المقاربة السوسيولوجية ضمن الحقول المعرفية المرتبطة بـ علم الاجتماع، حيث تنظر إلى الاتصال الجماهيري باعتباره ظاهرة اجتماعية مركبة تتجاوز بعدها التقني لتتداخل مع البنى الثقافية والاقتصادية والرمزية للمجتمع. فوسائل الإعلام لا تعمل فقط كقنوات لنقل المعلومات، بل تشكّل فضاءات لإنتاج المعاني وإعادة تشكيل التمثلات الجماعية.
وقد تطورت هذه المقاربة عبر اتجاهين رئيسيين: اتجاه وظيفي يركز على دور الإعلام في تحقيق التماسك الاجتماعي، واتجاه نقدي يبرز علاقات القوة والهيمنة داخل الحقل الإعلامي. ويُعد كل من إميل دوركايم وبيير بورديو من أبرز ممثلي هذين الاتجاهين.
2. مقاربة اميل دوركايم: الإعلام كآلية للاندماج الاجتماعي
2.1 الإعلام بوصفه واقعة اجتماعية
يؤسس إميل دوركايم تحليله على مفهوم “الوقائع الاجتماعية”، التي تتميز بكونها خارجية عن الأفراد وتمارس عليهم قوة إلزامية . وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار وسائل الاتصال الجماهيري مؤسسات اجتماعية تؤدي دورا في تنظيم السلوك الجماعي، من خلال نقل القيم والمعايير السائدة.
2.2 الوظيفة التكاملية للإعلام
يندرج تحليل دوركايم ضمن المنظور الوظيفي، حيث يؤدي الإعلام وظائف أساسية، من بينها:
- تعزيز التضامن الاجتماعي
- نشر القيم المشتركة
- تحقيق التماسك الثقافي
ويرتبط ذلك بمفهوم التضامن الاجتماعي (الميكانيكي والعضوي)، حيث يساهم الإعلام في خلق شعور بالانتماء داخل المجتمعات الحديثة المعقدة.
2.3 التمثلات الجماعية والإعلام
يبرز دور الإعلام في إنتاج ما يسميه دوركايم “التمثلات الجماعية”، وهي أنماط التفكير والمعتقدات المشتركة التي تشكل الوعي الجمعي. فوسائل الإعلام تُعيد إنتاج هذه التمثلات من خلال:
- الأخبار
- البرامج
- الصور الرمزية
وبالتالي، فهي تلعب دورا محوريا في تشكيل إدراك الأفراد للواقع الاجتماعي.
3. مقاربة بياربورديو: الإعلام كحقل للصراع والهيمنة
3.1 مفهوم الحقل الإعلامي
يقدم بيير بورديو تصورا ديناميكيًا للمجتمع يقوم على مفهوم “الحقل”، حيث يعد الإعلام حقلا مستقلا نسبيا يخضع لمنطق خاص، لكنه في الوقت ذاته يتأثر بباقي الحقول (السياسي، الاقتصادي). ويتنافس الفاعلون داخل هذا الحقل على احتكار الشرعية الرمزية .
3.2 أشكال الرأسمال في الإعلام
يميز بورديو بين عدة أنواع من الرأسمال:
- الرأسمال الاقتصادي
- الرأسمال الثقافي
- الرأسمال الاجتماعي
- الرأسمال الرمزي
وتحدد هذه الرساميل موقع الفاعلين داخل الحقل الإعلامي، وقدرتهم على التأثير في إنتاج الخطاب الإعلامي.
3.3 الهيمنة الرمزية
يعد مفهوم “العنف الرمزي” من أهم إسهامات بورديو، حيث يشير إلى قدرة النخب على فرض معاني معينة بطريقة غير مباشرة، تجعلها تبدو طبيعية ومشروعة . وفي هذا السياق، تلعب وسائل الإعلام دورًا مركزيًا في:
- تكريس القيم المهيمنة
- إعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية
- توجيه الرأي العام
3.4 الإعلام وإعادة إنتاج اللامساواة
يرى بورديو أن الإعلام لا يعكس الواقع بشكل محايد، بل يساهم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية، من خلال:
- تفضيل خطاب النخب
- تهميش الفئات الهامشية
- تكريس الصور النمطية
4. نحو مقاربة تركيبية
يمكن النظر إلى المقاربتين(دوركايم وبورديو) باعتبارهما مكملتين:
- دوركايم يبرز وظيفة الإعلام في تحقيق التماسك الاجتماعي
- بورديو يكشف عن أبعاده السلطوية والإيديولوجية
وبالتالي، فإن تحليل الاتصال الجماهيري يتطلب الجمع بين:
- البعد الوظيفي (التكامل الاجتماعي)
- والبعد النقدي (الصراع والهيمنة)
- المقاربة البنيوية