Topic outline

  • مدخل عام لتحليل المحتوى في البيئة التقليدية

    تعريف تحليل المحتوى

    لقد اختلف العديد من الباحثين في النظر إلى تحليل المحتوى أو كما يعرف أيضا بتحليل المضمون. فهناك من يعتبره منهجا من المناهج المستخدمة في العلوم الإنسانية، وهناك من يعتبره مجرد أداة من أدوات جمع البيانات.

    فأداة تحليل المضمون هي وسيلة بحث غير مباشرة تستخدم في معالجة النصوص المكتوبة والأشرطة الصوتية والأفلام المصورة بغض النظر عن الزمن الذي تنتمي إليه. وهي ذات استخدام واسع من طرف الباحثين في العلوم التي تدرس نشاط الإنسان، وحركة المجتمع وسلوك الفرد، لا سيما تلك العلوم التي لها صلة بوسائل الإعلام والاتصال وما تنتجه من مضامين متنوعة، وما تمارسه من تأثيرات مختلفة على جماهيرها.

    إن كلمة "تحليل" تعني تفكيك الشيء إلى مكوناته الأساسية. في حين تشير كلمة "مضمون" إلى ما يحتويه الوعاء اللغوي أو التسجيلي الصوتي أو الفيلمي أو الكلامي أو الإيمائي من معاني مختلفة، يعبر عنها الفرد في نظام معين من الرموز لتوصيلها إلى الآخرين.

    ومن أجل الوصول إلى المعاني المختلفة التي تحملها المواد الإعلامية في أوعيتها المختلفة، لابد من القيام بتفكيك البناء المادي للمادة الإعلامية المدروسة، وهذا وفق خطوات منظمة نتوخى فيها الدقة في العمل من أجل بلوغ هذه الأجزاء المادية كما عبر عنها صاحبها صراحة، ثم الانتقال إلى بحث المعاني التي تحملها هذه الأجزاء. 

    وقد قدم "برلسون" 1948 أول تعريف لتحليل المضمون، فقد عرفه على أنه "تقنية بحث للوصف الموضوعي، المنظم والكمي، لمضمون واضح للرسائل هدفه التفسير."

    ويتم التحليل وفقا لقواعد واضحة ودقيقة تسمح للمحللين المختلفين الذين يعملون على المضمون نفسه بالحصول على النتائج نفسها. ولهذا يجب الاتفاق بين الباحثين على المقولات، المواضيع، الأفكار أو الكلمات التي يستعملونها وكذلك الاتفاق على التعريف الإجرائي لأي مفهوم، ويجب أن يرتب المضمون ويدمج في المفاهيم المختارة وفقا للهدف المتبع. 

    وحسب الأهداف الخاصة بتوظيف تحليل المحتوى يمكن أن نميز بين اتجاهين رئيسيين:

    1-  الاتجاه الوصفي في تحليل المحتوى: وهو الذي يركز أصحابه على وصف المحتوى فقط، ويتم التعامل فيه مع وحدات المحتوى الظاهر فقط دون تجاوز ذلك إلى المعاني الكامنة لهذه الوحدات وعلاقاتها.

    2-  الاتجاه الاستدلالي في تحليل المحتوى: وهو الاتجاه الذي يتجاوز وصف المحتوى الظاهر إلى الكشف عن المعاني الكامنة وقراءة ما بين السطور والاستدلال عن الأبعاد المختلفة لعملية الاتصال. 

    ومن خلال هذا يمكن القول أن الباحثين حددوا نوعين من تحليل المحتوى:

    1-  التحليل الكمي: وهو التحليل القائم على تفسير البيانات تفسيرا كميا بحساب درجة ترددها في أشكالها المختلفة. 

    2-  التحليل الكيفي: وهو التحليل الذي لا يهتم بلغة الأرقام في تفسير المضامين المدروسة، بل يركز على إبراز ما تتميز به الأشياء من خصائص وصفات تميزها عن بعضها البعض. 

    وللقيام بتحليل المضمون لابد من إتباع إجراء منهجي يتكون من خمس مراحل أساسية تتمثل في: اختيار الوثائق، صياغة الفرضيات، تجزئة النص إلى وحدات تحليل (أو اختيار المقولات)، تكميم المواضيع ووصف النتائج.

    ترميز بيانات التحليل:

    والمقصود بترميز بيانات التحليل مجموعة الخطوات التي يتم من خلالها تحويل الرموز اللغوية في المحتوى المنشور إلى رموز كمية قابلة للعد والقياس.

    وتشمل عملية ترميز البيانات ثلاث خطوات أساسية:

    - تصنيف المحتوى إلى فئات حسب أهداف الدراسة.

    تحديد الوحدات التي يتم عدها أو قياسها مباشرة لتحقيق أهداف الدراسة، ويطلق عليها وحدات التحليل.

    - تصميم استمارة التحليل التي يتم بواسطتها جمع بيانات التحليل، أو بمفهوم التحليل تسجيل الفئات ووحدات التحليل التي يتم عدها أو قياسها.

    بناء فئات تحليل المحتوى:

    أثناء تحليل المحتوى نقوم بإعداد "فئات تحليل المحتوى" للتمكن من جمع معطيات دالة بالنسبة إلى مشكلة البحث والمتواجدة في وثائق. إن فترة اختيار الفئات مهمة جدا قبل تناول الدراسة الشاملة للوثائق، فينبغي أن تكون الفئات محددة بدقة إلى درجة أننا ننتبه بسهولة إلى وجودها في الوثائق المصنفة والتي تم جردها.

    وتتطلب عملية تحديد الفئات توافر عدة شروط حتى يتحقق لها الصدق المنهجي:

    -  تحقيق استقلال الفئات.

    -  أن يكون نظام الفئات شاملا.

    - كفاية أو ملاءمة نظام الفئات لأهداف الدراسة.

    . ويتم تقسيم هذه الفئات من حيث اتجاهها إلى قسمين رئيسيين:

    الأول: يمثل مجموعة الفئات التي تصف المعاني والأفكار التي تظهر في المحتوى، وهي الفئات التي تهتم بالإجابة عن السؤال "ماذا قيل؟"

    الثاني: يمثل مجموعة الفئات التي تصف كيفية أو أسلوب تقديم أو عرض المحتوى، وتهتم بالإجابة عن السؤال "كيف قيل؟"

    فئات المجموعة الأولى:

    فئة الموضوع:  وهذه الفئة تستهدف الإجابة على السؤال عما يدور محتوى الوسيلة الإعلامية.

    - فئة الاتجاه: ويقصد به كل موقف من مواقف مؤلف أو مؤلفي الوثيقة بالنسبة إلى المواضيع هل هو مؤيد، غير مؤيد، لا يرى فرقا؟

    فئة القيم: وهي القيم التي تحملها الوثيقة إما بصفة واضحة، أي أننا نتحدث بكل صراحة عن المنافسة، السعادة، النجاح،...أو بصفة ضمنية، بمعنى أن القيم غير معبر عنها بشكل واضح وظاهر.

    فئة الفاعل أو شخصيات الاتصال: وفيها يتم الاطلاع على خصائصهم الاجتماعية، السن، الجنس، الديانة، الأصل العرقي، التمدرس، مجموعة الانتماء، الأصل الاجتماعي،...

    - فئة المرجع أو المصدر: أي ما يميز مصدر تواجد الاتصالٍ، بمعنى من أين تأتي الوثيقة.

    - فئة منشأ الحدث أو المعلومات: ويستخدم فيها التصنيف الجغرافي، وهي تجيب عن الأسئلة الخاصة بتحديد مراكز اهتمام المحتوى بالأماكن أو الأقاليم، أو المناطق الجغرافية في العالم.

    فئة الجمهور المستهدف: حيث تفيد هذه الفئة في الكشف عن الجماعات التي يوجه إليها المحتوى أو المادة الإعلامية.

    فئات المجموعة الثانية:

    وهي الفئات التي يتم من خلالها وصف أسلوب العرض أو النشر وكذلك الإقناع. ومن هذه الفئات:

    - فئة شكل النشر أو نمط المادة الإعلامية: هذه الفئة تقوم على التفرقة بين الأشكال المختلفة التي تقدم بها المواد الإعلامية في وسائل الإعلام المختلفة.

    فئة وسيلة الإقناع: وترتبط هذه الفئة أيضا بالفئات السابقة من حيث كونها وسائل يستهدف بها المصدر أو المرسل استمالة أكبر عدد من القراء أو المستمعين أو المشاهدين، وإقناعهم بالأفكار التي يتبناها في المحتوى الإعلامي.

    فئة اللغة المستخدمة: وهي من الفئات المهمة في تحليل المضمون نظرا لما يترتب عليها من نتائج مرتبطة بمدى فهم الرسالة الإعلامية واستيعابها من جانب الجمهور المستقبل.

    - فئة وسائل إبراز المضامين: ويقصد به العناصر الإخراجية المتنوعة التي يتم توظيفها لإبراز مضامين معينة أو على العكس التقليل من أهميتها.

    تحديد وحدات التحليل:

    يقوم تحليل المحتوى على تقطيع النص إلى وحدات تستخدم في قياس مدى تردد الموضوع محل التحليل. وهي تعرف لدى الباحثين بوحدات العد والتسجيل كونها تستخدم في الحساب التكراري لمدى ظهور البيانات في الموضوع المعالج، وتتمثل في:

    -وحدة الكلمة: وهي الجزء الأصغر في اللغة المكتوبة أو في اللفظ المنطوق.

    -وحدة الموضوع أو الفكرة: وتستخدم كوحدة في قياس الموضوعات، وكوحدة في حساب الأفكار الخاصة بالأسباب والدوافع والآراء والتصرفات والقيم والاعتقادات

     والاتجاهات...

    - وحدة المساحة والزمن: وهي المقاييس المادية التي يستخدمها الباحث في حساب المضامين الصحفية فوق صفحات الجرائد والمجلات، أو الوقت الذي يستغرقه بث برنامج معين.

    وحدة الشخصية: حيث يسهل وضع توصيف للشخصيات التي يتناولها الكتاب في أعمالهم أو الأفكار المرتبطة بها، وكذلك وصف وتحديد الصورة الذهنية عن الأفراد والمجتمعات.

    -وحدة مفردات النشر والإذاعة: وهي الأشكال التي تستخدمها الصحف في نقل المعاني والأفكار، مثل المقالات، التحقيقات، الأحاديث...أو البرامج الإخبارية أو الحوارية أو اللقاءات والدراما وغيرها من الأشكال التي يستخدمها الراديو أو التلفزيون في عرض المحتوى.

    صدق وثبات تحليل المضمون:

    لابد من إجراء اختبارات الصدق والثبات على أداة البحث بعد مراحل تصميمها وقبل الإجراء الفعلي للدراسة، أي قبل استخدام استمارة تحليل محتويات النصوص الإعلامية وفقا للفئات الواردة في الاستمارة.

    الصدق: ونعني به قدرة أداة البحث على جمع المعلومات اللازمة للوفاء بمشكلة البحث وتحقيق الفروض والإجابة على التساؤلات. وهناك عدة مجالات يمكن أن تستخدم في تحقيق عامل الصدق وتتمثل في:

    1-  التأكد من أن استمارة تحليل المضمون تضم مجموعة من المحاور الموضوعية المتكاملة المعبرة عن أهداف الدراسة.

    2-  تعريف فئات تحليل المضمون تعريفا دقيقا يراعي فض التداخل فيما بينها، وشمولها وتعبيرها عن كافة أهداف الدراسة.

    3-   التعريف الدقيق للمفاهيم والمتغيرات المستخدمة في استمارة تحليل المضمون.

    4- يتم التأكد من كل ما سبق أي مدى صدق استمارة تحليل المضمون من خلال عرضها على مجموعة من الأساتذة والخبراء في مجال الدراسة.

    الثبات: ونعني بالثبات تحقيق درجة عالية من الاتفاق والدقة في مجال تحليل المضمون من خلال عملية استخراج مادة المحتوى ووضعها تحت فئات القضايا الرئيسية والفرعية الموجودة في استمارة تحليل المضمون. ويتم إجراء الثبات عبر عدد من المعادلات التي تقيس ثبات استمارة تحليل المضمون، ولعل أبسط هذه المعادلات ما يعرف بمعامل "هولستي".






    • تحليل المحتوى في البيئة الرقمية

      1. مدخل عام

      ·       يعد النص في الوسائط الجديدة أكثر تنوعا وديناميكية مقارنة بالنصوص في الإعلام التقليدي.

      ·       النص الرقمي لا يقتصر على الأخبار والمقالات، بل يشمل:

      o      المدونات (Blogs).

      o      منشورات مواقع التواصل الاجتماعي (Facebook posts, Tweets, Threads).

      o      التعليقات (Comments).

      o      الأخبار الإلكترونية.

      ·       يختلف النص الرقمي عن النص التقليدي في كونه تفاعليا، قصيرا وسريع الانتشار، قابلا للتحليل الآلي.

      .2خصائص النص الرقمي

      1.   التفاعلية: الجمهور لا يقرأ فقط بل يشارك بالرأي (تعليقات، ردود، إعادة نشر).

      2.   الاختصار والرمزية: استعمال الإيموجي، الهاشتاغ، الاختصارات.

      3.   التعدد الوسائطي: النص غالبًا مرفق بصورة، فيديو أو رابط.

      4.   القابلية للتحليل الكمي والكيفي عبر أدوات رقمية (Text Mining, NLP).

      5.   التأثير الخوارزمي: ظهور النصوص وانتشارها يخضع لخوارزميات المنصات.

      6.   التشظي والتعدد: النصوص قصيرة (تغريدة) أو مطوّلة (مدونة)؛ فردية أو جماعية.

      7.   قابلية التتبع والأرشفة: يمكن أرشفة النصوص الرقمية وتحليلها على المدى الطويل.

      3. أدوات وطرق تحليل المحتوى النصي

      1.   التحليل الكيفي (Qualitative Content Analysis):

      o      تحديد الموضوعات (Themes).

      o      استخراج الدلالات والمعاني.

      o      دراسة اللغة والرموز.

      2.   التحليل الكمي (Quantitative Content Analysis):

      o      إحصاء الكلمات والعبارات.

      o      قياس التكرارات والأنماط.

      o      دراسة تفاعل الجمهور (عدد التعليقات، المشاركات).

      3.   التحليل الشبكي: فهم العلاقات بين المستخدمين والنصوص (retweets, shares).

      .3الأدوات الرقمية :

      o      NVivo, MAXQDA للتحليل الكيفي

      o       Python Text Mining للاستخراج الآلي للبيانات.

      o      R للتحليل الإحصائي.

      4.التحديات

      ·       ضخامة البيانات (Big Data).

      ·       التعدد اللغوي )لغة فصحى، عاميات، لغة هجينة(

      ·       صعوبة التحقق من المصداقية )الأخبار الزائفة، البوتات(

      ·       الإشكاليات الأخلاقية في جمع بيانات الجمهور.

      ·       التحيز الخوارزمي: الخوارزميات تتحكم في أي نصوص تعرض أو تخفى.

       

       

       


      • التحليل السيميولوجي للخطاب البصري

        1-تعريف الصورة

        كلمة صورة image مشتقة من الأصل اللاتيني imago، أما مصدرها السيميولوجي فيأتي من اللفظة imatari التي تعني التماثل مع الواقع وبهذا يصبح مصطلح الصورة يعني سيميولوجيا كل تصوير تمثيلي يرتبط مباشرة بالمرجع الممثل بعلاقة التشابه المظهري، أو بمعنى أوسع كل تقليد تحاكيه الرؤية في بعدين (رسم، صورة (أو في ثلاثة أبعاد في حالة النقش أو التماثيل.

        كما تعرف الصورة بأنها كل تقليد تمثيلي مجسد أو تعبير بصري معاد، وهي معطى حسي للعضو البصري، حسب فولشينيوني (Fulchignoni) أي إدراك مباشر للعالم الخارجي في مظهره المضيء.

        إن الصورة بصفة عامة، تصور لغوي وعقلي وذهني وخيالي وحسي وبصري، قد تنقل العالم الواقعي أو تتجاوزه نحو عوالم خيالية وافتراضية أخرى، لكن أهم ما في الصورة هو طبيعتها اللغوية والفنية والجمالية

        الخاصة وارتباطها بمتخيلات غنية وثرية. كما أن للصورة " الخطاب " آليات تعبيرية قد تتجاوز الصور الشعرية إلى صور نثرية وسردية ودرامية موسعة وبصرية تشكيلية، تجعل من مبحث الخطاب " الصورة " عالما منفتحا وخاصا، يمكن استكشافها واستجلاؤها عبر السياق السيميائي الدلالي.

        2-الرسالة البصرية وإنتاج المعنى

        إنّ اللغة البصرية التي يتم عبرها توليد مجمل الدلالات داخل الصورة هي لغة بالغة التركيب والتنوع وتستند من أجل بناء نصوصها إلى مكونين:

        - البعد العلاماتي الأيقوني

        - البعد العلاماتي التشكيلي

        فالرسالة البصرية تستند من أجل إنتاج معانيها، إلى المعطيات التي يوفرها التمثيل الأيقوني كإنتاج بصري لموجودات طبيعية تامة) وجوه، أجسام، حيوانات، أشياء من الطبيعة...الخ(، وتستند من جهة ثانية إلى معطيات من طبيعة أخرى، أي إلى عناصر ليست لا من الطبيعة ولا من الكائنات التي تؤثث هذه الطبيعة. ويتعلق الأمر بما يطلق عليه التمثيل التشكيلي للحالات الإنسانية، أي العلامة التشكيلية: الأشكال والخطوط والألوان والتركيب.

        إن البعد التضميني والدلالي للصورة هي نتاج تركيب يجمع بين ما ينتمي إلى البعد الأيقوني وبين ما ينتمي إلى البعد التشكيلي مجسدا في أشكال من صنع الإنسان وتصرفه في العناصر الطبيعية بتراكمية ثقافية من تجارب أودعها أثاثه، وثيابه، ومعماره، وألوانه، وأشكاله، وخطوطه. وتعد الصورة من هذه االزاوية ملفوظا بصريا مركبا ينتج دلالاته استنادا إلى التفاعل القائم بين مستويين مختلفين في الطبيعة، لكنهما متكاملان في الوجود.

        من هذا المنطلق، يمكن طرح قضية الدلالة والتدليل في الرسالة البصرية، وكيفية تحول المرجع الفوتوغرافي من الحياد والصمت إلى علامة، وإلى نص لا ينفلت من لعبة المعنى. وهو الطرح الذي يستدعي مستويين اثنين على الأقل في قراءة الرسالة البصرية.

        - المستوى الأول : هو الداخل الأيقوني

        - المستوى الثاني : هو الخارج الأيقوني

        إنّ رصد هذين المستويين في علاقتهما الجدلية والمتداخلة يقود إلى تحديد وجهة نظر الفاعل الفوتوغرافي، ورؤيته للعالم، وهي الرؤية التي تعين مسار الصورة، إطارها، ومواضيعها، إيقاعاتها وألوانها، بكلمة واحدة: طريقة تمثيلها.

        3-مقاربات تحليل الصورة

        3-1-مقاربة "رولان بارث" لتحليل الصورة

        استوحى "بارث" مقاربته من علم اللسان والتحليل النفسي والأنتروبولوجيا الحديثة وقد انطلق في دراسته من فكرة العلاقة بين الدال والمدلول وبين الدليل والمرجع، فخرج بمستويين التعييني والتضميني وجمعهما في الرسالتين الأيقونتين، ثم أضاف رسالة ثالثة سماها الرسالة الألسنية.

        بالتالي يقسم التحليل السيميولوجي للصورة حسب هذا الباحث إلى ثلاث مستويات:

        3-1-1-المستوى الأيقوني التعييني أو الإدراكي (Dénotation) :

        نعني به القراءة الأولية السطحية للرسالة ومن خلال هذه ا القراءة يطرح المحلل سؤال ماذا أرى؟ وهو ما يقابل الدال عند "دي سوسير". يتضمن هذا المستوى عدة خطوات إجرائية نذكرها فيما يلي:

        -الدراسة المورفولوجية: وهي السيرورة الدلالية لبناء الصورة هكلها، خطوطها، محاورها التركيبية.

        -الدراسة الفوتوغرافية: وهو المجال الذي يتم فيه مساءلة العناصر الفنية المتعلقة بالتأطير، اختيار الزوايا وما يقابلها من جانب المتلقي من حركة العين ووضع المركز البصري بالإضافة إلى الجدلية الفوتوغرافية (الظل / الضوء).

        -الدراسة التبوغرافية: ويتم فيها تحليل الإرسالية اللسانية من حيت طريقة كتابتها) حجم البنط -قياس السطر -طراز الحرف (طريقة وضعها والمسا حة المخصصة لها.

        -دراسة الألوان: يتم تحليل قوة الألوان المستعملة، طبيعتها ومدى طغيانها أو العكس.

        -دراسة الشخصيات: أي تحديد الأشخاص في الصورة، سنهم، جنسهم، ملابسهم.

         ويندرج هذا المحور الدراسي العام أي الدراسة الشكلية بخطواتها الإجرا ئية فيما يعرف سيميا ئيا بتحديد طبيعة الدليل. وهي عند "رولان بارث" تسمى التعيين وتعني الدلالة الأولى.

        3-1-2-المستوى التضميني (Connotation) :

        يعتمد التحليل التضميني على االقراءة المعمقة للمعطيات التعيينية المكونة للرسالة البصرية من خلال طرح سؤال لماذا؟ أي لماذا قدمت هذه المعطيات بهذه الطريقة، وكذلك محاولة الربط بينها من خلال البحث عن العلاقات التي تجمعها ببعضها البعض.

        كما يعتمد هذا المستوى من التحليل على الثقافة الخاصة بالمتلقي والقدرة على قراءة ما وراء الصورة من خلال الكشف عن الدلالات والقيم الرمزية الثقافية التي تحملها هذه الرسالة البصرية. بالتالي يناشد هذا المستوى الخبرة الذاتية للفاعل، ويشير إلى القيم الثقافية الخاصة بمفكك الشفرة. ويتضمن الخطوات الإجرا ئية التالية:

        أ-دراسة الأبعاد السيكولوجية للصورة مل خلال:

        - تحليل المعطيات الفوتويرافية كالتأطير، اختيار الزوايا، الإضاءة.

         -تحليل وتفسير الأبعاد التبوغرافية) لماذا اختير هذا البنط او ذاك النوع من الكتابة؟ (.

         -تحليل سيكولوجي للألوان ولإيحاءاتها المختلفة.

        ب -دراسة التضمينات الإجتماعية والثقافية للصورة مل خلال:

         -تحليل المدونات التعينية.

         -تحليل مدونة الحركات والإشارات.

         -تحليل مدونة الوضعيات.

         -تحليل سوسيوثقافي الألوان.

        3-1-3-الدراسة(الرسالة) الألسنية: وهو المحور الذي يتم فيه دراسة علاقة الجانب الألسني بالجانب الأيقوني) الصورة (من خلال وظيفتي الترسيخ والمناوبة.

        أ-وظيفة الترسيخ "الإرساء ancrage": ذلك أن الصورة تتسم بالتعدد الدلالي أي تقدم للمتلقي عددا

        كبيرا مل المدلولات لا ينتفي إلا بعضها ويهمل البعض الآخر، ومل ثمة فإن النص اللفظي يوجه إدراك

        المتلقي ويقود قراءته للصورة، بحيث لا يتجاوز حدودا في التأويل.  فالنص اللغوي إذ يمارس سلطة على الصورة مادام يتحكم في قراءتها أو يكبح جما حها الدلالي، إنه يقوده نحو معنى منتقى مسبقا.

        ب-وظيفة المناوبة) الربط التدعيم): وتكون حين يقوم النص بإضافة دلالات جديدة للصورة، بحيت أن مدلولاتها تتكامل وتنصهر في إطار واحد.

        3-2-مقاربة "مارتين جولي" لتحليل الصورة

        ترى "مارتين جولي" أن الأنساق البصرية تتميز ببناء محكم تتضافر فيه مختلف مكوناته التعبيرية لتبليغ رسالة محددة، وهناك بعض العناصر التي تتوفر في نسق وتغيب في آخر، إلاّ أن هناك عناصر مشتركة في كل نسق بصري وتشمل علامات أيقونية وعلامات تشكيلية.

        تعتمد العلامات الأيقونية على مبدأ التشابه بيد الدّال والمدلول، وتشكل مكونا أساسيا من مكونات الأنساق البصرية، ليس باعتبارها عاملا مساعدا على استنساخ الواقع وتقديمه فقط، بل لما تضمره من أبعاد إيحائية عديدة ومتشعبة، حيث أن الصورة تحاول أن تقول دائما أكثر مما تعرضه بالدرجة الأولى، كما أن تأويل الأيقونات في الرسالة البصرية يتم على أساس إجراءات إيحائية متعددة، مؤسسة على مؤثرات مختلفة تتوزع بين الاستعمالات السوسيوثقافية للصورة، وأشكال وطرق عرضها على المشاهد. أما العلامات التشكيلية تتمثل في مجمل العناصر التشكيلية المضافة للعلامات الأيقونية والمساهمة في تشكيل النسق البصري لاسيما الصورة،  فهي ليست مواد تكميلية للعلامة الأيقونية فقط، بل تسهم في تحديد مضمون الرسالة، حيث أن كل عنصر له مساهمة في توجيه المشاهد نحو قراءة محددة.

        ترتكز "مارتين جولي" في تحليلها على تقاطع ثلاث أنواع من المستويات المتباينة شكليا والمتكاملة نسقيا وهي:

        1-المستوى الشكلي: يتكون هذا المستوى من مختلف عناصر الصورة الشكلية والتصويرية، أي كل ما ينتمي إلى الألوان، الأشكال، التكوين الداخلي، الإطار، الدعامة، التأطير، زاوية التقاط الصورة، الإضاءة وكل ما

        يدخل في نسيج العلامات، وهذا المستوى يبقى خاصا بالإدراك الحسي للرسالة البصرية.

        2-المستوى الأيقوني: يتعلق هذا المستوى بكل أنظمة الدلائل الأيقونية التي تقود إلى استحضار معارف أصلية مكتسبة، ثقافية مجردة، ولا يمكن فصلها عن مكونات تشكيل الصورة وعما تشير إليه ضمنيا بأبعاد إيحائية عديدة ومتفرعة، غالبا ما تتجاوز نطاق المماثلة المادية للموضوع المنقول. وتقترح "مارتين جولي" في هذا المستوى التطرق إلى الموضوعات المصورة مع وصف دقيق لأجزائها الحاضرة والغائبة وما تحمله من أبعاد تعبيرية محددة في السياق السوسيوثقافي.

        وفي هذا المستوى تتحدث "جولي" عن العلامة التي تأخذ البعد الإزدواجي بين الشكلي والأيقوني باعتبارها علاقة تفاعلية محددة لإنتاج الدلالة الكيفية للصورة المرئية، وهي في نواتها دائرية تمر من الشكلي، وصولا إلى الأيقوني أو العكس، ويمكن الاقرار أن هذا المستوى يعبر عن تأويل الوضعيات والتمثلات بواسطة العملية الإيحائية.

        3-المستوى الألسني: لقد لاحظت الباحثة أن الد راسة اللغوية تساعد في إنتاج الدلالة والبلاغة دراسة مهمة، ولا يمكن الاستغناء عنها، ولذلك، فهي تشترك مع "بارث" في مسألة حضور اللغة في الصورة، وفي أشكال التواصل الأخرى، لأن دورها الجوهري يتجاوز بذلك عناصر التلفظ لتقوم بوظيفتي الإرساء والترسيخ.