Topic outline

  • تمهيد مع مفهوم النظرية

    الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

    وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

    جامعة ام البواقي

    كلية العلوم الاجتماعية والانسانية

    قسم العلوم الانسانية

     

    محاضرات السداسي الاول في مقياس / نظريات الاتصال الجماهيري/ مستوى الاولى ماستر/ تخصص اتصال جماهيري ووسائط جديدة/ للسنة الجامعية 2024-2025.

     

    تمهيد:

        إن تطور وسائل الاتصال بالشكل الذي نراه اليوم أدى إلى نشوء ظاهرة الاتصال الجماهيري، وأصبحت هذه الظاهرة محط أنظار نخبة من الدارسين تعكس اهتمامهم بهذه الوسائل وبآثارها الاجتماعية، يعني يعني الاتصال الجماهيري ذلك النمط من الاتصال الذي يتم بين أكثر من شخصين لإتمام العملية الاتصالية، والتي غالبا ما تقوم بها المؤسسات أو الهيئات عن طريق رسائل جماهيرية.

        الاتصال الجماهيري هو اتصال منظم ومدروس يقوم على أساس إرسال رسالة علنية وعامة إلى جمهور عريض متباين الاتجاهات والمستويات غير معروف للقائم بالاتصال، باستخدام وسائل الاتصال الجماهيرية (صحف ومجلات وإذاعات ومحطات تلفزيونية وشبكات الانترنت والفضائيات ودور النشر الكبيرة وغيرها.

        ويتميز الاتصال الجماهيري بقدرته على توصيل الرسائل إلى عدد كبير من الجمهور، في اللحظة نفسها وبسرعة مدهشة، مع مقدرة على خلق رأي عام، وعلى تنمية اتجاهات وأنماط من السلوك غير موجودة أصلا، والمقدرة على نقل المعارف والمعلومات.

      عملية الاتصال الجماهيري عملية منظمة ومعقدة ويزيد من صعوبتها ارتباطها المباشر بالسياسة، ويشير مصطلح الاتصال الجماهيري، بوجه عام، إلى كل الوسائل غير الشخصية للاتصال، التي عن طريقها تُنقل المعلومات بصورة سمعية أو بصرية، أو كلاهما معا للجماهير. وتشمل وسائل الاتصال الجماهيري: (التليفزيون والراديو والصحف والمجلات والكتب) وغير ذلك، إن المصطلح يتضمن جانبين: أولهما الوسائل الفنية للاتصال والنقل، والثاني الجمهور الكبير والواسع .

        ان الاتصال الجماهيري هو الطرق والوسائل  (كالجرائد والراديو... إلخ)، التي يمكن بها إيصال فكرة أو رأي إلى عدد كبير من الأفراد المستقبلين والمنتشرين في أماكن بعيدة ومتفرقة، ولكل وسيلة من وسائله استخداماتها، ولكل منها مزاياها الخاصة، وكل وسيلة تختلف عن الأخرى فيما يتعلق بالجمهور، سواء الذي تخاطبه أو تحمل إليه نوعاً ـ فالتلفزيون يلائم الجمهور المتعلم وغير المتعلم، لأنه يجمع بين الكلمة والصورة، فضلا عن كون الجمهور يستخدم أكثر من وسيلة.

          إن الاتصال بالجماهير عملية يتم بوساطتها الاتصال بجمهور، أو بغالبية المجتمع الكلي أو جمع كبير منه، يمكن أن يكون اتصالا مباشرا أو غير مباشر(، يهدف إلى إحداث تغيير في استجابته السلوكية ً الظاهرة أو غير الظاهرة، إن الاتصال الجماهيري يتحقق عبر وسيلة توزع على جمهور واسع، ولكن لا تتحقق فيه عملية التغذية الرجعية (أو رجع الصدى) إلا بشكل قليل جدا، وللتغلب على انخفاض رجع الصدى يكون اللجوء إلى استطلاعات الرأي العام هو الحل الأمثل.

    مفهوم النظرية:

           يوجد لها عدد من المعاني المختلفة باختلاف الفرع الذي تُستخدم فيه هذه الكلمة، وبشكل عام تكون النظرية نوع من التفسير لشرح كيفية حدوث ظاهرة طبيعية، بشرط تحقق حدوث هذه الظاهرة وعدم وجود نزاع في حدوثها، عادة ما تكون  شارحة لآلية حدوث هذه الظواهر وتكون بشكل عام عرضة للصواب والخطأ، وتزداد صحة عندما تقدم تنبؤات بشأن ظواهر غير مثبتة بعد، ثم تأتي الأرصاد والتجارب بإثباتها. 

    هي ايضا مجموعة من الفرضيات، التجارب والحقائق التي يتم استخدامها لتحقيق الإدراك الذهني عبر تفسير الظواهر المختلفة، تستخدم لفهم العلاقات بين مسببات الأمور وتأثيراتها على المحيط،  إذ تشكّل النظريات أساساً للتفكير العلمي، الخاص بمحاولة شرح الأشياء المثبتة عبر عدد من المبادئ الأساسيّة، وتتفرع النظريات لعدّة فروع تبعاً للمجال الذي يتم البحث فيه، ومن إحدى أكثر الأنواع شيوعاً، النظريات العلميّة، التي تبدأ عادةً بفرضيات، والتي تُعنى بشكل رئيسي بالمهنج العلمي، حيث يمكن توضيحها بأنها إطار توضع فيه الفرضيات والحقائق المثبتة والطريقة التي يتم تفسيرها بها، إذ لابد من استناد النظريات لفحص دقيق للحقائق التي تمت ملاحظتها من قبل العلماء، وتتكوّن النظريّة الجيّدة من عدد لابأس به من الفرضيات التي يمكن تطبيقها بشكل مستقل.


    • ظهور وتطور نظريات الاتصال الجماهيري

      ظهور وتطور نظريات الاتصال:

            تطورت نظريات الاتصال عبر التاريخ الإنساني مع المحاولات التي بذلها الباحثون لدراسة وتحليل عملية الاتصال ووصف أبعادها وعناصر تكونها، ودورها في تطوير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ونتيجة لتلك الأبحاث ظهرت نظريات ونماذج للاتصال الجماهيري من بينها: (نموذج ديفيد برلو، واشتمل على: مرسل- ورسالة- ووسيلة اتصال- ومستقبل).
      (ونموذج ولبر شرام عام 1974 وطوره عام 1971، وقدم فيه العناصر الأساسية للاتصال وهي:
       
      المصدر- صاحب الفكرة- وأسلوب التعبير عن الفكرة وتحويلها لرموز وصياغتها بشكل يكوِّن نص الرسالة الإعلامية-  والمستقبل الذي يتلقى الرسالة ويقوم بفك رموزها-  وأخيراً الاستجابة لهدف الرسالة الإعلامية وراجع صداها الذي من المحتمل وصوله أو عدم وصوله للمرسل صاحب الفكرة، واعتمد شرام في نموذجه على أفكار سبق وقدمها الباحثان (شانون وويفر)  حول راجع الصدى والتشويش الحاصل أثناء نقل الرسالة، وأضاف عليها في نموذجه النظام الوظيفي لعملية الاتصال مفاهيم جديدة مثل الإطار الدلالي، والخبرات المشتركة وأهميتها في عملية الاتصال.

           بينما ذكر (ويلز H.G. Wells ) أن “تطور التاريخ الإنساني هو ظاهرة اجتماعية واحدة تدفع الإنسان للاتصال بأخيه الإنسان، في مكان آخر أو مجتمع آخر”، معتبراً أن التطور التاريخي البشري هو قصة رافقت تطور عملية الاتصال، وقسمها إلى مراحل وهي: (الكلام، والكتابة، واختراع الطباعة، ومن ثم المرحلة العالمية، مرحلة الإذاعة والاتصال الإلكتروني)، وفي هذه المرحلة الأخيرة من تطور الاتصال أصبح للوسائل الإلكترونية دوراً مهماً في حياة المجتمعات، واستطاع الإنسان نقل أفكاره ومشاعره ومعلوماته عبر الحواجز الجغرافية باستخدام أجهزة الاستقبال الإذاعية المسموعة والمرئية، لتأتي أخيراً شبكة الإنترنيت العالمية مكملة لما سبق من التطور العلمي والتقني في مجال الاتصال الإنساني.
      ومع ذلك تبقى نظرية (الحتمية التكنولوجية) ل (مارشال ماكلوهين) التي قدمها في أواسط القرن الماضي من أكثر نظريات الاتصال والإعلام انتشاراً ووضوحاً في ربطها بين الرسالة الإعلامية والوسيلة الإعلامية، والتأكيد على أهمية الوسيلة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، واعتبر (ماكلوهان) أن الوسيلة هي الرسالة وأوضح أنه لا يمكن النظر إلى المضامين التي تنشرها وسائل الاتصال الأعلام الجماهيرية بمعزل عن التقنيات التي تستخدمها وسائل الاتصال الأعلام الجماهيرية، لأن التقنيات تؤثر على مضمون الرسائل الموجه للساحة الإعلامية وعلى تشكل الرأي العام.

           واعتقد ماكلوهان أن تاريخ تطور الاتصال الإنساني مر بعدة مراحل وهي:(مرحلة التخاطب الشفهي: أي مرحلة ما قبل اكتشاف حروف الكتابة، ومرحلة ما بعد اكتشاف الكتابة ونسخ الكتب والتي استمرت لنحو ألفي عام، ومرحلة اختراع الطباعة واستمرت من بداية القرن السادس عشر، وحتى نهاية القرن التاسع عشر، ومرحلة عصر وسائل الاتصال والأعلام الإلكترونية التي بدأت في مطلع القرن العشرين ولم تزل مستمرة حتى الآن، وأن تقنيات وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المستخدمة في كل مرحلة من تلك المراحل ساعدت على تشكيل المجتمع أكثر مضامينها الإعلامية.
      وأشار ماكلوهين إلى أن وسائل الاتصال والإعلام الإلكترونية ساعدت على تقليص الزمان والمكان على الكرة الأرضية ووصفها بـالقرية العالمية Global Villageوهي الأرضية التي ولد عليها مصطلح (العولمة) ورافق الاتجاه الجديد للاتصال وتدفق المعلومات عالمياً، باتجاه نحو اللامركزية في الاتصال، وتقديم رسائل متعددة تلائم الأفراد والجماعات الصغيرة المتخصصة، واتخذت هذه اللامركزية مظهرين: (الأول: ويتحكم فيه المرسل.، والثاني: ويتحكم فيه المستقبل عن طريق ربط الحاسبات الإلكترونية لتوفر خدمات متنوعة من الاتصال وتبادل المعلومات بدأ من الصحافة المطبوعة ونقل النصوص المكتوبة، وبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية، والأفلام السينمائية، التي يمكن نقلها عبر مسافات شاسعة وبسرعة فائقة).

               ورأى الباحث (الفن توفلر) أن البنية الإلكترونية الأساسية في الدول المتقدمة اقتصادياً تتميز بسمات تمثل مفاتيح المستقبل وهي: (التفاعلية، وقابلية التحرك، وقابلية التحول، وقابلية الربط، وقابلية الانتشار، والعولمة)، ليفرض الاتصال خلال القرن الحادي والعشرين مبادئ، مثل: (تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال، وتكريس الهيمنة والاندماج من خلال اتجاه وسائل الاتصال الجماهيري إلى التركيز في كيانات ضخمة وملكية مشتركة ومتعددة الجنسية، والتوافق بين التقنيات القديمة والتقنيات الحديثة)، ومع تحول مؤسسات الاتصال والإعلام الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين إلى شبكات ضخمة تتصارع المصالح داخلها، أصبح من الصعب دراسة ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية ودور القائمين بالاتصال فيها، وتحليل الاتصال كوظيفة اجتماعية، ودراسة دور ومركز العاملين في الصحيفة، أي الصحفيين، والظروف والعوامل التي تؤثر على اختيار مضامين الصحف، لأن الأخبار يصنعها الصحفيون، وهنا برزت أهمية دراسة الالتزامات المهنية، والأخلاقية، وطبيعة السيطرة المؤسساتية على عمل الصحفيين.

             وكانت أول دراسة كلاسيكية من هذا النوع الدراسة التي قام بها (روستن) في الولايات المتحدة الأمريكية عام (1937) وتناول فيها مراسلي الواشنطن بوست، وفي عام (1941) نشرت مجلة الصحافة الربع سنوية الصادرة في أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية دراسة مهمة عن العاملين في صحيفة (ميلووكي  MILWAUKEE)، وبعد فترة طويلة ظهرت أبحاث أخرى تناولت القائمين بالاتصال والمؤسسات التي يعملون فيها، ونشر (ديفيد مانج وايت) دراسته عن (حارس البوابة)، واتقاء الأخبار، وكانت دفعة قوية للأبحاث الجارية في هذا المجال.
           وبعدها طورت الأبحاث التي قام بها عالم النفس النمساوي الأصل الأمريكي الجنسية (كرت لوين) نظرية (حارس البوابة الإعلامية.) وذكر (لوين): أنه على طول الرحلة التي تقطعها المادة الإعلامية حتى تصل للجمهور تمر عبر نقاط أو (بوابات) يتم خلالها اتخاذ قرارات حول ما يدخل وما يخرج من تلك البوابات، وكلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى تظهر في وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية، تزداد المواقع التي يصبح فيها متاحاً لسلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت الرسالة ستنتقل بنفس الشكل أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها، ليصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم عملها سلطة التقرير كبيراً في تقرير انتقال المعلومات.

            ومع ذلك بقيت دراسات (حارس البوابة) تجريبية في الواقع وتناولت دراسات منتظمة لسلوك الأفراد الذين يسيطرون في نقاط مختلفة، على مصير النصوص الإخبارية، وأوضحت الدراسات أن (حراس البوابات الإعلامية) هم صحفيون يقومون بتجميع ونقل الأنباء للتأثير على اهتمامات وإدراك الجمهور الإعلام، وخلال خمسينات القرن العشرين أجريت سلسلة من الدراسات ركزت على الجوانب الأساسية لعمل (حارس البوابة) دون الإشارة للمصطلح قدمت تحليلاً وظيفياً لأساليب السيطرة والتحكم والتنظيم وأداء الوظيفة الاجتماعية في غرف إعداد الأخبار، وحللت الإدراك المتناقض لدور ومركز ووضع العاملين بالصحيفة ومصادر حصولهم على الأخبار، والعوامل التي تؤثر على اختيار المحررين للأخبار وطريقة عرضها، وقام بتلك الدراسات مجموعة من الباحثين الأمريكيين أمثال (وارن بريد جاد، وروى كارتر، وستارك، وجيبر، وروبرت جاد، ووايت، وكن مكرورى، وغيرهم).

             وفي عام (1951) نشر الباحث الأمريكي (شارلي ميتشل) دراسته عن غرف إعداد الأخبار والعاملين فيها، ونشر الباحث الأمريكي (سابين) دراسة عن كتّاب الافتتاحات في ولاية أوريجون.
      والباحث الأمريكي (لورنس) دراسة عن المحررين في كنساس.
      ولخص الباحث الأمريكي (ولتر جيبر) في مقالته( الاخبار هي ما يجعلها الصحفيون أخباراً) نتائج الأبحاث الأساسية التي أُجريت على حراس البوابة، وأجرى في عام 1956 دراسة عن محرري الأنباء الخارجية في 16 جريدة يومية بولاية وسكونسن، تستقبل أنباءها من وكالة أنباء أسوشيتدبرس فقط.
                وأظهرت الدراسات التي قام بها( جيبر) أنه إذا كان المحرر يختار عينة مما يصله من أنباء يمكننا أن نقول أنه قد وُفِق في أداء عمله، وأضاف: أنه يمكن عن طريق ملاحظة الأسلوب الذي يختار المحرر بمقتضاه الأنباء لفترة لا تزيد عن أيام قليلة يمكننا أن نتنبأ بما قد يختاره في يوم آخر، وكان الأمر المشترك بين جميع محرري الأنباء، الذين درسهم (جيبر)، الضغوط التي يفرضها الواقع البيروقراطي، وأن العمل في غرفة إعداد الأخبار يعتبر من أقوى العوامل تأثيراً، فمحرر الأنباء الخارجية يعمل دائماً من خلال حساباته للضغوط الميكانيكية في عملة أكثر اهتمامه بالمعاني الاجتماعية لوقع الأخبار، وباختصار كانت ظروف إخراج الصحيفة والروتين البيروقراطي والعلاقات الشخصية داخل غرفة إعداد الأخبار تؤثر على عمل المحرر، ولقد أظهرت دراسات جيبر حقيقتين تبعثان على القلق وهما: الاول أن محرر الأنباء الخارجية في سلوكه الاتصالي كان سلبيا ولا يلعب دورا فعالا كقائم بالاتصال، فهو لا يدرس بشكل نقدي الأنباء التي تصله برقيا، والثاني أن هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن محرر الأنباء الخارجية كصحفي يعمل ملازما لمكتبه، وتختلف دوافعه عن المخبر الذي ينتقل من مكان إلى آخر لكي يجمع الأخبار، وهذا يؤثر بالتالي على ما يختاره المحرر من أنباء، وربما كان محرر الأنباء الخارجية كسولاً، أو قد أصبح كسولاً لأن رؤساءه لا يشجعونه ليكون أكثر نشاطاً.

      وبشكل عام المحرر لا يختار برقياته بشكل يظهر فيها أنه يقيّم ما يقدمه بشكل نقدي
      وثانياً: أن محرر الأنباء الخارجية، كقائم بالاتصال، ليس لديه إدراك حقيقي عن طبيعة جمهوره، ولهذا فهو لا يتصل عملياً بذلك الجمهور.

              وإذا كانت المهمة الأساسية للصحيفة هي تقديم تقرير هادف عن الظروف المحيطة من أجل خدمة القارئ، فيمكن أن نقول أن أداء هذه المهمة كان بالصدفة فقط، لأن الصحيفة لم تعد تدرك أن هدفها الحقيقي هو (خدمة) جمهور معين أو الجمهور بشكل عام، لأن المجموعة التي تقوم بجمع الأخبار، والنظام البيروقراطي كثيراً ما تحدد الأهداف، أو تحدد ما يظهر على صفحات تلك الصحيفة
      واستخلص (جيبر) أنه بدون دراسة القوى الاجتماعية التي تؤثر على عملية جمع الأخبار لا نستطيع أن نفهم حقيقة تلك الأخبار، ومن أعمق الدراسات التي أجريت على القائمين بالاتصال وتأثير القوى الاجتماعية على العاملين في الصحف، كانت الدراسة التي أجراها (وارين بريد) عام (1955) ووجد أنه هناك أدلة تشير إلى وجود عملية تأثير يسيطر أو يهيمن بمقتضاها مضمون الصحف الكبيرة والمحطات الإذاعية المسموعة والمرئية المرموقة على الطريقة التي تعالج بها الصحف الصغيرة الأخبار والموضوعات المهمة، أي أن الكبير يبتلع الصغير كما يقال في عالم الأحياء المائية، ولا شك أن هذا يحرم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من القدرة على التغيير والتنويع وتعدد الآراء الذي يساعد على تكوين رأي عام واعي لما يدور من حوله.

             واستخدم ( بريد) في دراسة أخرى التحليل الوظيفي ليظهر الكيفية التي تحذف بها الصحف الأخبار التي تهدد النظام الاجتماعي والثقافي أو تهاجمه، أو تهدد إيمان القائم بالاتصال بذلك النظام الاجتماعي والثقافي، ويقول( بريد): أن سياسة الناشر هي التي تطبق في العادة في أي صحيفة، بالرغم من مظاهر الموضوعية في اختيار الأخبار، بالإضافة إلى ذلك فالجزاء الذي يناله الإعلامي في الصحيفة مصدره ليس القراء الذين يعتبرون هدفه، ولكن مصدره زملاؤه من العاملين معه ورؤساؤه، لذلك يعيد المحرر في الجريدة تحديد وتشكيل قيمه لتحقق له أكبر منفعة، واستنتج (بريد) من تلك الدراسة: أن الظروف الثقافية التي تحيط بالصحفي في غرفة إعداد الأخبار لا تؤدي إلى نتائج تفي بالاحتياجات الأوسع للديمقراطية، واستخدم الباحث الأمريكي المعروف (سوانسون) أساليب المتابعة المباشرة والاستفسار ليحصل على معلومات عن الخصائص الشخصية ومعتقدات العاملين في صحيفة يومية صغيرة، ودرس( بروس وستلي) أيضاً محرري الأخبار الخارجية في صحف ولاية وسكونسن باستخدام سلّم (قياس القيم) وقارن من خلاله القيم التي يعتنقها أولئك المحررون والتي تؤثر على اختيارهم للأخبار

               وتعتبر دراسة( بروس وستلي ومالكلوم ماكلين) عن القائمين بالاتصال، والتفرقة بين أدوار الاتصال المختلفة، من الدراسات المهمة في هذا المجال، والملاحظ أنه وجد في كل تلك الدراسات عنصر مشترك، تقول بأنها تركز الاهتمام على التفاعل بين الأنماط والأخلاقيات الصحفية المثالية والأساليب الاجتماعية والتنظيمية المقررة في المجتمع الأكبر، في ظروف متنوعة وأوضاع مختلفة، وقدمت تلك الدراسات فوائد كثيرة لوسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية والخبراء لأنها ساعدت على الوصول إلى أحكام أكثر دقة عن العاملين بوسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية في إطار اجتماعي مباشر، وأبرزت الكثير من الأسئلة المهمة التي يجب التوصل إلى إجابات عليها

      وتمر الرسالة الإعلامية في نظرية (حارس البوابة الإعلامية) بمراحل عديدة وهي تنتقل من المصدر حتى تصل إلى المتلقي، بسلسلة مكونة من عدة حلقات، وأبسط أنواع السلاسل هي سلسلة الاتصال المباشر، من فرد إلى فرد آخر، وفي حالة الاتصال الجماهيري تكون هذه السلاسل طويلة ومعقدة جداً، لأن المعلومات التي تدخل شبكة اتصال معقدة مثل الصحيفة، ومحطة الإذاعة المسموعة والمرئية، تمر بالعديد من الحلقات والأنظمة المتصلة، فالحدث الذي يحدث في فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو لبنان مثلاً، يمر بمراحل عديدة قبل أن يصل إلى القارئ في أمريكا أو أوربا أو الشرق الأوسط، ونجد قدر من المعلومات تخرج من بعض الحلقات أو الأنظمة أكثر مما تدخل فيها
      وأطلق عليها( شانون) تسمية ( أجهزة التقوية)، فأجهزة التقوية أي وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تستطيع أن تصنع في نفس الوقت عدداً كبيراً جداً من الرسائل المتطابقة، كنسخ الصحف توصلها للجمهور، وأنه هناك نوعاً من السلاسل كشبكات معينة داخل الأنظمة، لأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية نفسها هي شبكات من الأنظمة المتصلة بطرق معقدة، تقوم بوظيفة فك الرموز والتفسير وتخزين المعلومات، ثم وضعها مرة أخرى في رموز، وهي الوظيفة التي يؤديها كل من القائمين بالاتصال، لأن الفرد الذي يتلقى رسائل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هو جزء من شبكة علاقات معقدو قائمة داخل الجماعة، ويعين واقع المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع أُسلوب عمل الشبكة، ويزداد اعتماد ذلك المجتمع على سلاسل وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية، أما المجتمع البدائي الذي تنخفض فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع فتنتقل فيه غالبية المعلومات عن طريق سلاسل الاتصال الشخصي.

                والجدير بالذكر أن المجتمعات التي تخضع وسائل الاتصال والإعلام فيها للسيطرة الحكومية يشكك الأفراد بصدق ما تنشره تلك الوسائل، لتصبح سلاسل الاتصال الشخصي المباشر من فرد إلى فرد مهمة وطويلة جداًً وتتطور إلى جانب سلاسل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وفي هذه الحالة نجد أن سلاسل الاتصال الشخصي تنقل شائعات وأقاويل ومعلومات متنوعة من فرد إلى فرد، وتقوم بالرقابة على وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية، وتحاول سد نواحي النقص فيها، وفي هذا الصدد أشار الباحث (كرت لوين) إلى أنه في سلاسل الاتصال الشخصي هناك فرد ما في كل حلقة من حلقات سلسلة الاتصال الشخصي يتمتع بحق تقرير ما إذا كانت الرسالة التي تلقاها سينقلها أو لا ينقلها، وأن تصل تلك الرسالة إلى الحلقة التالية بنفس الشكل الذي جاءت به أم أنه سيدخل عليها بعض التغييرات والتعديلات.

             وحارس البوابة الإعلامية يعني السيطرة على مكان استراتيجي في سلسلة الاتصال، بحيث تصبح لحارس البوابة سلطة اتخاذ القرار فيما سيمر وكيف سيمر من خلال بوابته، حتى يصل الخبر في النهاية إلى وسيلة الاتصال الإعلامية الجماهيرية ومنها إلى الجمهور الإعلامي، ويذكر( لوين)  أن المعلومات تمر بمراحل مختلفة حتى تظهر على صفحات وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والإلكترونية، وأطلق( لوين) على هذه المراحل تسمية بوابات، وقال: أن هذه البوابات تقوم بتنظيم كمية من المعلومات التي ستمر من خلالها، وأشار( لوين) إلى مفهوم وظيفة البوابة تعني فهم المؤثرات والعوامل التي تتحكم في القرارات التي يصدرها حارس البوابة، وبمعنى آخر أنه هناك مجموعة من حراس البوابات يقفون في جميع مراحل سلسلة الاتصال التي يتم من خلالها نقل المعلومات، ويتمتع حراس البوابات بحق فتح بوابتهم أمام أي رسالة تأتي إليهم أو إغلاقها، كما أنه من حقهم أجراء تعديلات على الرسالة التي ستمر وعلى سبيل المثال:

      يستطيع أي فرد تقرير ما إذا كان سيكرر أو يردد إشاعة معينة أو لا يرددها، لأن الإشاعات حينما تنتقل من مصدر إلى مصدر تطرأ عليها في الغالب بعض التعديلات وتتلون وفق اهتمامات ومعلومات الفرد الخاصة ومن ثم يقوم بنقلها، وحينما تطول سلسلة الاتصال نجد أن بعض المعلومات التي تخرج في النهاية لا تشبه المعلومات التي دخلت منذ البداية إلا في نواح قليلة، فإذا أخذنا في اعتبارنا أن ما يحدث في سلاسل الاتصال التي تنقل الأخبار حول العالم. وعلى سبيل المثال الخبر المنقول من اليابان أو الهند أو مصر إلى أي مدينة في إحدى الولايات الأمريكية، يمر بمراحل كثيرة وأول حارس بوابة في هذه الحالة هو الفرد الذي لاحظ الحدث وقت وقوعه، ولنفترض أن ما حدث كان كارثة طبيعية وينتقي الفرد من دون شعور وصفاً لأشياء معينة لاحظها دون أشياء أخرى، أي أنه لاحظ أشياء وأغفل أشياء أخرى، ولهذا نراه يتحدث عن نواحي ويهمل نواحي أخرى.

              وبعد حارس البوابة الأول يأتي حارس البوابة الثاني، وقد يكون مخبراً صحفياً حصل على الخبر من شاهد عيان شاهد الحدث عند حدوثه، وقد يتصل الصحفي بأكثر من شاهد عيان لكي يكوّن فكرة كاملة عن الحدث، وفي جميع الحالات، يقوم المخبر بانتقاء واختيار الحقائق التي سينقلها، والحقائق التي سيهملها، ويقرر الجوانب التي سيختارها ويحدد بنفسه مدى أهمية الحدث.
      وبعد ذلك يسلم المخبر الخبر إلى مكتب وكالة الأنباء التي يتبع لها. وفي وكالة الأنباء يقوم محرر آخر باتخاذ قرار معين عن الخبر ويقرر ما إذا كان سيختاره من بين مئات الأنباء لنقله إلى المشتركين في وكالة الأنباء أم أنه سيختصره أو يضيف عليه أو يغيره أو ينقله كما ورد.
      وبعد ذلك يأتي دور محرر الأخبار الخارجية في الصحيفة الذي يتلقى البرقيات، ويقرر مدى أهمية الخبر وبالتالي المساحة التي يجب أن يخصصها له، أي لا بد من اختيار مادة من بين مواد كثيرة وصلت إلى وكالة الأنباء، أو وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لأن الأنباء تصل لهذه الوسائل من عدة مصادر ومن بينها وكالات الأنباء، والمراسلين الصحفيين في جميع أنحاء العالم، ومن الصحف الأخرى، ومن محطات الإذاعة المسموعة والمرئية.

              وحراس البوابة في جميع تلك المراحل يسمحون لنسبة محدودة من آلاف المواد الإعلامية التي تصلهم بالانتقال إلى المراحل التالية، وفي النهاية يختار المحرر في الصحيفة الأخبار التي سينقلها إلى قرائه، وكل قرار يتخذ بتوصيل أو نقل شيء ما، هو قرار فيه كبت وإخفاء لشيء آخر، كنتيجة لعدد من الضغوط الذاتية، ولذا علينا كصحفيين أن نحدد تلك الضغوط ونفهمها كي نفهم الطريقة التي تقوم بها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بأداء عملها الوظيفي المطلوب منها.

              وأشار الباحث الأمريكي مارشال ماكلوهين، إلى أن مضمون الرسائل (المواد) الإعلامية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التكنولوجيا التي تستخدمها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، وطبيعة الجمهور الذي توجه إليه رسائلها الإعلامية، يؤثران على ما تنقله تلك الوسائل، وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي يستخدمها المجتمع أو يضطر إلى استخدامها، تحدد طبيعة المجتمع وكيفية معالجته لمشاكله.
      وأن أي وسيلة إعلامية جديدة تشكل ظروفاً جديدة محيطة تسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظروف معينة، وتؤثر كلها على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها.
      فوسيلة الاتصال والإعلام امتداد للإنسان، فالكاميرة التلفزيونية تمد أعيننا، والميكرفون يمد آذاننا، والحاسبات الإليكترونية (الكمبيوتر) توفر بعض أوجه النشاط التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، وهي مساوية لامتداد الوعي الإنساني.

             ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة، كامتداد لحواس الإنسان توفر للإنسان الزمن والإمكانيات وتشكل تهديداً له لأنه عندما تمتد يد الإنسان وحواسه عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتستطيع هذه الوسائل أن تمد يد المجتمع إليه، كي تستغله وتسيطر عليه.
      ولكي نمنع احتمال التهديد أكد ماكلوهين على أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن ماهية وأداء وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لأنه بمعرفة كيفية تشكيل التكنولوجيا الحديثة للبيئة المحيطة بنا، نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماماً على نفوذها أو قدراتها الحتمية.
      وبدلاً من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، قد يكون من الأدق أن نقول أن متلقي الرسالة الإعلامية يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، قادر على التغلب على هذه الحتمية التي تنشأ نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم. ويجب اعتبار التغيير التكنولوجي حتمياً لا مفر منه، وهو ما حدث فعلاً، ذلك لأننا إذا فهمنا عناصر التغيير التكنولوجي يمكننا أن نسيطر عليها ونستخدمها في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهها، كما يحدث لدى البعض أحياناً !.

             ومن المشاكل التي تواجه عملية التبادل الإعلامي الدولية، مشكلة أهمية مراعاة الظروف البيئية المحيطة بالإنسان، واختلافها من دولة إلى دولة، بل واختلافها من منطقة إلى أخرى داخل الدولة ذاتها، ومن هنا فمن الأهمية بمكان أن يحيط خبراء الإعلام والصحفيون بالاعتبارات البيئية والظروف المحيطة بالإنسان، وإذا كان هذا الإلمام أكثر سهولة في الإعلام الداخلي فإنه أكثر صعوبة بالنسبة للإعلام الدولي، حيث تتعدد الاعتبارات البيئية وتتنوع الظروف واللغات، باختلاف من دولة إلى دولة، ومن منطقة إلى منطقة، ومن قارة إلى قارة، ومع تزايد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وتطورها واتساعها، أصبح العالم أقرب إلى القرية العالمية، ومما ساعد على ذلك تطور وسائل المواصلات وسهولة انتقال الأفراد والسياح، وهجرة السكان من أماكن سكنهم الأصلية، والإقامة الطويلة لرعايا دولة معينة لدى دولة أخرى بقصد الدراسة أو العمل، وتزايد حجم وسرعة وتنوع المراسلات، ودخولها عصر الحوار المباشر عبر الهاتف والتلكس والفاكس والبريد الإلكتروني بين مختلف دول العالم، وتطور البث الإذاعي المسموع والمرئي واتسع باستخدام الأقمار الصناعية لأغراض الاتصال ونقل المعلومات. وساعد الاحتكاك بالأمم المتقدمة على حدوث تحول ثقافي واجتماعي عالمي، برزت معه قيم ومعتقدات جديدة لم تكن متوقعة من قبل.

              ومن هنا فإن على خبراء الإعلام والصحفيين أن يدركوا كل تلك المتغيرات عند إعدادهم وتنفيذهم للحملات الإعلامية الموجهة للداخل والخارج على السواء، كي لا تحدث إخفاقات تؤدي إلى عدم استجابة المستقبل لمضمون الرسالة الإعلامية الموجهة له، وأن لا يكون رد فعله مغاير لأهداف الحملة الإعلامية، وأن يؤخذ في الحسبان أيضاً اختلاف درجات التقدم الاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، وتباين النظم والمعتقدات السياسية والإيديولوجية بين دول العالم المختلفة، ودرجات التباين حتى بين دول النظام المتشابه، وحدد مارشال ماكلوهين في نظريته تكنولوجية وسائل الإعلام التي تعتبر من النظريات الحديثة عن دور وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية وتأثيرها على المجتمعات، أربعة مراحل لتطور التاريخ الإنساني وهي وفق رأيه: ( مرحلة المخاطبة الشفهية القبلية، ومرحلة نسخ المخطوطات التي استمرت لنحو ألفي عام، ومرحلة عصر الطباعة والتي استمرت من القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر، ومرحلة عصر وسائل الاتصال والإعلام الإلكترونية وبدأت من مطلع القرن العشرين ولم تزل مستمرة).

      وإن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في كل مرحلة ساعدت على تشكيل المجتمعات عبر التطور الإنساني، واعترف ماكلوهين أن نظريته جاءت تطويراً لأعمال: أرد لويس موفورد (1934)؛ وإتش. جي. تشايتور (1945)؛ وسيغفريد غيودون (1948)؛ وهارولد أنيس (1951)؛ ويه. إتش. غومبريتش (1960). وأكد على انتقال البشرية من الاتصال إلى الشفهي إلى الاتصال المكتوب ومن ثم العودة للاتصال الشفهي مرة أخرى، وعن الاتصال الشفهي يقول ماكلوهين أن البشر يتكيفون مع الظروف المحيطة بهم عن طريق إيجاد توازن بين حواسهم الخمس: السمع، والبصر، واللمس، والشم.
      وأن اختراع غوتينبرغ للطباعة عن طريق الحروف المتحركة خلال القرن الخامس عشر قلب التوازن القائم على الحواس الخمس لتفقد حاسة السمع سيطرتها على عملية الاتصال لتأخذ محلها حاسة البصر في القراءة عن طريق الاتصال بالكلمات المطبوعة التي أخذت تحل بالتدريج مكان ذاكرة الأجيال المتعاقبة، وليصبح خزن المعلومات المطبوعة على الورق واسترجاعها من الأساليب الناجعة للاتصال.
      وأطلق ماكلوهين على المرحلة المعاصرة تسمية عصر الدوائر الإلكترونية وشملت: أجهزة الاتصال البرقية، وأجهزة الهاتف، والسينما، والإذاعتين المسموعة والمرئية، وأجهزة الفاكس، والحاسبات الآلية (الكمبيوتر)، والعقول الإلكترونية الناطقة، والبريد الإلكتروني، وكلها أعادت الإنسان لاستخدام حواسه مجتمعة، وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الجديدة التي اختصرت المسافات وتخطت الحواجز حولت العالم إلى قرية عالمية Global Village. لتتحول وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الجديدة إلى وسيلة نموذجية للتعليم مدى الحياة. لأن وسيلة الاتصال تحولت إلى رسالة إعلامية غدت الأساس لتشكيل المجتمعات وقللت من شأن المضمون الإعلامي.
      وأشار ماكلوهين إلى أنه أضحى لكل وسيلة اتصال جمهورها الذي يفوق حبه لها اهتمامه بمضمونها ساخناً كان أم بارداً.

      وجاءت نظرية التقمص العاطفي التي سبق وأشار إليها: أفلاطون، وسان جون، وسان أوجستين، وسان الاكويني، وسبينوزا، في مؤلفاتهم، واعتبرها آدم سميث، وهربرت سبنسر، عملية انعكاس بدائي، وناقشها الباحثون ليبس، وريبوت، وشلير، من خلال تحليلهم للعواطف.
      ويرجع الفضل لإدخال كلمة العاطفة في اللغة الإنجليزية إلى تيوردور ليبس الذي سماها الشعور بالشيء، وطور الباحث جورج ميد نظرية التقمص العاطفي في كتابه العقل والنفس والمجتمع وافترض أنه حينما نتوقع أو نستنتج مشاعر الآخرين، وما سيفعلونه، وحينما نخرج بتنبؤات، تتضمن السلوك الخاص للإنسان، واستجاباته الخفية، وحالاته الداخلية ومعتقداته، ومعانية، وحينما نطور التوقعات ونتنبأ نفترض أن لدينا مهارة يسميها علماء النفس بالتقمص العاطفي، أي القدرة على الإسقاط وتصور أنفسنا في ظروف الآخرين، وساعد على تطوير تلك القدرة، الانتقال من مكان إلى مكان آخر.
      وتعمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على تطوير المقدرة على التقمص العاطفي بين الأفراد الذين لم يغادروا مجتمعاتهم المحلية أبداً، لأن تلك الوسائل نقلت العالم الخارجي إليهم. ونظرية التقمص العاطفي هي جزء لا يتجزأ من الاتصال، لأنها تربط بين ذهن المرسل وذهن المتلقي، والتقمص العاطفي هو المقدرة عن فهم ما يدور في ذهن شخص آخر، كأن نقول لشخص آخر أننا نفهم مشاعرك.
      فكيف يتحقق التقمص العاطفي ؟ وما هي قيمته للاتصال في إطار عملية الاتصال ؟ فالفرد يكتسب المقدرة على التقمص العاطفي بالتحرك المادي من مكان إلى آخر أو عن طريق التعرض لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، التي تجعل التحرك السيكولوجي يحل مكان التحرك المادي أو الجغرافي، وقيمة التقمص العاطفي للاتصال يمكن تلخيصها بأننا كي نتصل بالآخرين يجب أن تتوافر عندنا ثلاثة عناصر على الأقل وهي:(وسائل مادية للاتصال، وراجع صدى، ومقدرة على التقمص العاطفي)، والمقدرة على التقمص العاطفي، هي الخروج باستنتاجات عن الآخرين، وتغيير تلك الاستنتاجات لتتفق مع الظروف الجديدة، وهذه المقدرة معروفة منذ ألفي عام، وهناك نظريتان عن التقمص العاطفي: (نظرية تقول أننا نجرب الأشياء مباشرة، ونفعل ما يفعله الآخرون وفقاً لخبراتنا الذاتية، أي أن نفترض أن جميع الناس سوف يتصرفون بنفس الطريقة التي نتصرف بها، وأننا لا نستطيع أن نتنبأ بما سيفعله الآخرون، إن لم نمر نحن أنفسنا بنفس التجارب التي يمر بها الآخرون.
      والنظرية الثانية تقول أننا نحاول أن نضع أنفسنا في ظروف ومواقف الآخرين، وفي اتصالنا نتحول من الاستنتاجات إلى اخذ أدوار الآخرين، على أساس تنبؤاتنا)، فكيف نطور المقدرة على التقمص العاطفي ؟ وهذا السؤال أساسي يواجهه طلبه الاتصال والإعلام دون إيجاد رد قاطع عليه، فهناك نظريات للتقمص العاطفي تتفق مع الأدلة التي تم التوصل إليها عن طريق البحث، ولكننا نستطيع أن نعرف التقمص العاطفي بأنه عملية نتوصل من خلالها لتوقعات عن الحالات السيكولوجية الدائرة داخل الإنسان.

            ولمعرفة كيفية حدوث ذلك، نذكر أنه هناك ثلاث وجهات نظر أساسية للتقمص العاطفي، وترى واحدة من المدارس الفكرية أن التقمص العاطفي غير موجود، لأننا لا نستطيع تطوير التوقعات، ومؤيدي هذا الرأي يؤمنون بنظرية التعلم البسيطة المكونة من منبه واستجابة، وأصحاب هذه النظرية يقولون أن كل ما لدينا في عملية الاتصال هي مجموعة من الوسائل، رسالة يقدمها شخص ما، ليدركها شخص آخر، وبمعنى آخر أنه هناك منبهات واستجابات لها.

             ونظرية التعلم البسيطة تفسر التعلم غير البشري عند الحيوان، ولكنها لا تفسر السلوك البشري، لأن البشر يطورون توقعاتهم ولديهم المقدرة على تصور أنفسهم في الحالات والظروف النفسية للآخرين، ولهذا لا نستطيع أن نقبل الرأي الذي لا يعترف بوجود التقمص العاطفي، ولا نستطيع تطوير توقعاتنا وتنبؤاتنا، دون حدوث عملية تفسيرية تسبق الاستجابة، لأن تطوير التوقعات يحتاج إلى موهبة من نوع ما، فنحن بحاجة للتفكير بالأشياء التي لا نراها ولم نجربها، ولكي تكون لدينا توقعات لابد أن نتحدث عن أشياء غير موجودة، ونحن بحاجة لصنع تلك الرموز والتأثير عليها، لأن الإنسان يختلف عن الحيوان في تطويره لكلتا المهارتين اللتين سبق وأشرنا إليهما، وأن الإنسان قادر على أدراك الرموز والتأثير فيها، وصنع رموز تخدم أغراضه، ولهذا يستطيع إعادة تقديم أشياء غير موجودة أمامه، وتقديم ما لم يحدث وما لا يجري حدوثه الآن، وأن الإنسان يملك مهارات فردية تختلف بين البشر.

      ولهذا رفض الباحثون الرأي الذي لا يعترف بمفهوم التقمص العاطفي، معتمدين على أننا جميعاً نتوقع المستقبل، ونقوم بتنبؤ العلاقة بين: (السلوك الذي نقدم عليه، والسلوك الذي يقدم عليه الآخرون استجابة لسلوكنا، والتنبؤ بالاستجابة التالية التي نقدم عليها بناء على سلوك الآخرين)، أي أننا نقوم بأفعال وردود أفعال، من خلال تطوير توقعاتنا عن الآخرين وتأثيرهم على أفعالنا قبل قيامنا بها، وهو ما يعني التقمص العاطفي.

             ومن النظريات المعروفة للتقمص العاطفي نظريتان تتحدثان عن أسس التقمص العاطفي وتتفقان على أن تنبؤات الإنسان عن الحالات السيكولوجية الداخلية تعتمد على السلوك المادي الذي يمكن ملاحظته، وكلتاهما تتفقان على أن الإنسان يقوم بتكوين التنبؤات عن طريق استخدام رموز تشير إلى السلوك المادي والتأثير على تلك الرموز. وتعتمد وجهات النظر الثلاثة للتقمص العاطفي على:

      أولا – نظرية الاستدلال العاطفي : وتقول نظرية الاستدلال في مجال التقمص العاطفي أن الإنسان يلاحظ سلوكه المادي مباشره، ويربط سلوكه رمزيا بحالته السيكولوجية الداخلية أي بمشاعره وعواطفه.. الخ، ومن خلال هذه العلمية يصبح سلوكه الإنساني معنى بتفسيراته للمعنى. ويطور الفرد مفهومه عن ذاته بنفسه على أساس ملاحظاته وتفسيراته لسلوكه الخاص.
      ومفهوم الذات يتصل بالآخرين عن طريق ملاحظة سلوكهم المادي، وعلى أساس التفسيرات السابقة للسلوك وما ارتبط به من مختلف مشاعر وعواطف، ويخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية. بمعنى أن يقول لنفسه: إذا كان سلوكي يعكس مشاعر، وإذا قام شخص آخر بهذا السلوك فهو أيضا يعكس نفس المشاعر التي أشعر بها عندما قمت بهذا العمل.
      هذا الرأي في التقمص العاطفي يفترض أن الإنسان لديه معلومات مبدئية عن نفسه، وعن الناس الآخرين بالدرجة الثانية. ويردف أن الإنسان لديه المقدرة على فهم نفسه، وعن طريق تحليله لسلوكه الذاتي يستطيع الإنسان أن يخرج باستنتاجات عن الآخرين انطلاقاً من أنه هناك تماثل بين سلوك الآخرين وسلوكه الفردي.

      ومن الأمثلة على ذلك أنك تضرب المنضدة بيدك كلما شعرت بالغضب وشاهدت شخصاً آخر يقوم بنفس الفعل عند الغضب فتدفعك أحاسيسك الداخلية لاستنتاج ذلك اعتماداً على:(ملاحظتك لسلوكه، ومقارنة سلوكه بالسلوك المماثل الذي أقدمت عليه عند شعورك بالغض).

      وتأخذ نظرية الاستنتاج في التقمص العاطفي هذا الافتراض من خلال أن:
      (الإنسان لديه معلومات مبدئية عن أحاسيسه الداخلية، ومعلومات عن الأحاسيس الداخلية للآخرين من الدرجة الثانية، وأن الآخرون يعبرون عن أحاسيسهم الداخلية بأداء نفس السلوك الذي قمت به للتعبير عن مشاعرك، وأن الإنسان لا يستطيع فهم الحالة الداخلية للآخرين، إن لم يجرب تلك الحالة، فالإنسان لا يستطيع أن يفهم العواطف التي لم يشعر بها والأفكار التي لم تخطر بذهنه وهكذا).

            فإذاً نحن بحاجة لاستخدام أسلوب آخر في معالجة التقمص العاطفي يفسر نجاحنا في تنبؤ سلوك الآخرين، وتوقع ذلك السلوك من خلال أسلوب يفترض أن الناس ليسوا متماثلين، علاوة عن أنه هناك دلائل تشير بعدم صحة افتراض نظرية الاستنتاج تقول بأننا لا نستطيع أن نفهم المشاعر الداخلية للناس الآخرين ما لم نجربها بأنفسنا، وحقيقة أن الإنسان يفهم بشكل أفضل تلك الأشياء التي جربها بنفسه، ولكنه يستطيع بالرغم من ذلك أن يفهم جزئياً بعض المشاعر التي لم يجربها، على سبيل المثال نستطيع أن نحس بشعور آلام الأم وهي تلد طفلها دون المرور بالتجربة ذاتها، وأن نتصور مشاعر السعادة التي يشعر بها الفرد عند تحقيق النجاح دون المرور بتجربته، لأن التجربة تزيد فهمنا للنجاح، ولكنها ليست أساسية لفهم النجاح.

            وثانيا : نظرية أخذ الأدوار في التقمص العاطفي :وتقول أن الإنسان يكوّن مفهوماً معيناً عن ذاته قبل أن يتصل بالآخرين، وأننا نحاول فهم سلوك بعض الأفراد وأن نفسر نتائج ذلك السلوك من خلال التقمص العاطفي عن طريق سلوك التقليد وتوقع الثواب والعقاب، وتطويره عن طريق الاتصال، وعن طريق أخذ أدوار الآخرين وعن طريق التصرف نحو الآخرين، كمحور للاتصال، وعن طريق تطوير وتعميم المفاهيم عن الآخرين.

            ونظرية الاستنتاج تفترض وجود مفهوم عن الذات، يمكننا من التقمص عاطفيا باستخدام مفهوم الذات، لنخرج باستنتاجات عن حالات الآخرين الداخلية، وترى نظرية الاستنتاج أن مفهوم الذات يحدد كيفية التقمص عاطفياً، أما نظرية أخذ الأدوار فتعالج الموضوع من الناحية الأخرى تماماً.
      وكلا النظريتين تعطيان أهمية كبيرة لطبيعة اللغة والرموز المستخدمة في عملية التقمص العاطفي وتطوير مفهوم الذات لأن الإنسان يستخدم كل تلك أساليب في التقمص العاطفي، ويأخذ الأدوار التي تعجبه، فكل منا يأخذ أدوار الآخرين، وكل منا يعمم خبراته على الآخرين، والطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا تحدد مفهومنا أو أسلوبنا في التعميم على الآخرين، والمضمون الاجتماعي الموجود وتوقعات الآخرين عن سلوكنا.

      وحينما نتقمص عاطفياً، ولا نجازى على تقمصنا العاطفي نضطر للجوء إلى حل من حلين فإما: (أن نحرف سلوك الآخرين الذي أدركناه لنجعله يتفق مع توقعاتنا، أو أن نعيد النظر بالصورة الذهنية التي كوناها عن أنفسنا، ونعيد تعريفنا لذاتنا، أو أن نعود مرة أخرى لأخذ الأدوار السابق).

      وإذا لجأنا إلى الحل الأول وحرفنا ما ندركه، فسنتحول إلى مرضى نفسيين، وتصبح تصوراتنا غير واقعية، وينتهي بنا المطاف في مستشفى الأمراض النفسية، وهذا ليس مرغوب، وهنا نستطيع التنبؤ بأن مشكلة الصحة العقلية متصلة بعدم قدرة الإنسان أو عدم رغبته في تغيير صورته الذهنية عن نفسه، حينما يجد أن هذه الصورة غير مجزية في الظروف الاجتماعية المحيطة به.
      وإذا لجأنا للحل الثاني وإعادة تعريف الذات فإننا نعود لأخذ أدوار الآخرين، وتطوير مفهوم جديد للتعميم عن الآخرين، وإيجاد مجموعة جديدة من التوقعات عن سلوكنا، لنعود إلى أنفسنا ونغير سلوكنا وفقاً لذلك ومرة أخرى نخرج باستنتاجات عن الناس الآخرين، لأن عمليتا القيام بالدور والاستنتاج تسيران سوياً دائماً، وتعني أن الإنسان يكيف نفسه، ويستطيع أن يغير سلوكه ليتفق مع الظروف المحيطة والوضع الاجتماعي الذي يجد نفسه فيه، ويطور توقعاته ويقوم بأدوار الآخرين والخروج باستنتاجات.

           ولوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية دور في تنمية المقدرة على التقمص العاطفي، ومن النظريات التي تناولت هذا الجانب نظرية عالم الاجتماع الأمريكي دانييل لرنر الذي يفترض أن المقدرة على التقمص العاطفي تعتبر من الخصائص الأساسية اللازمة لانتقال المجتمع من الأسلوب التقليدي إلى الأسلوب الحديث، ويفترض أن هذه الخصائص كانت في الماضي تكتسب عن طريق تحرك الأفراد مادياً وانتقالهم من مكان إلى أخر واختلاطهم بالآخرين، أما في القرن العشرين فأخذت هذه الخاصية تكتسب مقوماتها أساساً عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي تنقل العالم الخارجي إلى الأفراد الذين لم تتح لهم فرص السفر والانتقال وترك مجتمعاتهم المحلية .

      وربط (ليرنر) المقدرة على التقمص العاطفي بالتسلسل التاريخي الجاري في المجتمعات الغربية، فأشار في استعراضه لانهيار المجتمع التقليدي في الشرق الأوسط “بناء على المادة التي جمعها مركز الأبحاث التطبيقية في جامعة كولومبيا الأمريكية له عن ست دول في الشرق الأوسط، وبناء على المواد التعليمية التي حصل عليها عن 54 دولة” على أنه هناك مراحل محددة يمر بها المجتمع ليصل إلى المرحلة الحديثة، فالمدينة تتسع لتشمل القرى المجاورة، ونسبة كبيرة من الأفراد أخذت تتعلم القراءة والكتابة، والتعلم على كيفية تكوين الآراء، وأن نسبة أكبر أصبحت تشتري الصحف وتستمع إلى الإذاعة المسموعة، ونسب أكبر اكتسبت القدرة على التقمص العاطفي وتصور نفسها في مواقف وظروف الآخرين، ليتسع معها نطاق المساهمة السياسية والاقتصادية.

      واستخلص (ليرنر) نظريته من التطور التاريخي، مستعرضاً تطور الديمقراطيات الغربية، وأن عملية التحضر أظهرت تسلسلاً وخصائص يمكن أن تكون عالمية، لتحدث في جميع المجتمعات، وفي كل مكان حدث فيه الانتقال إلى المدن زادت نسبة المتعلمين، وزيادة نسبة المتعلمين رفعت نسبة المتعرضين لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وهذه الزيادة سارت بالتوازي مع اتساع الإسهام الاقتصادي، والدخل القومي، والإسهام السياسي عن طريق المشاركة في الانتخابات، وأن هذا التسلسل حدث في الديمقراطيات الغربية وهو حقيقة تاريخية، وصحبت تلك التطورات ظهور تطور تاريخي له خاصية سيكولوجية تعبر عنها مقدرة الأفراد على تصور أنفسهم في ظروف الآخرين، وتميزت المجتمعات الغربية في مراحل تطورها الأولى بالاتسام بأوضاع غير ثابتة، وجرت فيها هجرات متواصلة للوصول إلى أراض جديدة، يستطيع الناس فيها تحقيق أرباح، وأصبح الأفراد الذين تركوا أوطانهم يتميزون بشخصيات متبدلة، وبقدرات عالية على استيعاب الجوانب الجديدة في الظروف المحيطة بهم، وأنهم تحركوا وهم مهيئون ومجهزون لاستيعاب أوضاع جديدة لا يعرفونها يفرضها عليهم محيطهم الخارجي الجديد، ليواجهوا أشياء لم يجربوها من قبل، وهذا الاستعداد جعلهم قادرين على التقمص العاطفي.

          وأن المجتمع التقليدي مجتمع لا يساهم أفراده في النشاطات السياسية، وأن القرابة هي أساس التعامل فيه، وأن الجماعات الصغيرة منعزلة عن بعضها البعض وعن المركز في العاصمة، وأن حاجات المجتمع التقليدي قليلة، وليس هناك تبادل تجاري بين أجزاء المجتمع المختلفة، وأنه من دون الروابط التي تنشأ نتيجة لاعتماد أجزاء المجتمع على بعضها البعض يضيق أفق الأفراد، وتقل قدراتهم على التحليل، لأن اختلاطهم بالآخرين قليل إن لم يكن معدوماً، وأن إدراك الأفراد في المجتمع للحوادث الجارية يقتصر على ما عرفوه من خبراتهم القليلة السابقة المحصورة في نطاق مجتمعاتهم الصغيرة، وهم غير قادرين على فهم ما لم يجربوه بشكل مباشر، كما أن معاملاتهم مقصورة على الأفراد الذين يتصلون بهم مباشرة عن طريق علاقاتهم الشخصية، لذلك لا تظهر أي حاجة للمناقشة بين الأفراد والجماعات في الأمور العامة، المتعلقة بالدولة والنظريات السياسية، أي أن الفرد لا يحتاج للنقاش وتبادل الآراء لاتفاق مع الآخرين الذين لا يعرفهم، كما أن المجتمع لا يحتاج للفرد للوصول إلى إجماع الرأي في الشؤون العامة، لأن تجربة الفرد محدودة بحدود النطاق المحلي ولا يستطيع أن يتصور ذهنه انتمائه لدولة كبيرة.

           وللخروج باستنتاجاته أجرى لرنر دراسة ميدانية تناولت عينة مكونة من 1357 فرد من الشرق الأوسط وطلب منهم الرد على تسعة أسئلة من بينها: إذا كنت رئيساً للحكومة أو محرراً في صحيفة أو مديراً لمحطة إذاعية، فما الذي كنت ستفعله ؟ واكتشف أن الأفراد التقليديين يصابون بصدمة من أسئلة من هذا النوع ويستغربون توجيه مثل هذه الأسئلة لهم، أما المتميزين بمقدرة التقمص العاطفي، فكانت شخصياتهم غير ثابتة، وكانوا أكثر قدرة على التعبير عن آراء وموضوعات في مجالات كثيرة.
      وتوقع أن تكون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية قد زادت من مقدرة الأفراد على التحرك النفساني وتخيل أنفسهم في مواقف لم يجربوها، وفي أماكن غير الأماكن التي اعتادوا رؤيتها، كما عودت أذهانهم على تصور تجارب أوسع من تجاربهم المباشرة المحدودة، وعلى تخيل مناطق لم يشاهدوها، وهذه خاصية ميزت الإنسان الذي تغير مع المجتمع المتطور وتميز بشخصية تتمتع بمقدرة على التقمص العاطفي. وأنه حينما يظهر عدد كبير من الأفراد القادرين على التقمص العاطفي في مجتمع من المجتمعات، يمكن القول أن هذا المجتمع في سبيله إلى التطور السريع.

          والتقمص العاطفي كما يراه (ليرنر) هو خاصية تمكن عناصر جديدة متبدلة قادرة على العمل بكفاءة في العالم المتغير، ويرى أن المهارات لا غنى عنها للشعب الذي يتحرر من الإطارات التقليدية، وأن المقدرة على التقمص العاطفي هي في أسلوب الحياة السائد الذي يميز الأفراد في المجتمع الحديث الذي يملك صناعة متطورة وتعيش نسبة كبيرة من سكانه في المدن، وترتفع فيه نسبة التعليم، ونسبة كبيرة من أفراده يساهمون في الحياة السياسية، وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي وسيلة من وسائل مضاعفة القدرة على التحرك، وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية مكنت الفرد من الانتقال نفسيا إلى أماكن أخرى، وأصبح بإمكانه أن يتخيل نفسه في ظروف غريبة وفي أماكن جديدة عليه بعد أن تمكن الفرد من الانتقال عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من مكان إلى أخر في العالم الخارجي بعيد عن أماكن السكن التي تخلق لديه استعدادات للتغيير والتكيف وتغيير التطلعات والآفاق، وتقدم خدمات ضرورية تسهم في نمو المجتمع المحلي الحديث، وتطور المجتمعات التقليدية، وتساعد على التقمص العاطفي. ولتفرض العلاقة بين نظريات الإعلام والسلطة نفسها.

            وواضح من الاستنتاجات التي قدمها دانييل لرنر من المعلومات التي حصل عليها والاستبيان الذي قام به جهله للواقع الحقيقي القائم في الشرق الأوسط الضحية في العلاقات الدولية المعاصرة، وأنه يختلف تماماً عما حدث تاريخياً في الغرب المستعمر. وتفسر الغزو الاقتصادي والثقافي والاتصالي والإعلامي والعسكري الذي تتعرض له دول الشرق الأوسط منذ مطلع القرن العشرين لفرض مفاهيم غريبة تتنافى وحاجات المجتمعات الشرق أوسطية. وتفسرها أيضاً النظريات الإعلامية السائدة في عالم اليوم.  


      • أنواع نظريات الاتصال/ النظريات المتعلقة بالجمهور

        3-أنواع نظريات الاتصال:

        أ-النظريات المتعلقة بالجمهور:

               تزخر أدبيات البحث العلمي في مجال النظريات الإعلامية، بالعديد من المؤلفات والمراجع العلمية عن النظريات ونشأتها وتطورها وأنواعها. ويقسم الباحثون النظريات الإعلامية إلى الأنواع التالية:

         

        1-     النظريات المتعلقة بالجمهور: يرتبط هذا النوع من النظريات بالجمهور المستخدم للمواد الإعلامية. ويقوم هذا النوع من النظريات على أساس أن الجمهور يستخدم وسائل الإعلام بسبب دوافع نفسية أو اجتماعية. ومن هذه النظريات ما يلي:

         

        أ‌-      نظرية الاستخدامات والإشباعات: تفترض هذه النظرية أن الجمهور يستخدم المواد الإعلامية لإشباع رغبات كامنة لديه، وأن دور وسائل الإعلام هو تلبية الحاجات فقط .

        هي النظرية التي تلعب دور رئيسي في تفسير العلاقة بين المرسِل «القائم على الوسيلة» والمستقبِل «الجمهور أو المتلقي»، وتعد من أهم النظريات الإعلامية التي تهدف الدراسة إلى النظر إلى الجمهور باعتبارهم مشاركين ايجابيين، ينتقون ما يريدون مشاهدته بناء على حاجتهم النفسية والاجتماعية، ظهرت النظرية في عام 1974م، في كتاب «استخدام وسائل الاتصال الجماهيري» لكاتز وبلومر.

        فروض النظرية: تتلخص الفروض في خمسة نقاط رئيسية تساهم في تحقيق أهداف النظرية:

        - يعد الجمهور عنصر فعال في عملية الاتصال الجماهيري، واستخدامهم لوسيلة معينة يلبي حاجات مقصودة يطمحون للوصول إليها.                                                                                                - تختلف الرغبات بين الجمهور وفقاً لأسس كثيرة منها الطبقة الاجتماعية والنوع وغيرها، حيث أن الرغبة هي التي تحدد اختيار الوسيلة الاعلامية وفقاً لاحتياجاتهم.                                                           - الوسيلة الإعلامية لا تستخدم الجمهور بل الجمهور هو من يستخدمها، فالأفراد يختارون وسائل الإعلام التي تشبع رغباتهم.                                                                                                           - يختار الجمهور وسائل اعلامية محددة وفقاً لاحتياجاتهم ورغباتهم. -يمكن التعرف على القيم السائدة في المجتمع وفقًا لاستخدام الجمهور للوسائل الاعلامية، وليس من خلال المحتوى الذي يتابعه فقط.

         

        أهداف النظرية: تتحدد الأهداف في ثلاث نقاط أساسية هي:

        1-التعرف إلى كيفية استخدام الجمهور لوسائل الإعلام.

        2-التعرف إلى دوافع استخدام الفرد لوسيلة إعلامية محددة دون غيرها.

        3-فهم عملية الاتصال الجماهيري من خلال التعرف إلى نتائج استخدام الفرد لوسائل الإعلام.

        دوافع تعرض الجمهور لوسائل الإعلام

              ويُعرف الدافع بأنه حالة نفسية توجه الفرد إلى القيام بسلوك محدد بهدف إشباع حاجة محددة، وتُصَنِف نظرية الاستخدامات والإشباعات دوافع تعرض الجمهور لوسائل الإعلام إلى دافعين رئيسيين، وهما: دوافع نفعية: دوافع اكتساب المعرفة والمعلومات، والتعرف إلى المعلومات والتعرف على الذات، وكسب الخبرات في مجالات الحياة، مثل مشاهدة نشرة الأخبار. دوافع طقوسية: تتمثل الدوافع الطقوسية بكسر الملل، وتمضية الوقت، والاسترخاء، والتهرب من واقع الحياة ومشكلاتها، مثل مشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج الكوميدية.

        إشباعات تعرض الجمهور لوسائل الإعلام

        تقوم نظرية الاستخدامات والإشباعات على أن الفرد يسعى إلى اشباع حاجات معينة، من خلال اختيار نوع الوسيلة والمحتوى الذي يرغب فيه، وقد قسم (لورانس وينر) الاشباعات إلى نوعين رئيسين: إشباعات المحتوى: ترتبط بالمحتوى الذي يُقدم في الوسائل الإعلامية، وتنقسم إشباعات المحتوى إلى قسمين: إشباعات توجيهية: تتمثل في مراقبة البيئة المحيطة بالفرد والحصول على المعلومات. إشباعات اجتماعية: تتمثل في ربط المتلقي للمعلومات التي يحصل عليها بعلاقاته الاجتماعية.

        إشباعات العملية: ترتبط إشباعات العملية بالوسيلة الإعلامية نفسها، وتنقسم إلى: إشباعات شبه توجيهية مثل الحد من الخوف والقلق، وتعزيز الشعور بالذات والدفاع عنها.  إشباعات شبه اجتماعية: حيث وتتمثل بزيادة علاقة الفرد بالشخصيات الإعلامية، وتزيد للاشخاص المنعزلين اجتماعياً.

        نظرية الاستخدامات والإشباعات وشبكات التواصل الاجتماعي:  تعد شبكات التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات التي أدت إلى تغيير أساليب الاتصال بين الأشخاص بسبب تقديمها خدمات متطورة باستمرار وامتلاكها مميزات مبتكرة تلبي رغبات الفرد وتشبع حاجاته من الاستخدام المتواصل لهذه الشبكات وبفترات طويلة تمتد لأكثر من 7 ساعات يومية وفقا لبعض الدراسات التي أشارت إلى أن هناك إفراطا في استخدام الشباب لهذه الوسائل التي باتت تسلب أوقاتهم، وتقلل من فرص التواصل بينهم على أرض الواقع، ويرى ليهو كاتز (Elihu Katz) أن نظرية الاستخدامات والإشباعات هي محاولة لشرح ظاهرة -الإعلام- بسؤال الفرد عن طريقة استعماله لوسائل الاتصال لإشباع حاجاته، وبلوغ أهدافه بدل مصادر أخرى متوافرة في محيطه. فيما لخَّصت الباحثتان (أنابل كين-هانس (Anabel Quan-Haase) وأليسن يونج (Alyson L. Young) ما يميز نظرية الاستخدامات والإشباعات عمَّا سبقها من نظريات في الخصائص الثلاث الآتية، أولًا: مَفْهَمَة الجمهور، وثانيًا: ما يقوم به، وثالثًا: الإشباعات التي يحققها مما يقوم به؛ فشبكات التواصل الاجتماعي أوجدت لمستخدميها مساحة للتفاعل في العالم الافتراضي ومشاركة اليوميات والمقاطع المرئية والصور في إطار الاهتمامات المشتركة بين الجمهور.

         

                 ووفقا لمجلة Qualitative Market Research فإن الفرضية الأساسية لنظرية الاستخدامات والإشباعات هي أن الأشخاص يبحثون عن شبكات التواصل الاجتماعي التي تلبي احتياجاتهم وتوصلهم إلى مرحلة الإشباع، فيما ترى دراسة أخرى «أن استخدام فيسبوك كان مرتبطا بتقديم الذات للآخرين والحاجة الملحة للانتماء بينما كان استخدام إنستجرام مرتبطا بالتعبير عن الذات والتفاعل الاجتماعي، ومراقبة الآخرين ومعرفة معلومات عنهم، أما سناب شات فيستخدم للحصول على إشباع يتعلق بالحفاظ على العلاقات الوثيقة مع الأصدقاء والعائلة، أما بالنسبة لبعض التفاعل على المقاطع المرئية في منصة يوتيوب مثل: قراءة التعليقات والإعجاب وعدمه ومشاركة المقاطع المرئية فهو مرتبط بإشباع الحاجة للترفيه»، ووفقا لدراسة أجريتها حديثا حول أبرز التحديات الاجتماعية لوسائل التواصل الاجتماعي، وتطرّقت إلى نظرية الاستخدامات والإشباعات فتهتم بدراسة الاتصال الجماهيري دراسة وظيفية منظمة وترى الجمهور فعالا في انتقاء رسائل ومضمون وسائل التواصل الاجتماعي؛ فالجمهور يتعرض لوسائل التواصل الاجتماعي لتلبية حاجات إنسانية متعددة فلا يراهم كمستهلكين سلبيين ولكن هم مسؤولون عن اختياراتهم للوسيلة الإعلامية وكيفية استخدامها، وبذلك فخيارات المستخدم مبنية على فروقات فردية في المصالح والاحتياجات والدوافع التي تشكلت من التعليم والتنشئة والعلاقات العامة بالإضافة لاختلاف الثقافات.

         

                  فيما اطلعت على دراسة أخرى بعنوان «استخدام الشباب العربي لمواقع التواصل الاجتماعي» سعت إلى رصد طبيعة استخدام الشباب في المجتمعات العربية لمواقع التواصل الاجتماعي، والتعرف على حجم التأثير الناتج من الإشباعات المتحققة، وطبقت الدراسة على عينة بلغت 230 فردا من السعودية ومصر واليمن، وسبع دول أخرى، وتم جمع البيانات من خلال الاستبيان. وأشارت النتائج إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي هي في مقدمة المواقع التي تستخدمها العينة بنسبة بلغت 52.6% حيث يتم استخدامها للتواصل مع الأصدقاء والآخرين، وتتسم بالحرية في عرض الآراء كما أنها تحقق لهم إشباعات مختلفة كملء وقت الفراغ، وتبادل ومشاركة الأفكار والآراء مع الآخرين ثم الشعور بالمتعة تليها الرغبة في العيش في مجتمع آخر ثم الهروب من الواقع الاجتماعي، كما أنها تقلل من ارتباط الفرد بأسرته وتولد الشعور بالقلق والتوتر.

         

                وإن ثبوت صحة نظرية الاستخدامات والإشباعات بدأ يظهر جليا في علاقة الأشخاص بشبكات التواصل الاجتماعي؛ إذ أصبحت العلاقة بين الأشخاص وهذه الوسائل أقوى من أي وقت مضى وذلك لتوفّر الإشباعات المختلفة؛ إذ لم تعد الرسائل الإعلامية تؤثر على سلوكيات الأشخاص وتصحح آراءهم بل أصبحت العلاقة بين الطرفين (الجمهور ووسائل الإعلام) ثنائية الغاية تركّز على التطلعات والدوافع من التعرض لوسائل الإعلام لتحقيق الإشباعات، وبالرغم من استخدام نظرية الإشباعات والاستخدامات في كثير من الدراسات والبحوث الإعلامية والاجتماعية إلا أنه من المسلّم به أنها تعرّضت لعدة انتقادات أبرزها أن النظرية لم تقدّم سببا مقنعا لاختيار الأشخاص وسيلة إعلامية دون غيرها وذلك لأن الاستخدام ربما يكون ظرفيا أو لأهداف نفسية أو اجتماعية بهدف ملء وقت الفراغ أو لأسباب مرتبطة بالإدمان على الإنترنت دون وجود دوافع محددة وفي ظني غير مرتبط بنظرية الاستخدامات والإشباعات بقدر ارتباطه بالتوجهات العامة للجمهور، وربما يمكن الاستفادة من هذه المؤشرات في دراسة أسباب التواجد في وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار، أيضا من الصعوبة إثبات نظرية الاستخدامات والإشباعات على خصوصية المجتمعات والثقافة السائدة فيها، فهناك دواع شخصية أو خاصة أدت إلى ارتياد الأشخاص لوسائل التواصل الاجتماعي، وهي مرتبطة بالبعد الاجتماعي مثل إقامة علاقات مع الآخرين تبعدهم المسافات الطويلة. حقيقة من خلال تعمّقي في الاطلاع على نظرية الاستخدامات والإشباعات عبر مختلف المصادر الإلكترونية والتقليدية فإني أرى من المهم أن يستطلع أفراد المجتمع بمختلف فئاتهم حول النظرية لإثبات صحتها ودقتها؛ إذ إن البحوث التي أجريت على نظرية الاستخدامات والإشباعات كانت تستهدف بعض فئات المجتمع مثل طلبة الجامعات والكليات والأكاديميين والموظفين في المؤسسات التعليمية وهذا يجعل النظرية بحاجة إلى استقصاء نتائجها كون أن فئة الشباب لا تقتصر على طلبة الجامعات والكليات، وكذلك لا يمكن إسقاط آرائهم على نظرية الاستخدامات والإشباعات وذلك لأن الطلبة تعترضهم ظروف نفسية واجتماعية خلال مشوارهم الدراسي وبالتالي ربما يؤثر ذلك على نتائج النظرية.

         

        إن تعدد وسائل التواصل الاجتماعي وتعدد دوافع استخدامها من قبل الجمهور يتطلب تنوّع منهجيات البحث والتقصي عند إجراء الدراسات والأبحاث المختلفة خاصة الدراسات التي تشترك فيها عدة علوم مثل العلوم الإنسانية التي تتطلب تعاملا حذرا مع نتائجها وذلك لارتباطها بالجانب الإنساني والعاطفي؛ فحاجة الإنسان للغذاء المعنوي لا يقتصر الإلمام بماهية العلوم الإنسانية وإضفاء الجانب النظري في المنهج التربوي بل أصبح تزامن الغذاء المعنوي مع الجانب التطبيقي من هذه العلوم أكثر إلحاحا لترسيخه في الحياة اليومية لأفراد المجتمع.

         

        مراجعة نقدية لنظرية الاستخدامات والإشباعات في البيئة الرقمية

               تسعى الدراسة إلى المساهمة في النقاش العلمي الذي طُرح منذ أزيد من عقدين من الزمن، والذي يتمحور حول السؤال الآتي: هل يمكن دراسة مواقع الشبكات الاجتماعية بالاستعانة بالنظريات التي درست وسائل الإعلام التقليدية؟ وقد اختارت لهذا الغرض نظرية "الاستخدامات والإشباعات"، وحاولت أن تفهم الدوافع التي تحثُّ المستخدمين على استخدام الشبكات الاجتماعية المختلفة، والإشباعات المحقَّقة من هذا الاستخدام.

        ان المستخدِم يشارك في تحقيق إشباعاته بواسطة الشبكات الاجتماعية بينما تتولى وسائل الإعلام التقليدية تحقيقها بمفردها في ظل التحوُّل الكبير الذي تعيشه البيئة الإعلامية الرقمية يتجدَّد السؤال الذي طُرِح منذ حوالي عقدين من الزمن: هل إن النظريات التي أطَّرت التفكير في الميديا التقليدية وقدَّمت الكثير من المعارف العلمية التي أسهمت في تأسيس علوم الإعلام والاتصال، مثل نظرية حارس البوابة الإعلامية، وانتقال المعلومات عبر مرحلتين، ولولب الصمت، وترتيب الأولويات (Agenda Setting)، ونظرية التأطير الإعلامي (Media Framing)، وغيرها، ما زالت صالحة وقادرة على معالجة الإشكاليات المعاصرة التي يطرحها استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية، في ظل ما أصبح يعرف بــ"الميديا الذاتي الجماهيري" (self mass media) التي انمحت فيها الحدود بين منتجي المادة الإعلامية و"مستهلكيها"، وفي زمن تَشَذَّر فيه الجمهور واكتسب قدرًا من التفاعل وحرية التصرف في حوامل الاتصال المختلفة ومحتوياتها المُشَخْصَنَة، أي موجهة لكل فرد حسب ملامحه السوسيولوجية والثقافية والسياسية؟

        ستحاول هذه المساهمة في النقاش الذي أثاره السؤال المذكور أعلاه من خلال طرح نظرية "الاستخدامات والإشباعات" على المساءلة لمعرفة مدى مساهمتها في فهم التحولات التي تعيشها وسائل الإعلام في المجتمع المعاصر؛ إذ نعتقد أن تراكم العديد من البحوث العلمية التي درست المواقع الإعلامية في شبكة الإنترنت ومواقع الشبكات الاجتماعية تحتاج إلى تقييم من أجل تقديم عناصر الإجابة الأولية عن السؤال الآتي: هل لا تزال نظرية الاستخدامات والإشباعات ملائمة وصالحة ومناسبة لدراسة الميديا في المجتمع الرقمي؟ إنه السؤال الذي طرحه الباحث البريطاني، توماس روجيرو Ruggiero) Thomas)(1)، في العام 2000.

        ولأجل هذا الغرض، سنتوقف قليلًا عند السياق التاريخي الذي ظهرت فيه نظرية الاستخدامات والإشباعات، والإضافات التي قدَّمتها لعلوم الإعلام والاتصال مقارنة بنظريات الإعلام التي سبقتها في الوجود، والانشغالات العلمية التي عبَّرت عنها في دراسة مواقع الشبكات الاجتماعية، وتطبيقات هذه النظرية في البحوث الإعلامية العربية التي تناولت ما أصبح يُعرف بــ"الميديا الجديدة" سواء كعُدَّة تقنية أو ممارسة....وبناء على النتائج المتحصل عليها سنراجع هذه النظرية على ضوء نظريات الإعلام والاتصال الحديثة والأقرب منها على صعيد الهاجس المعرفي، ونخص بالذكر سوسيولوجيا الاستخدامات. 

        وُلِدت نظرية الاستخدامات والإشباعات من رحم نظرية التأثير النسبي التي استقاها بول لازارسفيلد (Paul Lazarsfeld) في بحوثه منذ ثلاثينات القرن الماضي من أجل تلبية طلب اجتماعي شكَّله القلق أو حتى الخوف من مخاطر الأفلام السينمائية على الأطفال، وفرضته رغبة مُلَّاك المحطات الإذاعية والمعلنين في معرفة سبب الإقبال على بعض البرامج الإذاعية. وتجلَّت بعد انتشار أعمال مدرسة تورونتو  (Toronto School) في الاتصال، وعلى رأسها أعمال مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan) الذي نقل الاهتمام في الدرس الإعلامي من المحتوى إلى الوسيلة كحامل للرسائل.

        وَصَفَ إليهو كاتز (Elihu Katz)، الذي شارك بول لازارسفيلد بحوثه، وزملاؤه نظرية الاستخدامات والإشباعات بالقول: "إنها محاولة لشرح ظاهرة -الإعلام- بسؤال الفرد عن طريقة استعماله لوسائل الاتصال لإشباع حاجاته وبلوغ أهدافه بدل مصادر أخرى متوافرة في محيطه"(2).

        إنها الخصائص التي جعلت نظرية الاستخدامات والإشباعات تنأى عن النزعة الاستخفافية بالجمهور التي تراه كقطيع غنم "بانيرج" (Panurge)*. فالجمهور لم يعد -من منظور هذه النظرية- كتلة واحدة متجانسة؛ يخضع للرسائل التي يتعرض لها فتؤثر في سلوكه وآرائه، بل مجموعات مختلفة بعاداتها الثقافية وحاجاتها الاتصالية والنفسية واستخداماتها المختلفة لوسائل الإعلام. لقد جعلت هذه النظرية من الاختيار الفردي قوة مرجعية في دراسة علاقة الجمهور بوسائل الإعلام. إنها العلاقة التي حصرتها في الثنائية الآتية: الحاجات (الحوافز)، والتطلعات أو الغايات من التعرض لوسائل الإعلام (الإشباعات). ولم يسبق لنظريات الإعلام السالفة عنها المهمومة بالتأثير والدعاية أن تنبَّهت إلى هذه الثنائية.

        مع تزايد الاعتماد على نظرية الاستخدامات والإشباعات في دراسة وسائل الإعلام التقليدية، الذي يؤكد نجاحها في الكشف عن بعض الجوانب في نشاط وسائل الإعلام التقليدية، تعددت الانتقادات الموجهة لها من مواقع إبستمولوجية مختلفة على الصعيدين الفكري والمنهجي، نذكر منها:

        - على الصعيد الفكري 

        أ- استُلْهِمَت هذه النظرية من المدرسة الوظيفية. لقد حصر هارولد لازويل (Harold Lasswell) أدوار وسائل الإعلام المختلفة في ثلاث وظائف، وهي: مراقبة البيئة للكشف عمَّا يمكن أن يهدِّد النظام الاجتماعي أو يخلَّ بقيم المجموعة أو العناصر التي تشكِّله (البحث عن الأخبار، والتواصل)، وربط مجموع الأجزاء التي تشكِّل المجتمع (التفاعل والتنشئة الاجتماعية)، ونقل التراث الاجتماعي (التعلم، ونقل المعارف). وأضاف لها بول لازارسفيلد وروبرت مرتن (Robert Merton) وظيفة رابعة تتمثَّل في التسلية والترفيه (اللعب، وتَمْضِيَةُ الوقت، والاسترخاء(. وقامت نظرية الاستخدامات والإشباعات بالتأكيد على هذه الوظائف انطلاقًا مما يفعله الفرد بوسائل الإعلام. بمعنى أن لازويل ولازارسفيلد ومرتن وغيرهم كانوا ينظرون إلى وظائف وسائل الإعلام من زاوية ما تقوم به الأداة/الوسيلة، بينما اقترح أصحاب نظرية الاستخدامات والإشباعات: إليهو كاتز، وجاي بلوملر (Jay G. Blumer)، وميشال غورفيتش (Michael Gurevitch)، وهيرتا هيرزوغ (Herta Herzog)، النظر إلى الوظائف ذاتها من زاوية ما يقوم به الجمهور.

        لم تلغ هذه النظرية تأثير وسائل الإعلام ولم تعتبره تحصيل حاصل ينجم بمجرد التعرض لمنتجات وسائل الإعلام، بل رأته مُجَسَّدًا في مشاركة الجمهور من خلال تشغيل المفاهيم الإجرائية التي وظفتها، وهي: الحاجات، والتطلعات، والاستخدامات، والإشباعات. 

        ب- لم يكتف البعض باختزال هذه النظرية في المدرسة الوظيفية، بل رآها عبارة عن مزيج مركَّب من هذه المدرسة والمدرسة السلوكية التي تمنح الجمهور دورًا نشيطًا، ويكمن طابعها السلوكي في التركيز الشديد على الحاجات والإشباعات النفسية المشتقة من الاستخدام الفردي لوسائل الإعلام. ويقلِّل هذا التركيز من أهمية السياق الاجتماعي لنشاط الميديا إن لم يتجاهله، ولا يأخذ بعين الاعتبار أن بعض الاستخدامات لوسائل الإعلام لا علاقة لها بتحقيق الإشباع بقدر ارتباطها بالسياق الاجتماعي الذي يفرضها.

        ج- لم تفلح هذه النظرية في تقديم تفسير سببي مقنع لاختيار استخدام هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك؛ لأن بعض الاستخدام يكون ظرفيًّا، ويتم في الغالب دون دافع واضح ومحدد، مما يصعِّب حصره وقياسه، مثل "التسكع" في شبكة الإنترنت. لذا، يعتقد البعض أن هذه النظرية ربما تصلح لفهم الإقبال على محتويات إعلامية محددة تكون دوافع الاطلاع عليها واضحة ومحددة، مثل المحتويات الإعلامية السياسية.

        د- يُستنتج من هذه النظرية أن غاية وسائل الإعلام الوحيدة تكمن في سدِّ حاجات الجمهور وتحقيق إشباعاته، ولا تعاني من أي إكراه في سبيل ذلك، ولا دور لها في صياغة هذه الحاجات وتوجيه الاهتمامات والانشغالات، وفي صقل الذوق. إن نظرية الاستخدامات والإشباعات تُحَيِّد وسائل الإعلام المختلفة عن مسار تنظيم السلطة الاقتصادية والسياسية في المجتمع، وتبعدها عن الاستراتيجيات الاتصالية التي تنفذها المؤسسات المختلفة.

        - على الصعيد المنهجي

        أ- يستعمل كل شخص الميديا بطرق مختلفة لإشباع حاجاته المتنوعة ويكون بعضها خاصًّا جدًّا، مما يعسِّر قياس تأثير متغيرات هذه النظرية. حقيقة، لقد حاولت البحوث الأمبريقية أن تربط الحاجات التي تنص عليها هذه النظرية بهرم الحاجات التي وضعها أبراهام ملسو (Abraham Malsow)، مثلما اقترح ذلك روادها، فحصرتها في فئاته، لكن اتضح أن تعدد حاجات الجمهور في استخدامه لوسائل الإعلام وتنوعها يؤدي إلى إسقاط بعض الحاجات من الدراسة لعدم انضوائها في أي فئة من الفئات التي حددها هرم ملسو. هذا إضافة إلى أن الاستخدام يستحدث حاجات جديدة تتكاثر إلى درجة يصعب قياسها أو يتم التعامل معها كبقية الحاجات كأنها ذات قيمة متساوية، وربما يضطر الباحث إلى "اختلاق" حاجات من أجل تبرير ما تقدمه وسائل الإعلام لجمهورها ومنحه شرعية.

        ب- تميِّز هذه النظرية بين الإشباعات المرغوب فيها وتلك المحقَّقة. قد يحدث أن تكون نسبة الإشباعات المحقَّقة أثناء تعرض الجمهور لوسائل الإعلام أعلى من نسبة الإشباعات المرغوبة أو تكون أدنى منها. فيترتب على هذه الأخيرة العزوف عن الوسيلة الإعلامية. لكن البحوث الأمبريقية لم تصل إلى شَحْذ أدوات مناسبة ودقيقة لقياس هذه النسب وتطبيقها على ديناميكية نشاط الوسيلة الإعلامية، ولا إلى تفسير سبب اختلاف نسب الإشباعات المحقَّقة. ربما لا يتعلق الأمر بعجز أداة القياس بقدر ما يرتبط بالإشكالية التي تطرحها هذه النظرية والتي تحصرها في نفسية الفرد ومزاجه المتقلب وليس في بعده الاجتماعي الذي يتسم بنوع من الاستقرار الذي تتطلبه أداة القياس.

        ج- اعتمدت جل البحوث الإعلامية التي وظَّفت نظرية الاستخدامات والإشباعات على استطلاع آراء الجمهور. فما جمعته من بيانات من المبحوثين عن استخدامهم للميديا هو حصيلة تصريحاتهم التي يتذكَّرون فيها وسيلة الإعلام التي استخدموها، وأين يستخدمونها، ومتى، وكم مرة يستخدمونها، وما المدة التي يستخدمونها، وما الإشباعات التي حققوها أو يحققونها من هذا الاستخدام، وغيرها من الأسئلة التي يمكن أن تشكِّل مؤشرات تكشف عن أهمية الوسيلة الإعلامية في حياة مستخدمها. لكن تظل بيانات الإجابة عن هذه الأسئلة نسبية وقليلة الدقة؛ وذلك لأن قياس السلوك الاتصالي وملاحظته يكون غالبًا أكثر دقة من التصريح به؛ لذا يحتمل أن تكون نتائج هذه البحوث مشوهة. لقد تفطنت بعض البحوث العربية في مجال الإعلام إلى هذا الأمر؛ إذ أكدت أن "إجابات الجمهور لا تعكس بالضرورة الواقع الفعلي لاستخدام أي وسيلة إعلامية"(12)، ويحيلنا هذا الأمر إلى إشكالية كبرى تتعلق بمدى دقة ومصداقية الاستبيان كأداة بحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية في المنطقة العربية(13).

        الاستخدامات والإشباعات والبحث في البيئة الإعلامية الرقمية

        شُرِع في تطبيق هذه النظرية على الميديا في بيئة الويب مع بداية الاستخدام الاجتماعي لشبكة الإنترنت في 1998)، ثم توالت البحوث التي اعتمدت على هذه النظرية مع تعدد الخدمات التي تقدمها المواقع الإلكترونية في شبكة الانترنت، وتزايد عدد المدونات الإلكترونية وارتفاع عدد مستخدمي مواقع الشبكات الاجتماعية، مثل: ماي سبيس (Myspace)، وسكند لايف (Second Life)، وفيسبوك، ويوتيوب، والتدوين المصغر ممثلًا في موقع تويتر، وغيرها من المواقع. هذا إضافة إلى تزايد استخدام الميديا التقليدية للعُدَّة التكنولوجية المعاصرة. وقامت هذه البحوث بمقارنة الاستخدامات والإشباعات التي يحققها الجمهور من الميديا التقليدية وتلك التي يحققها من الميديا الحديثة، مثل التليفزيون التفاعلي، وذلك انطلاقًا من الإمكانية التقنية التي تمنحها هذه المواقع للمستخدم بحيث يستطيع أن يشارك في إنتاج المحتويات المتداولة فيها ويحتمل أنه يستطيع أن يتحكم فيما يستخدم. ليس هذا فحسب، بل حاولت هذه النظرية الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الاستخدام المتزايد لمواقع الشبكات الاجتماعية على الصعيدين الكمي والوقتي: عدد المستخدمين ومواقع الشبكات الاجتماعية التي يستخدمونها، والوقت المخصص للاستخدام، والإشباعات التي تدفع الجماعات الافتراضية إلى استخدام موقع هذه الشبكة الاجتماعية أو تلك أو الكفِّ عن استخدامها، "وهل الإشباعات تتغير مع الوقت أم تظل ذاتها مهما طالت مدة الاستخدام أم تتغير؟".

        عبَّرت هذه الأسئلة عن العديد من الهواجس البحثية، نذكر منها: الهاجس التسويقي لتلبية حاجة المؤسسات التجارية ووكالات الإعلان والعلاقات العامة لمعرفة ماذا يجذب المستخدمين في مواقع شبكة الإنترنت ومنصاتها الرقمية؛ وذلك من أجل التواصل مع زبائنها بشكل أكثر فاعلية، ثم هناك الهاجس الاجتماعي الذي يعبِّر عن الرغبة في معرفة الاختلاف بين مواقع الشبكات الاجتماعية ومدى قدرتها على تعزيز العلاقات الإنسانية عبر الصداقة واللعب وتشكيل رأسمال اجتماعي، فضلًا عن الهاجس الاتصالي لمعرفة لماذا ينأى الشباب عن الاتصال المباشر وجهًا لوجه ويتجهون إلى أشكال الاتصال الرقمي، ويتهافتون على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وأي موقع من مواقع الشبكات الاجتماعية أقدر على إشباع حاجاتهم الاتصالية المستجدة.

        تؤكد مراجعة أدبيات هذه المقاربة أن قائمة الاستخدامات والإشباعات المحقَّقة من مواقع الشبكات الاجتماعية الأكثر تواترًا تتضمن: التواصل مع الغير، والبحث عن الأخبار، والتنشئة الاجتماعية بتعزيز الانتماء، وكسب صداقات جديدة وتنشيط القديمة، والترفيه والتسلية والهروب من الواقع، وإبراز الذات والمكانة الشخصية.

        نظرية الاستخدامات والإشباعات والبحث في البيئة الإعلامية الرقمية بالمنطقة العربية

        للوقوف على التوجه العام للبحوث "العربية" التي استعانت بنظرية الاستخدامات والإشباعات التي طُبِّقت على البيئة الإعلامية والاتصالية الرقمية اعتمدنا على "ميتا التحليل الكيفي" (Qualitative meta-analysis) والتي تُعَدُّ منهجًا حديثًا جدًّا. لقد انبثق هذا المنهج عن "ميتا دراسة" (Meta-Study) التي يشرحها الباحث تشانينج زهو Shanyang Zhao)) بالقول: إنها تدرس نتائج وصيرورة الدراسات السابقة، فهناك ظاهرة ما نقوم بدراستها وتحليلها، ثم تأتي دراسة ثانية لتحلِّل الدراسة الأولى. إن هدف "ميتا دراسة" لا يقف عند تلخيص نتائج الدراسات السابقة، بل التفكير في صيرورتها، ودليلها في ذلك السؤالان الآتيان: "أين وصلنا في هذه الدراسات؟ وإلى أين نريد أن نمضي؟.     

        نميل إلى القول: إن جُلَّ البحوث "العربية" التي تناولت مواقع الشبكات الاجتماعية في إطار علوم الإعلام والاتصال استعانت بنظرية الاستخدامات والإشباعات إلى درجة بات الاعتقاد لدى قطاع واسع من الطلبة ودارسي علوم الإعلام والاتصال أنه لا توجد نظرية غيرها لدراسة هذه المواقع! بدليل أنه زُجَّ بها لدراسة بعض الموضوعات، مثل: تأثير استخدام مواقع التواصل الاجتماعي على الممارسة اللغوية بدل تطور الممارسات اللغوية في هذه المواقع، ودور مواقع التواصل الاجتماعي في التغيير السياسي في الدول العربية، وغيرها من المواضيع المشابهة! وغني عن القول: إن هذه النظرية وما وظَّفته من عُدَّة منهجية لا تفيد دراسة مثل هذه المواضيع، بصيغتها المذكورة، التي تتطلب مقاربات نظرية أخرى غير وظيفية لفهمها وتفسيرها.

        ب‌-     نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام:

         تعتمد فكرة هذه النظرية على أن استخدامنا لوسائل الإعلام لا يتم بمعزل عن تأثير المجتمع الذي نعيش داخله، على أن قدرة وسائل الإعلام على التأثير تزداد عندما تقوم هذه الوسائل بوظيفة نقل المعلومات بشكل مميز ومكثف .

        نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام الأسس والمنطلقات: لقدقدم كل من “ديفلير وروكيتش” Defleur & Ball Rokeach نموذج الاعتماد على وسائل الإعلام (Dependency Model of Mass Communication or Media Dependency ) لأول مرة عام (1976)، ويمكن تناول النظرية عبر العديد من المحاور الأساسية:

        أولاً: أهمية النظرية/ النموذج:

        ويعد هذا النموذج من أبرز التحولات في مجال بحوث التأثير وضع ملامح محدده لبناء نظريات الإعلام التي تقدم نظرة شاملة لدور وسائل الإعلام في إطار ما يسمى بالنظريات المتكاملة Integrated Theories وذلك للأسباب التالية :

        _تتضمن نظرية “الاعتماد على وسائل الإعلام” بعض العناصر من علم الاجتماع Sociology وبعض المفاهيم من علم النفس.

        _تفسر نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام العلاقات السببية بين الأنظمة المختلفة في المجتمع مما يؤدى لتكامل هذه الأنظمة مع بعضها البعض.

        _تجمع نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام بين العناصر الرئيسية لنموذج “الاستخدامات والإشباعات” من جانب ونظريات التأثير التقليدية من جانب آخر.. وذلك على الرغم من أن محور اهتمامها لا ينصب على معرفة تأثيرات وسائل الإعلام في حد ذاتها بقدر ما يهدف لتفسير لماذا تتراوح تأثيرات هذه الوسائل بين القوة والمباشرة أحيانا والضعف وغير المباشرة أحيانا أخرى.

        _تقدم هذه النظرية نظرة فلسفية تجمع بين الاهتمامات التقليدية بمضمون الرسائل الإعلامية والتأثيرات التي تصيب الجمهور نتيجة التعرض لهذا المضمون.

        وتعتبر نظرية “الاعتماد على وسائل الإعلام” في مجملها نظرية بيئية حيث تركز على العلاقات القائمة بين الأنظمة المختلفة بالمجتمع الواحد انطلاقًا من قاعدة أن المجتمع عبارة عن تركيب عضوي متعدد الأنظمة ما بين “أنظمة صغيرة وأخرى كبيرة” تترابط وتتفاعل سويا في علاقات متبادلة ومن بينها علاقة وسائل الإعلام بالأفراد والجماعات والمنظمات والنظم الاجتماعية .
        وهكذا يشكل منظور اعتماد الفرد على وسائل الإعلام جزءا من نظرية الاعتماد المتبادل بين وسائل الإعلام والنظم الاجتماعية والذي يشكل بدور علاقات الجمهور مع وسائل الإعلام داخل المجتمع .

        ثانياً: النظرية وأهداف وسائل الإعلام:

        ويقوم نموذج أو نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام على ركيزتين أساسيتين هما الأهداف والمصادر حيث أنه لكي يحقق الأفراد والجماعات والمنظمات المختلفة أهدافهم الشخصية والاجتماعية فإن عليهم الاعتماد على موارد يسيطر عليها أشخاص أو جماعات أو منظمات أخرى والعكس صحيح ويرى كل من “ديفلير وروكيتش” أن الأهداف التي يسعى الأفراد إلى تحقيقها هي :

        _الفهم Understand social world ، ويقصد به معرفة الذات من خلال التعلم والحصول على الخبرات وذلك بالاحتكاك المباشر بالنظام الاجتماعي وكذلك الفهم الاجتماعي للبيئة المحيطة ومحاولة تفسيرها.

        _التوجيه والإرشاد Act Meaning Fully &_ Effectively ، وتعنى التفاعل بين الأفراد في المجتمع بما يضمنه من توجيه ذاتي باتجاه القرارات المناسبة مثلا أو المشاركة السياسية، وكذلك التوجيه الجماعي التفاعلي كما في كيفية التعامل مع المواقف الجديدة أو الطارئة

        _التسلية والهروب Fantasy & Escape ، ويعنى هنا بالتسلية المعنى السلبي أو ما يطلق عليه التسلية المنعزلة مثل التماس الراحة والاسترخاء، بينما يقصد بالهروب التسلية الاجتماعية وذلك بالتعامل المكثف مع وسائل الإعلام بالذهاب للسينما برفقة الأصدقاء أو مشاهدة التليفزيون برفقة الأسرة.

        _توفير المعلومات: فوسائل الإعلام عبارة عن نظام معلومات يسعى إليه الأفراد من أجل بلوغ أهدافهم، وتتحكم وسائل الإعلام في ثلاثة أنواع من مصادر المعلومات هي: تجميع المعلومات عن طريق المندوبين والمراسلين المكلفين بذلك. وتنسيق المعلومات؛ أي تنقيح ما تم تجميعه من معلومات لكي تخرج بالصورة المناسبة، ونشر المعلومات عن طريق توزيع ما سبق تجميعه وتنسيقه من معلومات إلى عدد غير محدود من الجمهور .

         

        ثالثاً: فروض نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام: تقوم هذه النظرية على عدد من الافتراضات هي:

        _تختلف المجتمعات وفقا لدرجة استقرارها وكلما زادت حالات الاضطراب وعدم الاستقرار في مجتمع ما كلما زاد اعتماد أفراد المجتمع على وسائل الإعلام.

        _كلما كان النظام الإعلامي القائم في مجتمع ما قادرا على تحقيق أهداف الجمهور في هذا المجتمع وإشباع احتياجاته كلما زاد اعتماد الجمهور على وسائل الإعلام.

        _تختلف درجة الاعتماد على وسائل الإعلام بين الجمهور وفقا لظروفهم وخصائصهم وأهدافهم.

         

        رابعاً: تأثيرات وسائل الإعلام:

        _ التأثيرات المعرفية: ـCognitive Effects: وتشتمل الآثار المعرفية لوسائل الإعلام وفقا لنظرية الاعتماد على وسائل الإعلام ما يلي:

        _الغموضAmbiguity ، حيث يصادف الشخص مشكلة الغموض هذه في حال نقص المعلومات المتاحة لدى الجمهور مما يدفعه للجوء إلى وسائل الإعلام المختلفة لإزالة هذا الغموض ولاسيما في أوقات الأزمات أو الكوارث والحروب والثورات.

        _تكوين الاتجاهات Attitude Formation ، حيث تقوم وسائل الإعلام بدورها في عملية تشكيل اتجاهات الأفراد تجاه الموضوعات والقضايا المختلفة وذلك من خلال دفعها بالعديد من الآراء والأفكار والشخصيات التي تثير اهتمام المتلقي وخاصة في الأحوال الاستثنائية أوقات الحروب والاضطرابات.

        _ترتيب الأولويات Agenda Setting ، وذلك من خلال دور وسائل الإعلام في ترتيب اهتمامات جمهور المتلقين من بين ما تثيره من موضوعات وأفكار بحسب ترتيب الوسائل ذاتها لهذه الموضوعات.

        _اتساع المعتقدات (Enlargement Ideas )، وذلك بالتأثير على نظم معتقدات الأفراد بزيادتها إما من خلال زيادة الفئات التي تنضم لهذه المعتقدات وتقوم بتنظيمها في إطار محدد أو من خلال زيادة المعتقدات في كل فئة.

        _القيم Values ، وهي مجموعة القيم والمبادئ التي يشترك فيها أفراد جماعه ما يرغبون في ترويجها والحفاظ عليها كقيم التسامح والمساواة وتقوم وسائل الإعلام بدور كبير في توضيح أهمية هذه القيم.

        _ التأثيرات الوجدانية: Affective Effects وهي التأثيرات المتعلقة بالمشاعر والأحاسيس من الحب والكراهية وغيرها، حيث تلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا في التأثير الوجداني والعاطفي من خلال هذه التاثيرات:

        _الفتور العاطفيDesensitization ، ويشير هذا النوع من التأثير إلى احتمالية حدوث نوع من الفتور العاطفي نتيجة التعرض المفرط لموضوعات ومشاهد العنف في المحتوى الإعلامي مما قد ينتج عنه نوع من الفتور وعدم الرغبة في مساعدة الآخرين، وإن كان علماء الاجتماع لم يبدوا اهتمام بتأثيرات العنف على مشاعر المتلقين للوسائل الإعلامية حيث يرى بعض هؤلاء العلماء أن تأثير التعرض لمشاهد العنف يتناقص بمرور الوقت .

        _الخوف والقلق Fear and Anxiety ، حيث أن تعرض الأفراد لما تقدمه وسائل الإعلام من مواد تثير الخوف والرعب ومشاعر القلق تنعكس على المتلقين نتيجة الخوف من الوقوع كضحايا لأعمال مماثله لما يشاهدونه من أحداث.

        _الدعم المعنوي والاغتراب Morale and Alienation ، ويحدث هذا التأثير نتيجة الرسائل الإعلامية والمعلومات ذات التأثير المباشر على معنويات الأفراد ومستوى الأخلاق لديهم، فالمجتمعات التي تقوم فيها وسائل الإعلام بأدوار اتصاليه لرفع الحالة المعنوية لدى الشعور الجمعي والتوحيد والاندماج ولاسيما إذا ما كانت هذه الوسائل تعكس الفئات الاجتماعية التي ينتمي إليها المتلقي، ويزداد اغتراب الفرد حينما لا يجد معلومات معبره عن نفسه وثقافته وانتماءاته العرقية والدينية والسياسية من خلال وسائل الاعلام.

         

        _التأثيرات السلوكية: Behavioral Effects من أهم التأثيرات السلوكية لوسائل الإعلام:

         الفعل أو فقدان الرغبة في هذا الفعل وهذان التأثيران هما نتيجة مباشرة للتأثيرات المعرفية والوجدانية، وتنقسم التأثيرات السلوكية بحسب نموذج الاعتماد إلى: (التنشيط Activation ، وهو يعنى قيام الفرد بعمل ما نتيجة التعرض للوسيلة الإعلامية وهو المنتج النهائي لربط الآثار المعرفية والوجدانية وقد يكون التنشيط عمل مفيد اجتماعيا كما في الإقلاع عن التدخين، المشاركة السياسية، أو ضار اجتماعيًا كما في محاكاة السلوكيات السيئة كالعنف والجريمة والخمول Deactivation ، والخمول هو تجنب القيام بالفعل وقد يحدث هذا التأثير نتيجة تغطية إعلامية مبالغ فيها بما ينعكس على السلوك الشخصي للمتلقي مثل العزوف عن المشاركة السياسية، أو الابتعاد عن الأنشطة المجتمعي).

         

        خامساً: تقييم النظرية: مميزات نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام :

        _تقدم نظرية الاعتماد نموذجا مفتوحا يشمل العديد من التأثيرات المحتملة مع تجنب النماذج الداعمة لعدم وجود تأثيرات لوسائل الإعلام، مما دعا البعض إلى تسميتها بالنموذج العارض في بعض الأحيان Contingency Model

        _يهتم النموذج بالحالات البنائية والظروف التاريخية أكثر من المتغيرات الفردية ولذلك تعد نظرية الاعتماد من أفضل النماذج الاتصالية والأكثر ملائمة للتعامل مع النظام الاجتماعي والأسئلة النفسية.

        _يؤكد نموذج نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام على حقيقة هامة مفادها: أن التأثير الواقع على الجمهور المتلقي من قبل وسائل الإعلام من شأنه أن يؤثر على النظام الاجتماعي بأكمله وكذلك على النظام الإعلامي ذاته في مرحلة تالية.

         

        أوجه النقد الموجهة لنظرية الاعتماد على وسائل الإعلام:

        حيث يكمن ضعف هذه النظرية في مبالغتها في تقييم اعتماد الأفراد على وسائل الإعلام الجماهيري، وإغفالها لدور وسائل الاتصال الشخصي رغم أهميته في التأثير على معارف واتجاهات الافراد، ورغم منطقية هذه الانتقادات إلا أن الردود عليها بدت أكثر منطقية، فالنظرية تقدم تفسيرا لذلك، حيث أن هناك زيادة في الاعتماد على وسائل الإعلام إبان الأزمات والكوارث وظروف القلق وعدم الاستقرار، وقد أثبتت البحوث والدراسات ذات الصلة تحقق هذه الفرضية، كما يحسب لأصحاب النظرية الوعي بأهمية التفرقة بين استخدامات وسائل الإعلام وبين الاعتماد عليها كمصادر للمعلومات.

        ان نظرية الاعتماد على وسائل الإعلام (بالإنجليزيةMedia system dependency theory)‏ وتعني عملية توظيف للمعلومات التي تم التعرض لها في وسيلة معينة لاتخاذ قرار بشأن موضوع ما، وتعد من أهم النظريات التي اهتمت بدراسة عملية التأثير، وتتميز بأنها نظرية متكاملة حيث تتضمن عناصر ومفاهيم من علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي[1]، أُنشئت النظرية على يد الباحثة ساندرا بول روكيتش وزملائها عام 1974.

        تشمل التأثيرات المعرفية التالي :

        _تساهم وسائل الإعلام في تعزيز قيم وعادات المجتمع من خلال طرحها في القنوات الاعلامية المختلفة.                                                                                                                        _تؤثر وسائل الإعلام في تشكيل اتجاهات و سلوك الأفراد بالتالي تؤثر على معتقداتهم في نواحي مثل الدين والسياسة.                                                                                                                      _تعد الوسيلة الاعلامية الاداة الأكثر تأثيراً على المشاهد وتعمل على ترتيب الأولويات بما يتفق مع المجتمع والأحداث المهمة.                                                                                                       _تكوين الاتجاهات الفكرية لدى الأفراد يتشكل من خلال محتوى الوسيلة الإعلامية.                                                  _نقص المعلومات أو تذبذبها يحدث غموض لدى الجمهور، تلاحظ في القضايا السياسية.

         

        الآثار الوجدانية لنظرية الاعتماد: تتأثر مشاعر الأفراد المتلقين بما يعرض في وسائل الإعلام، وتشمل التأثيرات الوجدانية التالي :

        _التعرض الشديد لمشاهد العنف في وسائل الإعلام ينتج عنه ما يسمى بالفتور العاطفي أو اللامبالاة تجاه الأحداث.                                                                                                                     _التعرض لمشاهد الرعب والكوارث والاغتيالات تثير لدى المتلقي بالخوف والقلق والشعور بعدم السعادة.                                                                                                                _تصاعد مشاعر الدعم المعنوي للأشخاص المغتربين حين تعرضهم لوسائل الاعلام ومشاهدة ما يجري على أرض الوطن.

         

        الآثار السلوكية لنظرية الاعتماد: وهي نتاج التأثيرات المعرفية والوجدانية، كما تساهم الاعلانات في التأثير على سلوك الأفراد من خلال التالي:

        _التنشيط وهو قيام الجمهور باستجابة لما يعرض في الوسيلة الاعلامية، مثل: التبرع المادي، أو المطالبة بحقوق ما.

        _الخمول وهو عكس النشاط ويتمثل في عدم المشاركة السياسية، أو أي نشاط يخدم المجتمع.


        • أنواع نظريات الاتصال الجماهيري/ النظريات المتعلقة بنوع التاثير الذي تحدثه وسائل الاتصال في الجمهور

          النظريات المتعلقة بنوع التأثير الإعلامي الذي تحدثه وسائل الإعلام في الجمهور. وهو على ثلاثة أنواع:

           

          أ: التأثير المباشر(قصير المدى): يرى هذا النوع من النظريات، التأثير المباشر لوسائل الإعلام في الجمهور. ومن هذه النظريات نظرية الرصاصة الإعلامية.

          ب: نظريات التأثير التراكمي (طويل المدى): يرى هذا النوع من النظريات أن تأثير وسائل الإعلام لا يظهر مباشرة، وإنما بعد فترة زمنية طويلة من خلال تراكم المتابعة الإعلامية. ومن أمثلة هذا النوع نظرية دوامة الصمت القائمة على فرضية: أن قيام وسائل الإعلام بعرض رأي الأغلبية، يقلل من أفراد الرأي المعارض.

          أ: نظريات التأثير المعتدل لوسائل الإعلام: يرى المنظرون لهذا التصنيف أن وسائل الإعلام تعمل داخل نظام اجتماعي، وتراعي الخصائص النفسية والاجتماعية للجمهور، وأنه ينبغي مراعاة جميع الظروف والعناصر المتصلة بالاتصال. ومن هذه النظريات، نظرية ترتيب الأولويات .

          1-نظرية التأثير المباشر- نظرية الحقنة تحت الجلد):

          الرصاصة السحرية هي مفهوم علمي طوره الألماني الحائز على جائزة نوبل بول إيرليش في عام 1907. أثناء عمله في معهد العلاج التجريبي، توصل إيرليش إلى فكرة أنه يمكن قتل ميكروبات معينة (مثل البكتيريا) التي تسبب أمراضًا في الجسم دون الإضرار بالجسم نفسه. أطلق عليه اسم Zauberkugel والذي يعني [الكرة السحرية في اللغة الألمانيّة]، واستخدم الترجمة الإنجليزية "Magic bullet" في بعض محاضراته في لندن، وقد تصور(-إيرليش) أنه تمامًا مثل الرصاصة التي تطلق من مسدس لتصل إلى هدف معين، حيث أعتقد أنه يمكن أن تكون هناك طريقة لاستهداف الميكروبات على وجه التحديد دون الإضرار بالخلايا المحيطه. أدى بحثه المستمر لاكتشاف الرصاصة السحرية إلى مزيد من المعرفة بوظائف الجهاز المناعي للجسم، وكذلك تطوير عقار جديد يطلق عليه سالفارسان، أول دواء فعال لمرض الزهري، في عام 1909. كانت أعماله أساس علم المناعة، ومن أجل إسهاماته شارك إيلي ميتشنيكوف في جائزة نوبل عام 1908 في علم وظائف الأعضاء أو الطب.

          يُطلق على اكتشاف إيرليش لسالفارسان في عام 1909 لعلاج مرض الزهري أول رصاصة سحرية، أدى ذلك إلى تأسيس مفهوم العلاج الكيميائي.

          الأبحاث العلمية عن الأجسام المضادة

          في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، بدأ بول إيرليش العمل مع إميل بيرينغ، أستاذ الطب بجامعة ماربورغ. كان بيرينغ يتحقق من تأثير المواد المضادة للبكتيريا واكتشف مضادًا لسم مرض الخناق. (بالنسبة لهذا الاكتشاف، كان بيرنج أول من حصل على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب عام 1901. تم ترشيح إرليخ أيضًا لتلك السنة، من خلال الإطلاع على أعمال بيرينج، أدرك إيرليش أن الأجسام المضادة المنتجة في الدم يمكن أن تهاجم مسببات الأمراض التي تجتاح الجسم دون أي تأثير ضار على الجسم. وتكهن أن هذه الأجسام المضادة تعمل كرصاصات تطلق من مسدس لاستهداف ميكروبات معينة. ولكن بعد إجراء مزيد من البحث، أدرك أن الأجسام المضادة تفشل أحيانًا في قتل الميكروبات مما قاده إلى التخلي عن فكرته الأولى عن الرصاصة السحرية.

          البحث عن صبغة الزرنيخ

          انضم إيرليش إلى معهد العلاج التجريبي في فرانكفورت أم ماين، ألمانيا، في عام 1899، ليصبح مديرًا لمعهد أبحاثه Georg-Speyer Haus في عام 1906. ركز بحثه هنا على اختبار الأصباغ الزرنيخية لقتل الميكروبات. كان الزرنيخ سمًا سيئ السمعة، وقد تم انتقاد محاولته وتم الاستهزاء به علنًا باعتباره «دكتور فانتاسوس» الخيالي، لكن الأساس المنطقي لإيرليش كان أن التركيب الكيميائي الذي يسمى السلسلة الجانبية يشكل أجسامًا مضادة ترتبط بالسموم (مثل مسببات الأمراض ومنتجاتها)؛ وبالمثل، يمكن أن تنتج الأصباغ الكيميائية مثل مركبات الزرنيخ مثل هذه السلاسل الجانبية لقتل نفس الميكروبات. قاده هذا إلى اقتراح مفهوم جديد يسمى «نظرية السلسلة الجانبية». (في وقت لاحق من عام 1900، راجع مفهومه ليصبح «فرضية المستقبلات».) بناءً على نظريته الجديدة، افترض أنه من أجل قتل الميكروبات، «علينا أن نتعلم كيفية تصويبها كيميائيًا.

          كان معهده مناسبًا لأنه كان مجاورًا لمصنع صبغ ثم بدأ باختبار عدد من المركبات ضد الميكروبات المختلفة. كان خلال بحثه أنه صاغ مصطلحيالعلاج الكيميائي " و"الرصاصة السحرية". على الرغم من أنه استخدم الكلمة الألمانية zauberkugel في كتاباته السابقة، إلا أن المرة الأولى التي قدم فيها المصطلح الإنجليزي كان في محاضرة هاربين والتي أقيمت في لندن عام 1908" بحلول عام 1901، بمساعدة عالم الأحياء الدقيقة الياباني كيوشي شيغا، أجرى إيرليش تجارب على مئات الأصباغ على الفئران المصابة بمرض المثقبيات، وهو طفيلي من الأوالي يسبب مرض النوم. وفي عام 1904 نجحوا في تحضير صبغة زرنيخ حمراء أطلقوا عليها اسم Trypan Red لعلاج مرض النوم..

          اكتشاف أول رصاصة سحرية - عقار سالفارسان

          في عام 1906 طور إرليش مشتقًا جديدًا من مركب الزرنيخ، والذي أطلق عليه اسم المركب 606 (الرقم الذي يمثل سلسلة جميع مركباته المختبرة). كان المركب فعالاً ضد عدوى الملاريا في حيوانات التجارب.[2] وفي عام 1905، حدد فريتز شاودين وإريك هوفمان بكتيريا اللولبية الشاحبة على أنها الكائن الحي المسبب لمرض الزهري. بهذه المعرفة الجديدة، اختبر إرليش المركب 606 (أرسفينامين كيميائيًا) على أرنب مصاب بمرض الزهري. لم يعترف بفعاليتها. راجع Sahachiro Hata عمل Ehrlich ووجد في 31 أغسطس 1909 أن الأرنب، الذي تم حقنه بـ Salvarsan 606، قد تم شفاؤه باستخدام جرعة واحدة فقط، ولم يظهر الأرنب أي تأثير سلبي.

          تضمن إجراء العلاج الطبيعي لمرض الزهري في ذلك الوقت الحقن الروتيني بالزئبق لمدة سنتين إلى أربع سنوات. أجرى إيرليش، بعد تلقي هذه المعلومات، تجارب على مرضى بشريين بنفس النجاح. بعد تجارب سريرية مقنعة، تم إعطاء المركب رقم 606 الاسم التجاري «سالفارسان»، وهو عبارة عن وعاء "لحفظ الزرنيخ" تم تقديم سالفارسان تجارياً في عام 1910، وفي عام 1913، تم طرح شكل أقل سمية، «نيوسالفارسان» (المركب 914)، في السوق. أصبحت هذه الأدوية العلاجات الرئيسية لمرض الزهري حتى ظهور البنسلين وغيره من المضادات الحيوية الجديدة في منتصف القرن العشرين.

          ابتكر إيرليش مفهوم الرصاصة السحرية على أساس تطوير مادة arsphenamine وقدم العبارة الإنجليزية "Magic bullet" في محاضرات Harben لعام 1907 للمعهد الملكي للصحة العامة في لندن، ومع ذلك، فقد استخدم الكلمة الألمانية Zauberkugel والتي تعني [الكرة السحرية في اللغة الألمانيّة] في أعماله السابقة حول نظرية السلسلة الجانبية.[12] أصبحت الرصاصة السحرية أساس البحث الصيدلاني الحديث.

          ب- نظريات التأثير المعتدل:

          اتجاه  التأثيرات المعتدلة/ المحدودة: سرعان ما تم التخلي عن فكرة أن التعرض لوسائل الإعلام ينتج تأثيرات فورية ومتساوية على الجمهور وذلك على إثر حدثين رئيسين هما: أولا انتشار البحوث الإمبريقية على نطاق واسع، وظهور نتائج للدراسات تتعارض مع نظرية الرصاصة السحرية، وثانيا توصل علماء النفس والاجتماع إلى نتائج جديدة تماما حول الخصائص الشخصية والاجتماعية للإنسان/ هكذا، تحولت البحوث الاتصالية من التأثير المباشر الذي تمثله نظرية الحقنة تحت الجلد إلى نظريات التأثير غير المباشر والتي ترى بتداخل عوامل أخرى تؤثر في تعرض الجمهور للإعلام وأن الجمهور إيجابي ونشط ويختار من الوسائل والمضامين ما يشبع رغباته واحتياجاته، وعلى عكس الاتجاه السابق للدراسات، أصبح التساؤل المطروح هو "ماذا يفعل الأفراد بوسائل الإعلام؟" بعد أن كان التساؤل القائم "ماذا تفعل وسائل الإعلام بالأفراد؟"

          وشهدت المرحلة ما بين عام 1940 وحتى فترة الستينات نشاطا مكثفا في مجال البحوث الإعلامية أخذت في اعتبارها العديد من الأوجه المهمة في الاتصال الإنساني وبدأت تنظر إلى عملية الاتصال بوصفها عملية دائرية ومتكررة وليست خطية أو مستقيمة مع تأكيد فكرة أن المتلقين ليسوا سلبيين وإنما يقومون بعمليات إدراك وتفسير وتذكر انتقائية للرسائل الإعلامية.                                  

                  ومن خلال حصيلة عامة لهذه البحوث، نشـأت نظريات التأثير الاصطفائي (الاختياري) وهي عبارة عن صياغات متفرقة، غير أنها مترابطة ومتفاعلة فيما بينها وهي: نظرية الفروق الفردية، نظرية التباين الاجتماعي ونظرية العلاقات الاجتماعية. وكانت هذه النظريات بنقضها لفروض نظرية الرصاصة، بمثابة طريق ممهد لبروز وانتشار نظرية "الاستخدامات والإشباعات" وغيرها من النظريات، من خلال منحها للجمهور حيزا من السيادة في عملية اختيار المضمون الإعلامي، وتتلخص هذه المبادئ في (مبدأ الاهتمام الانتقائي، مبدأ الإدراك الانتقائي، مبدأ التذكر الانتقائي، مبدأ التصرف الانتقائي)

          1-نظرية ترتيب الاولويات (وضع الاجندة):

          تفترض نظرية ترتيب الأولويات وجود علاقة بين القضايا التي توليها وسائل الإعلام مزيدًا من الاهتمام وبين تزايد اهتمام الجماهير بتلك القضايا، فترتيب الأولويات يعني بنقل البروز والاهتمام وتحريك القضايا من أجندة وسائل الاعلام إلى اجندة الجمهور، وقد ذكر نورتن لانج ان منتديات إلكترونية تعدُّ المحرك الأول في وضع الأولويات المحلية وأنها تلعب دورًا كبيرًا في تحديد ما يتحدث عنه الأفراد وما يفكرون فيه.

          الافتراضات الأساسية للنظرية

          نظرية ترتيب الأولويات هي عملية خلق وعي واهتمام جماهيري من القضايا البارزة عبر وسائل الإعلام. هنالك افتراضان يشكلان أساس معظم الأبحاث في نظرية ترتيب الأولويات: الصحافة والإعلام لا تعكس الواقع، بل تصفيها وتشكلها. يكون تركيز الإعلام على عدد قليل من القضايا والموضوعات العامة والتي تؤدي بالعوام إلى اعتبار تلك القضايا على أنها أكثر أهمية من قضايا أخرى. واحدة من الجوانب الأكثر أهمية في مفهوم ترتيب الأولويات للتواصل الجماعي هو الإطار الزمني لظاهرة ما. أضف على ذلك أن كل وسيلة إعلام لديها جدول ترتيب أولويات خاص بها.

          التأثيرات الإدراكية لترتيب الأولويات

          يحدث ترتيب الأوليات عبر عملية إدراكية تدعى ب«إمكانية الوصول», أي أن تكرار وبروز القضية التي تغطيها وسائل الأخبار الإعلامية، تصبح أكثر قابلية للوصول في ذاكرة الجماهير. في أحد الدراسات التي سئل فيها الناس عن أهم المصائب التي تواجهها البلاد كانت الأجوبة للخبر الأكثر وصولاً للذاكرة، والذي عادة هي القضية التي تركز عليها وسائل الأخبار الإعلامية بكثرة. لا يكون تأثير ترتيب الأولويات نتيجة استقبال رسالة أو عدد قليل من الرسائل، بل يكون نتيجة تأثير تراكم عدد كبير جدا من الرسائل، كل رسالة لها محتوى مختلف ولكن كلها تتعامل مع نفس القضية الأساسية.

          وتهتم وسائل الإعلام في تغطية المسائل العامة وترتيب الأولويات على وجه الخصوص لديها تأثير قوي بتوجيه أفكار الأفراد في ماذا يفكر الأفراد الآخرون، وبالتالي فإن تلك الأفراد تميل إلى تخصيص المزيد من الأهمية إلى القضايا التي تم تغطيتها على نطاق أوسع عبر وسائل الإعلام.

          ج-نظريات التاثير المعتدل

          وضع الأجندة وترتيب الأولويات : ويمكن توضيح هذا الأسلوب بالنقاط التالية:

          1_ وسائل الإعلام لا تستطيع تقديم جميع الموضوعات ، وجميع القضايا ، وجميع الأحداث ، وجميع المشكلات التي تقع في المجتمع ولا تستطيع تقديم «جميع ذلك».                                                                                2_ وبناء عليه يختار القائمون على وسائل الإعلام "بعض" الموضوعات والقضايا ، التي يتم التركيز عليها بشدة، والتحكم في طبيعتها ومحتواها.                                                                                        3- هذه الموضوعات تبدا في إثارة اهتمامات الناس تدريجية، وتجعلهم يدركونها ويفكرون فيها، ويقلقون بشأنها ، وبالتالي تمثل لدى الجماهير أهمية أكبر نسبيا من الموضوعات الأخرى التي لا تطرحها وسائل الإعلام.                                                                                                       4_لذلك يقال : "إن وسائل الإعلام لا تنجح دائما في إبلاغ الجماهير كيف يفكرون ؟ ، ولكنها تنجح في إبلاغهم عما يجب أن يفكروا فيه" .

          1-ماهية نظرية وضع الأجندة ومراحل تطورها

          أ: مفهوم وضع الأجندة: مسماها يوحي بمعناها الترتيبي (الأهم فالأقل أهمية)، لذلك فإن وضع الأجندة هي: عملية تهدف إلى إعادة صياغة جميع الأحداث التي تقع في البيئة المحيطة بنا إلى نموذج بسيط قبل أن نتعامل معها، وتعتبر هذه النظرية من نظريات التأثير المعتدلة (أي بعيدة المدى في التأثير)، ومن خلال ما سبق يتضح أن نظرية وضع الأجندة:    (هي عبارة عن إعادة صياغة الأحداث المحيطة بقالب جدید, يتم ترتيب أهميتها في الوسيلة الإعلامية بما يتناسب مع السياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية بهدف إقناع الجمهور وتغيير اتجاهه بما يتوافق مع التوجهات الإيديولوجية لتلك الوسيلة).

          ب- من العوامل المؤثرة في ترتيب الأجندة وترتيب الأولويات :

          _ طبيعة القضايا: ترتيب الأولويات يحقق نتائج قوية مع القضايا غير الملموسة للجمهور ، بحيث تصبح تلك القضايا ملموسة بعد فترة من التغطية الإعلامية المتكررة .                                                 _أهمية القضايا: الترتيب الأولويات ينجح مع القضايا التي تسبب التهديد والخوف مثل التلوث والإيدز أكثر من القضايا التي لا تسبب تهديدا مباشرة مثل الإجهاض.                                                           _توقيت إثارة القضايا: ترتيب الأولويات ينجح بشكل كبير باختيار التوقيت الدقيق لإثارة القضايا واستغلال الفرص والظروف المناسبة لذلك.                                                                                                    _ نوع الوسيلة المستخدمة : ترتيب الأولويات في التلفزيون يحقق نتائج فعالة على المدى القصير، أما في الصحف فهو يحقق تأثيرات أقوى على المدى البعيد.

          وظائف نظرية وضع الأجندة:

          1_عرض وسائل الإعلام لقضية معينة يزيد من وعي الجماهير لتلك القضية، وبالتالي يمكن تمييز القضية الهامة من بين القضايا التي تعرضها وسائل الاعلام.                                                                             2_ تقوم هذه النظرية بترتيب أولويات الجمهور، وذلك للتركيز على قضايا معينة دون أخرى مثل:

          _مراقبة البيئة: يسعى المجتمع دائما للتعرف على ما يجري في البيئة الداخلية والخارجية وذلك لمواجهة كافة الظروف المتغيرة، وتقوم وسائل الاعلام دائما بالتعرف على مشكلات المجتمع، ومحاولة تقديم الحلول المختلفة لها.                                                                                              _الترابط: إن أهم ما تحاول وسائل الاعلام الوصول اليه هو محاولة ايجاد رأي عام موحد ومترابط تجاه قضية معينة دون القضايا الأخرى ما يؤدي الى وصول الى اتفاق عام تجاه القضايا المختلفة.                       _ نقل التراث الاجتماعي: تقوم وسائل الاعلام عبر السنوات المختلفة بالتركيز على أهم العادات والتقاليد السائدة في المجتمع خلال الفترات المختلفة.

          وترجع الأصول النظرية لبحوث وضع الأجندة الى (ليبمان) من خلال كتابه بعنوان الرأي العام 1922م) والذي يرى: "أن وسائل الإعلام تساعد في بناء الصور الذهنية لدى الجماهير، وفي كثير من الأحيان تقدم هذه الوسائل (بيئات زائفة) في عقول الجماهير وتعمل وسائل الإعلام على تكوين الرأي العام من خلال تقديم القضايا التي تهم المجتمع"....وقد ظهر مفهوم الاعتماد على وسائل الاعلام في السبعينيات من القرن الماضي، وكان ذلك عندما قام صاحبا كتاب نظريات وسائل الاعلام ومؤسسا نظرية الاعتماد على وسائل الاعلام وهما: "ديفلير وساندرا بول روكيتش" بملأ الفراغ الذي خلفته نظريات الاتصال السابقة، فكان منهج المؤلفان منهج النظام الاجتماعي العريض لتحليل تأثير وسائل الاعلام واقتراحهما هو الاندماج بين الجمهور ووسائل الاعلام والنظام الاجتماعي فكانت البداية الأولى لهذه النظرية.

           يرى باحثو هذه النظرية أن هناك اعتمادا متبادلا بين الاعلام الجماهيري والنظام الاجتماعي الذي ينشأ فيه. ومن جانب آخر نجد أن تحديد الدور الاجتماعي لوسائل الاعلام وكيفية استخدام الأفراد لوسائل الاعلام تأتي بعلاقات الاعتماد المتبادل بين وسائل الاعلام والنظم الاجتماعية الأخرى، فالفرد لا يستطيع السيطرة على نشر الرسائل الاعلامية المختلفة لأنه يجب الاخذ بعين الاعتبار علاقة وسائل الاعلام كنظام قائم مع النظم الاخرى فهنا يحدد ما ينشر وما لا ينشر، وكما يوحي اسم النظرية فإن العلاقة الرئيسية التي تحكمها هي علاقة الاعتماد بين وسائل الاعلام والنظام الاجتماعي والجمهور وقد تكون هذه العلاقات مع نظم وسائل الاعلام جميعها أو أحد أجزائها مثل: الصحف، المجلات، التلفزيون، السينما، ...الخ.

          افتراضات النظرية:

          _أن تأثير وسائل الاعلام يتراوح بين القوة والضعف تبعا للظروف المحيطة والخبرات السابقة.            _نظام وسائل الاعلام جزء من النسق الاجتماعي للمجتمع ولهذا النظام علاقة بالأفراد والجماعات.  _استخدام وسائل الاعلام لا يحدث بمعزل عن تأثيرات النظام الاجتماعي الذي يكون فيه الجمهور ووسائل الاتصال.                                                                                                                  _تفاعل واستخدام الجمهور لوسائل الاعلام يتأثر بتعلم الفرد من المجتمع ومن وسائل الاتصال.

           

          ركائز النظرية: تشترط النظرية شرطين أساسيين حتى يكون هناك اعتماد متبادل بين الجمهور ووسائل الاعلام وهوما: الأهداف والمصادر.

          _الاهداف: إذا قامت وسائل الاعلام بتحقيق وظائف مهمة للمجتمع زاد اعتماد المجتمع على وسائل الاعلام وأصبح الجمهور أكثر اعتمادا عليها لأنها تحقق له إشباع حاجاته المختلفة.

          _المصادر: تعتبر وسائل الاعلام وسيلة يسعى إليها الأفراد والجماعات لتحقيق أهدافهم فهي مصدرهم في ذلك. وتتحكم وسائل الاعلام في ثلاثة أمور مهمة، وهي: (جمع المعلومات، تنسيق المعلومات، نشر المعلومات وتوزيعها بصورة جماهيرية).

          آثار الاعتماد على وسائل الاعلام:  مؤسسا النظرية "ساندرا بول روكيتش وملفين ديفلير" رصدا مجموعة من النتائج والآثار عند اعتماد الأفراد على وسائل الاعلام وتم تقسيم هذه الآثار إلى ثلاث فئات أساسية:

          ‌أ.        الاثار المعرفية:

          المعلومات التي تقدمها وسائل الاعلام تؤثر معرفيا على الجمهور وهناك العديد من الجوانب التي تؤثر من خلالها وسائل الاعلام هنا كتكوين الاتجاهات، ترتيب الاولويات، توسيع المعتقدات أو الغموض (إذا قمت وسائل الاعلام معلومات ناقصة حول حدث معين مثلا)...الخ.

          ‌ب.    الاثار الوجدانية:

          يرى منظرا هذه النظرية أن لوسائل الاعلام تأثير على الوجدان ومن الاثار المتوقعة لها: الفتور العاطفي، الخوف والقلق، الدعم المعنوي، الاغتراب ...الخ.

          ‌ج.    الاثار السلوكية:

          حصر ديلفير وروكيتش الاثار السلوكية الناجمة عن الاعتماد على وسائل الاعلام في سلوكين أساسيين وهوما: التنشيط (القيام بأعمال معينة نتيجة اتخاذ مواقف بعد متابعة الاعلام) والخمول (الخذول وتجنب القيام بعمل معين بعد تغطية اعلامية تدفع الفرد إلى الملل).


          • نظريات التاثير المحدود (التراكمي) التاثير الانتقائي

            نظريات التاثير المحدود (التراكمي) التاثير الانتقائي:

            نظرية تدفق المعلومات (الاتصال) على مرحلتين –قادة الرأي

            نظرية انتقال المعلومات على مرحلتين قيادة الرأي هي القيادة من قِبل مستخدم نشط للوسائط يفسر معنى رسائل الوسائط أو المحتوى لمستخدمي الوسائط المنخفضة. عادة ما يحظي قادة الرأي بتقدير كبير من قبل أولئك الذين يقبلون آرائهم، وتأتي قيادة الرأي من نظرية تدفق من خطوتين للتواصل والتي روج لها بول لازارسفيلد ، وإلياهو كاتز كان المطورون الكبار للنظرية هم روبرت ك. ميرتون، سي رايت ميلز وبرنارد بيرلسون، هذه النظرية هي واحدة من عدة نماذج تحاول تفسير نشر الابتكارات أو الأفكار أو المنتجات التجارية، وقادة الرأي هم مجموعة من الافراد الذين لهم تأثير على سلوك الاخرين نتيجةً لتميزهم من نواح مختلفة مثل: شخصيتهم، ماراتهم، أواطلاعهم على الشأن العام. وغالباً ما يكونون أكثر استخداماً لوسائل الاتصال من غيرهم.نشأ هذا المفهوم عن نظرية تدفق الاتصال ذو الخطوتين (Two Step Flow Theory) التي اقترحها بول لازارسفيلد إليهو كاتز.

            نظرية تدفق الاتصال عبر مرحلتين اذا هي عملية أخذ المعلومات من وسائل الاعلام. تُقسم هذه النظرية تدفق المعلومات القادمة من الاعلام إلى مرحلتين. المرحلة الأولى هي انتقال المعلومات إلى قادة الرأي المهتمين بها. في المرحلة الثانية ينقل قادة الرأي المعلومات المتلقاه إلى الافراد إضافة إلى التصور الشخصي للقادة لتلك المعلومات وأراءهم وتفسريراتهم لها.ساعدت هذه النظرية في تطوير مفهوم كيفية تأثير وسائل الاعلام الجماهيري على طريقة اتخاذ القرارات لدى الافراد.

             

            قادة الرأي في التسويق: نتيجة للتأثير الذي يحدثه قائد الرأي، قد يوجه المسوقون رسالتهم إلى قادة الرأي بشكل مباشر للتأثير على الافرا بشكل أكبر،  من ذلك على سبيل المثال توجه حملة اعلانية عن منتجات خاصة بالاسنان إلى أطباء الأسنان، الذين يعتبرهم الافراد المحيطين بهم مصادر موثوقه لتلقي معلومات عن صحة الأسنان. وقد يتم تفعيل دور قادة الرأي بطلب المسوقين منهم تزكية منتج معين أو فكره معينه، وهذة الطريقة تستخدم في الاعلانات التلفزيونية العربية مثل: ظهور الشيخ سلمان العودة في اعلان السلامة المرورية، ولقد توصلت الدراسات الخاصة بدور العلاقات الاجتماعية في عملية التأثير الإعلامي إلى أن مثل هذه العلاقات تلعب دورا هاما في تعديل الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع الرسائل الإعلامية، وتبين من خلالها أن أشخاصا كثيرون كان تعرضهم المباشر لوسائل الإعلام محدود، وأن هؤلاء الأفراد حصلوا على معظم ما لديهم من معلومات عن الحملة الانتخابية من أناس آخرين تعرضوا مباشرة لوسائل الإعلام، وبدأ البحث يصل إلى أن حركة المعلومات تسري عبر مرحلتين أساسيتين، تتمثل الأولى في تعرض بعض الأشخاص لوسائل الإعلام بشكل مباشر، وفي المرحلة الثانية يبدأ نقل المعلومات عبر قنوات الاتصال الشخصي إلى أفراد لا يعتمدون على وسائل الإعلام في الحصول على المعلومات قدر اعتمادهم على الآخرين.

                ويقصد به انتقال المعلومات والأفكار على مرحلتين من خلال تلقي الناس للمعلومات التي تبثها وسائل الإعلام ومن خلال تفسيرات قادة الرأي لهذه المعلومات، ففي السابق كان يظن أن لوسائل الإعلام التأثير المطلق في المتلقي، إلا أن هذه النظرية تثبت عكس ذلك، فالرسائل تنتقل من وسائل الإعلام إلى قادة الرأي ومن ثم إلى الجماهير، مع التنبيه إلى أن قيادة الرأي تختلف من وقت إلى آخر ومن موضوع إلى آخر وتبعا لتغير الموقف، وفي مرحلة متقدمة من تطور النظرية كتب جوزيف كلابر أن قوة قوة وسائل الإعلام و تأثيرها يجب أن ينظر إليها من خلال العمليات الانتقائية التي تحد من تأثير وسائل الإعلام، وتتمثل العمليات الانتقائية، فالمتلقي يقوم بانتقاء المعلومات التي توافق ميوله  وأفكاره اهتماماته، ويقوم بتفسير انتقائي للمعلومات وفقا لذاته ومصالحه، وأما عملية التذكر الانتقائي ترتبط بالعمليات السابقة فالإنسان يتذكر ما يتصوره ويدركه أو يحب أن يتصوره .

            نظرية انتشار المبتكرات:

            نشأة وتطور نظرية انتشار المبتكرات: ظهرت هذه النظرية خلال السنوات الأخيرة من الخمسينات والستينات متأثرة بنظرية تدفق المعلومات على مرحلتين التي قدمها لازازسفيلد وزملاؤه حيث وبنفس الطريقة وجد علماء الاجتماع الريفي أن نموذج نشر المعلومات على المزارعين يمكن فهمه في إطار تدفق المعلومات على مرحلتين وانه يمكن النظر إلى عملية نشر الأفكار الحديثة بين المزارعين على أنها مشابهة تماما لعملية التصويت في الانتخابات وان النصيحة في الحالتين تتم تلبيتها من خلال الاتصال الشخصي وتأثير قادة الرأي الذين يتفقون وخصائصهم تماما كما انتهت إليه دراسات التصويت الانتخابي.

            وتعود أصول نظرية انتشار المبتكرات إلى دراسات متفرقة قام بها الباحثون الاجتماعيون في عدة ميادين مثل الأنثروبولوجيا والتربية والزراعة لمعرفة كيفية تبني المزارعين للأفكار الجديدة المتعلقة بأساليب الزراعة الحديثة كما اهتم بها أيضا الباحثون في مجال التربية من خلال محاولة نشر طرق التدريس الجديدة أو فكرة تنظيم الأسر أو اقتناء الأجهزة واستخداماتها وغيرها من المجالات المختلفة لمعرفة أثارها في النظام الاجتماعي القائم.

            وتركز هذه النظرية على نشر المعلومات المتعلقة بالمبتكرات والتجديد بين أفراد المجتمع أو قطاع منه بهدف تحقيق التنمية وهو في الأخير يعتبر (التغيير) الهدف النهائي لها، لهذا قام روجرز و شومیکر بالمراجعة والتدقيق في أكثر من 5000 أمر برقية متعلقة بانتشار كل ما هو مبتكرات جديدة في مجال الاجتماع الريفي والأنثروبولوجيا بهدف التعرف على آليات تبني الأفكار والمستحدثات من قبل الجمهور، ليؤكدا في الأخير من خلال نموذجهما دور البيئة الاجتماعية في التأثير على سريان المعلومات و قبولها، بحيث أكدا أن تعرض الفرد لوسائل الإعلام بشكل انتقالي يظل خاضعا للفئات الاجتماعية التي ينتمي إليها ذلك أن الفرد يتحرك في إطارها بما في ذلك دور قادة الرأي في تمرير المعلومات والتي يستقونها من المصادر الإعلامية إلى غيرهم ممن لم يتعرضوا للإعلام بشكل كاف.

            والابتكار وفق هذه النظرية هو أي فكرة جديدة أو أسلوب أو نمط جديد يتم استخدامه في الحياة ففكرة تنظيم الأسرة أو إدخال أساليب جديدة في الزراعة أو استحداث وسيلة اتصالي كالهاتف المحمول أو غير ذلك يعتبر ابتكارا.

            انطلقت هذه النظرية من الدراسات والأبحاث المنجزة في إطار تمدید وتعميق العلاقات الشخصية، وأطلق عليها بعض الباحتين نظريات التأثير المحدود أو البحوث التي تجري حول انتشار المبتكرات أو الأفكار المستحدثة، وهذه النظرية تشبه نظرية تدفق انتقال وسائل الاتصال على مرحلتين مع توسعها في مراحل التدفق ووسائطه

            فرضية النظرية:

            تقوم هذه النظرية على افتراض أن قنوات ووسائل الإعلام تكون أكثر فعالية في زيادة المعرفة حول المبتكرات حيث تكون قنوات الاتصال الشخصي أكثر فعالية في تشكيل المواقف حول المبتكرات الجديدة، كما يقترب مدخل انتشار المبتكرات كثيرا من تدفق المعلومات على مرحلتين الذي يفترض أن الرسائل الإعلامية تصل إلى الجمهور عن طريق أفراد يتميزون عن سواهم بأنهم أكثر اتصالا ونشاطا في تعاملهم مع وسائل الاتصال الجماهيري ويطلق عليهم "قادة الرأي"، ومفهوم قادة الرأي في هذا المدخل "مدخل انتشار المبتكرات" لا يختلف كثيرا عن مدخل انتقال المعلومات على مرحلتين غير انه يضيف تفصيلات أكثر حول شخصية قادة الرأي.

            الخصائص التي تؤثر في قبول انتشار المبتكرات:

            طبعا ليست كل الأفكار والمبتكرات على قدر واحد من الذيوع والانتشار لأنها لا تتشابه في الخصائص والصفات ما يجعل بعضها أكثر رواجا وأكثر تقبلا من البعض الأخر، وقد خص روجرز وشومیکر المحددات والخصائص التي تحدد مدى ذيوع وانتشار المبتكرات فيما يلي:

            _ الميزة النسبية: المتحدث أو المبتكر قد يكون شيء مشابه لشيء آخر موجود مسبقا، لكن المهم هو مدى إدراك الفرد للمزايا النسبية للفكرة الجديدة سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية ويقصد بالميزة النسبية عادة مدى الفائدة الاقتصادية التي تعود على الشخص الذي يتبنى الفكرة أو الأسلوب الجديد.

            _ درجة التعقيد: أي مدى إدراك الفرد للمبتكر أو المستحدث على أنه سهل الفهم والاستخدام وتختلف المستخدمات في مدى سهولة فهمها والتعامل معها فكلما كانت الفكرة الجديدة سهلة التعامل والفهم زادت سرعة انتشارها.

            _الملاءمة: أي كلما أدرك الفرد أن هذه المبتكرات تتفق مع قيمه واجتماعاته وخبراته السابقة زادت سرعة انتشارها.

            _القابلية للتجريب: وتعني مدى قدرة الفرد على تجربة المستخدم على نطاق محدد وقبل أن يتخذ القرار النهائي بشأنه، لهذا فكلما كان الفرد على تجربة المستحدث زادت فرصة تنبيه له بحيث يمكن أن يتعرف على المزايا النسبية للمستحدث / المبتكر من خلال هذه المعاينة.

            _قبول النتيجة: أي مدى وضوح استخدام أو تبني المستحدث فسهولة ملاحظة الفرد والجماعة لنتائج تبني المستحدث تزيد من إمكانية انتشاره وتتيح هذه الخاصية للفرد أن يتحدث عن المستحدث مع الآخرين مما قد يزيد من قناعاتهم الخاصة بفوائده.

            ورغم أهمية هذه الخصائص غير أنها لا تمثل كل الخصائص التي يمكن للمبتكرات أن تتسم بها وان هذه الخصائص ليست على قدر واحد من الأهمية بالنسبة لانتشاره، فهناك عدد آخر من المحددات أو الخصائص التي تؤثر على عملية انتشار المبتكرات منها: (طبيعة ونوعية المجتمع والنمط الإيديولوجي المسيطر عليه (النمط التفكيري)، ونوع الفكرة والابتكار، والتكلفة المادية للمستحدث، والمستوى الاجتماعي والتعليمي الغالب على أفراد المجتمع، ونوع المجتمع (فالمجتمع المتمدن المتحضر يعرف إقبالا كبيرا على كل ما هو جديد )، والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع.

            -الانتقادات الموجهة النظرية انتشار المبتكرات: لقي نموذج انتشار المبتكرات شيوعا وانتشارا في بداية الستينيات خاصة في دول العالم الثالث غير انه واجه فيما بعد في السبعينيات جملة من الانتقادات هي:

            _ أن تطبيق هذا النموذج والعمل به في دول العلم الثالث أدى إلى اتساع هوة فجوة المعلومات وازدياد الفروقات الاجتماعية والاقتصادية بين فئات المجتمع لان الفئات المتقدمة اقتصاديا واجتماعيا تشجع أكثر من غيرها على التجديد وممارسته بالإقبال على تلقي المعلومات أكثر من غيرها من الفئات الفقيرة.                                                                                                                                           _دعم اتفاق الباحثين والدارسين لهذا النموذج الانتشار"على تعريف محدد للتنمية.                                                                                                           إيمان الباحثين وعلى رأسهم روجرز بقوة تأثير وسائل الاتصال على قادة الرأي خاصة وبفاعليتها من مناطق أو بتأثير نظرية الطلقة السحرية أي أن نموذج الانتشار اخذ مبدأ سريان المعلومات في اتجاه واحد أي من الحكومة ومراكز التنمية إلى الجمهور المتلقي.

               تشرح نظرية انتشار المبتكرات (diffusion of innovations theory) كيف أن فكرةً أو منتجاً أو قصة أدبية أو سلوكاً ما، يكتسب زخماً بمرور الوقت وينتشر في مجتمع أو نظامٍ اجتماعي معيَّن. وقد طوَّر هذه النظرية إي. إم. روجرز أستاذ العلاقات العامة في جامعة نيو مكسيكو عام 1962م ولا تزال تعتمد في مجالات كثيرة. وهي تنطوي على مفاهيم أساسية، أهمها:

            لا يتم تبني أي ابتكارٍ دفعةً واحدةً، بل عبر مسار يكون فيه بعض الناس أكثر ميلاً لتبنيه من الآخرين. والنتيجة النهائية لهذا الانتشار هو أن الناس، كجزء من نظام اجتماعي، فعلوا شيئاً مختلفاً عن السابق.

            إن مفتاح التبني هو أن الشخص يجب أن ينظر إلى الفكرة أو السلوك أو المنتج على أنه جديد أو مبتكر وغير مألوف، وهو على استعدادٍ للتغيير، ومن خلال هذا يمكن الانتشار.

            لقد وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يتبنون الابتكار مبكراً، لديهم خصائص مختلفة عن الأشخاص الذين يتبنون الابتكار لاحقاً. ويتوزع هؤلاء، بموجب هذه النظرية، التي اعتمدت بدورها على دراسات واستطلاعات عديدة، على خمس فئات رئيسة:

             

            1__المبتكرون (غير المخترعين) الذين يشكلون (2.5%) من السكان، وهم أول من يجرب الابتكار. إنهم مغامرون ومهتمون بأفكار جديدة، وعلى استعداد تام لتحمل المخاطر، ولا يحتاج هؤلاء لأي ترويج لجذبهم.

            2__المتبنون الأوائل، ويشكِّلون (13.5%) هؤلاء هم قادة الرأي، ويتمتعون بأدوار قيادية، ويدركون بالفعل الحاجة إلى التغيير، ويرتاحون إلى تبني أفكار جديدة. يحتاج هؤلاء لاجتذابهم أدلة إرشادية ومعلومات حول التنفيذ فقط. إنهم لا يحتاجون إلى معلومات لإقناعهم بالتغيير.

            3__الأغلبية المبكرة، وتشكِّل (34%) هؤلاء الناس نادراً ما يكونون قادة، لكنهم يتبنون أفكاراً جديدة قبل الشخص العادي. ومع ذلك، يحتاجون عادةً إلى رؤية دليلٍ على أن الابتكار يعمل قبل أن يكونوا على استعداد لتبنيه.

            4__الأغلبية المتأخرة، الأغلبية المتأخرة، التي تشكِّل أيضاً (34.5%) يشكك هؤلاء في التغيير، ولن يعتمدوا ابتكاراً إلا بعد تجربته من قِبَل الأغلبية. تتضمَّن استراتيجيات جذب هؤلاء السكان معلومات حول عدد الأشخاص الآخرين الذين جربوا الابتكار واعتمدوه بنجاح.

            5__المتخلفون، الذين يشكِّلون (16%) هؤلاء الناس ملتزمون بالتقاليد ومحافظون للغاية. إنهم متشككون للغاية في التغيير، وهم أصعب مجموعة يمكن جذبها. تشمل استراتيجيات جذب هؤلاء السكان الإحصاءات، والضغط من الأشخاص في المجموعات المتبنية الأخرى.

            تسعى إلى شرح كيفية انتشار الأفكار والتقنيات الجديدة، وسبب هذا الانتشار، ومعدله. نشر إيفرت روجرز، أستاذ دراسات التواصل، هذه النظرية في كتابه انتشار المبتكرات، الذي نُشر لأول مرة في عام 1962، وهو الآن في طبعته الخامسة (2003). يقول روجرز إن الانتشار هو العملية التي يجري من خلالها نقل الابتكار مع مرور الوقت بين المشاركين في النظام الاجتماعي. تتنوع أصول نظرية انتشار المبتكرات وتغطي تخصصات متعددة….يقترح روجرز أن أربعة عناصر رئيسية تؤثر على انتشار فكرة جديدة: الابتكار نفسه، وقنوات التواصل، والوقت، والنظام الاجتماعي. تعتمد هذه العملية اعتمادًا كبيرًا على رأس المال البشري. يجب تبني الابتكار على نطاق واسع من أجل الاكتفاء الذاتي. في إطار معدل التبني، هناك نقطة يصل عندها الابتكار إلى الكتلة الحرجة.

            فئات المتبنين هي المبتكرون، والمتبنّون أصحاب السبق، والأغلبية المتقدمة، والأغلبية المتأخرة، والمتخلفون. يتجلى الانتشار بطرق مختلفة ويخضع بدرجة كبيرة لنوع المُتبنين ومنهج قرار الابتكار. معيار تصنيف المتبني هو الابتكارية، التي تُعرَّف بأنها الدرجة التي يتبنى بها الفرد فكرة جديدة.

            المنهج

            يحدث الانتشار من خلال منهج صنع قرار ذي خمس خطوات. يحدث ذلك من خلال سلسلة من قنوات التواصل على مدار فترة زمنية بين أعضاء نظام اجتماعي مماثل. حدد ريان وغروس لأول مرة التبني باعتباره منهجًا في عام 1943. إن مراحل (خطوات) روجرز الخمس: الوعي، والاهتمام، والتقييم، والمحاكمة، والتبني، هي جزءٌ لا يتجزأ من هذه النظرية. يستطيع الفرد رفض ابتكار ما في أي وقت في أثناء عملية التبني أو بعدها. درس أبراهامسون هذه العملية بشكل نقدي من خلال طرح أسئلة مثل: كيف تنتشر الابتكارات غير الفعالة تقنيًا وما الذي يعوق الابتكارات الفعالة تقنيًا من الالتحاق بها؟ يقدم أبراهامسون اقتراحات لكيفية إجراء العلماء التنظيميين تقييمًا أكثر شمولًا لانتشار المبتكرات. في الإصدارات اللاحقة من كتاب انتشار المبتكرات، يغير روجرز المصطلحات في المراحل الخمس إلى: المعرفة، والاقتناع، والقرار، والتطبيق، والتأكيد. ومع ذلك، ظلت أوصاف الفئات متشابهة خلال الطبعات.

            معدل التبني: يصل الابتكار إلى الكتلة الحرجة عند نقطة ما من منحنى التبني. وهذا هو الوقت الذي يضمن فيه عدد الأفراد المتبنين أن يكون الابتكار مكتفيًا ذاتيًا.استراتيجيات التبني: يحدد روجرز عدة استراتيجيات من أجل مساعدة الابتكار في الوصول إلى هذه المرحلة، بما في ذلك حين يتبنى الابتكارَ فردٌ يحظى باحترام كبير داخل شبكة اجتماعية ويخلق رغبة غريزية في ابتكار محدد. هناك إستراتيجية أخرى تشمل إدخال ابتكار ما إلى مجموعة من الأفراد الذين يستخدمون هذه التكنولوجيا بسهولة، فضلًا عن توفير ردود فعل وفوائد إيجابية للمتبنين أصحاب السبق.

            الانتشار مقابل التبني: التبني هو عملية فردية تفصّل سلسلة المراحل التي يمر بها المرء منذ أول جلسة استماع حول منتج وحتى تبنيه أخيرًا، أما الانتشار، فهو ظاهرة جماعية تقترح كيفية انتشار ابتكار ما.